أخبار بديــل

المحاسبة وفرض العقوبات هما المدخل لإنهاء النكبة المستمرّة
المحاسبة وفرض العقوبات هما المدخل لإنهاء النكبة المستمرّة
logobadilspheral2               GPRN-logo

بيان صادر عن بديل-المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطن واللاجئين والشبكة العالمية للدفاع عن حقوق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين


 

هذا البيان متوفر أيضاً باللغة الإنجليزية | الفرنسية | الألمانية | الإيطالية | الاسبانية | البرتغالية.

 

pal-ref-stats-endof2024arمع مرور 78 عاماً من النكبة المستمرّة، و31 شهراً من الإبادة الجماعية في قطاع غزة، لا تزال منظومة الاستعمار والفصل العنصري الإسرائيلية ترتكب جرائمها بحقّ الفلسطينيين بتمكينٍ وتمويلٍ من الدول الغربيّة الاستعماريّة المتواطئة. وتنفيذاً لما عُرف بـ "خطّة الحسم"، تواصل المنظومة الإسرائيليّة ارتكاب الإبادة الجماعية المستمرّة في قطاع غزة؛ وتصعيد التوسّع الاستعماري في الضفة الغربيّة؛ وتصعيد حملتها التي تهدف إلى القضاء على وجود الوكالات والمنظمات الدوليّة، بما فيها الأونروا. ومع تطبيع الجرائم الإسرائيليّة المتمثلّة في التهجير القسري والاستعمار والفصل العنصري، بل وحتّى الإبادة الجماعيّة، تتّسع فجوة الحماية التي يواجهها اللاجئون الفلسطينيون أكثر فأكثر. إن تقاعس الدول وتواطؤها المستمر أمران كانا وما زالا مسؤولين عن تكرار نموذج الإبادة الجماعية الإسرائيلية في لبنان. وهنا لا بد من التأكيد انه بينما تضغط حركة التضامن العالمية من أجل فرض عقوبات عسكريّة واقتصاديّة وسياسيّة، يواصل الشعب الفلسطيني نضاله من أجل التحرير.

 

على إثر النكبة المستمرّة التي ترتكبها المنظومة الإسرائيليّة، وتقاعس الدول وتواطؤها، بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيّين والمهجّرين قسراً مع نهاية العام 2025 قرابة 10.15 مليون فلسطينيّ، منهم 9.238 مليون لاجئ و914,500 نازح داخلياً، أي ما يعادل 66 بالمئة من الشعب الفلسطيني، الامر الذي يجعل منهم أكبر فئة نازحة في العالم وأطولها أمداً.

 

واليوم، تتجلّى النكبة المستمرّة في "خطة الحسم" الإسرائيليّة، التي تهدف إلى القضاء على حقّ الفلسطينيين في العودة وتقرير المصير عبر فرض الهيمنة الإسرائيليّة، والفصل العنصري المكاني، والتهجير القسري. في الضفّة الغربيّة، يُهجَّر الفلسطينيون وتُعزَل مجتمعاتهم بفعل الإغلاقات المستمرة، وهجمات المستعمرين، ومصادرة الأراضي، وقمع جميع أشكال المقاومة، تزامناً مع تكثيف سياسات الفصل العنصري المكاني الإسرائيلية الهادفة إلى تجزئة المجتمع الفلسطيني إلى معازل. وقد صعّدت المنظومة الإسرائيلية من حصارها من خلال وضع أكثر من 925 عائقاً أمام الحركة، بما في ذلك 384 بوابة حديدية على الأقل، وتوسيع الطرق الالتفافية المخصصة للمستعمرين فقط، والتخطيط لبناء 34 مستعمرة جديدة في عام 2026 في أنحاء الضفة الغربية والقدس. ومنذ عام 2023، هُجِّر أكثر من 5800 فلسطينياً، وأُخلي 45 تجمّعاً سكّانياً بالكامل في الضفة الغربية والقدس نتيجةً لهجمات المستعمرين وسياسة هدم المنازل. إضافةً إلى ذلك، لا يزال أكثر من 33 ألف لاجئ فلسطيني مهجّرين من مخيمات طولكرم ونور شمس وجنين المحاصرة منذ كانون الثاني 2025، نتيجةً لعملية "الجدار الحديدي" الإسرائيلية.

 

وفي القدس وفلسطين 1948، صعّدت المنظومة الإسرائيلية قمعها للفلسطينيين، مع تصاعد عمليات هدم المنازل، والاعتقالات الجماعية، وعزل السكّان من خلال التمييز في سياسات التخطيط والتنظيم الحضري، والمراقبة تحت ذريعة "الأمن".

 

2026Awda-posterأمّا في قطاع غزّة، ومنذ إعلان وقف إطلاق النار الزائف، قتلت المنظومة الإسرائيليّة أكثر من 854 فلسطينيّاً. إضافةً إلى نزوح ما يقارب 2.1 مليون فلسطينياً – ستّ أو سبع مرات على الأقل منذ بداية الإبادة الجماعيّة الإسرائيليّة، مع استمرار افتقارهم للمأوى والرعاية الصحيّة والتعليم، تزامناً مع عزلهم في 42% فقط من مساحة القطاع بعد فرض ما يسمى "الخطّ الأصفر". وقد أدّى الحصار المستمرّ والقيود المفروضة على المساعدات الإنسانيّة إلى استنزاف الغذاء والماء والدواء وغيرها من المواد الأساسيّة، الأمر الذي أدّى إلى تفاقم سوء التغذية. ومع الاستمرار في تعمُّد ترسيخ سوء التغذية وتعزيز البيئة القهرية الطاردة، لم يتبقَ أمام الفلسطينيين في قطاع غزّة سوى ثلاث خيارات، كما هو منصوص عليه في "خطّة الحسم": الاستسلام (الخضوع للمنظومة الاستعمارية)، أو الفرار، أو الموت.

 

وتحت ضغط وتأثير إدارة ترامب الأمريكيّة، تم تضمّين قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2803 "خطّة ترامب ذات النقاط العشرين"، التي تنتهك القانون الدولي بوضوح، وتضفي الشرعيّة على أهداف المنظومة الإسرائيلية من خلال إنشاء "مجلس السلام". يُفترض أنّ هذا المجلس – الذي يضمّ المنظومة الإسرائيلية نفسها، بشكلٍ غير مفهوم – يُنسّق تعهّدات "إعادة الإعمار" بمليارات الدولارات من دول ثالثة. ولم يكتفِ "مجلس السلام" بالتعدّي على دور الأمم المتحدة والمنظمات الدولية، بل إنّه حتّى لم يُقدِّم مساعدات كافية للفلسطينيين في قطاع غزّة، مع العلم أنّ المساعدات المقدّمة للقطاع انخفضت بنسبة 80% منذ بدء الحرب على إيران. إنّ "مجلس السلام" المزعوم صُمّم خصّيصاً لتبرئة المنظومة الإسرائيلية من جرائمها؛ فهو يعمل على منع الأمم المتحدة والدول الأخرى من التدخل، ويبرّئ المنظومة الإسرائيلية من مسؤوليتها القانونية والمالية عن الإبادة الجماعية، ويُعيد صياغة الحق في جبر الاضرار على أنه مرتبط حصراً بعملية إعادة الإعمار المدفوعة من قِبل المانحين. وبذلك، يُعزّز "مجلس السلام" سيطرة الجهات الخارجية، ويُهمّش الفلسطينيّين، ويُقوّض حقّهم في تقرير المصير والحق في جبر الضرر. وعليه، يُنكر كل من القرار 2803 و "خطّة ترامب ذات النقاط العشرين" أي سيادة حقيقيّة على الأرض والموارد، بينما يُعيدان إنتاج الهيمنة الاستعمارية الإسرائيلية تحت ستار "إعادة الإعمار".

 

ومنذ بدء تطبيق قوانين حظر الاونروا في كانون الثاني 2025، رفضت المنظومة الإسرائيليّة منح تأشيرات وتصاريح دخول لموظّفي وكالة الأونروا، وقامت بهدم مقرّها الرئيس في القدس في كانون الثاني 2026. كما تواصل المنظومة الإسرائيليّة عرقلة المساعدات والخدمات التي تقدمها الوكالة، لا سيّما في قطاع غزة. وإضافةً على ذلك، شهدت خدمات الرعاية الصحيّة والتعليم والطوارئ انخفاضاً حادّاً نتيجة لتقاعس الدول عن تقديم الدعم المالي والسياسي اللازم للوكالة. وقد حذّر المفوّض العام السابق لازاريني قائلاً: "في ظلّ غياب تدفق تمويلٍ جديد، ستتأثّر الخدمات الحيوية المقدّمة لملايين اللاجئين الفلسطينيين في جميع أنحاء المنطقة". إنّ الدول، من خلال قطع التمويل عن الأونروا وتحويله إلى منظمات أخرى، لا تتواطأ في الإبادة الجماعية فحسب، بل تقصّر أيضاً في حماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين وضمان سلامتهم. وبسماحها للمنظومة الإسرائيليّة بمواصلة حظر عمل وكالة دولية تابعة للأمم المتحدة، فإنها تمكّنها من عسكرة المساعدات الإنسانيّة واستخدامها كسلاح لتحقيق أجندتها الاستعمارية ومواصلة الإبادة الجماعيّة للفلسطينيين.

 

وإلى جانب تقديم المساعدات والخدمات، وهما عنصران أساسيّان في الحماية الدولية، تضطلع الأونروا بدور محوري في دعم حقّ الفلسطينيين في العودة. حيث تُناط بالوكالة مهمّة مواصلة العمل حتى تنفيذ المادة 11 من قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194: الحقّ في جبر الضرر (بما في ذلك العودة، واسترداد الممتلكات، والتعويض، وضمان عدم التكرار). ومن الناحية الجوهريّة والسياسيّة، يُعدّ القضاء على الأونروا جزءاً من حملة إسرائيلية أوسع نطاقاً، تهدف إلى تقويض حقّ الفلسطينيين في العودة إلى الديار الأصلية. كما يؤكّد سحب الدول للدعم السياسي والمالي عن الأونروا تواطؤها في الحملة الإسرائيليّة، ويُعدّ انتهاكاً لالتزامها بتوفير الحماية. ولا يقتصر التزام الدول على دعم الأونروا فحسب، بل يجب عليها أيضاً رفض أي أطر تُجيز القضاء عليها، مثل "خطّة ترامب ذات النقاط العشرين"، و"مجلس السلام"، والقوانين الإسرائيلية الأخرى التي تحظر الأونروا. ويشمل ذلك التقييم الاستراتيجي الذي أعدّته الأمم المتحدة عن الأونروا، والذي يُقدّم سيناريوهات لانهيار الأخيرة. والأهم من ذلك، أنّ تأييد الدول للنهج والآليات الاستعمارية يُسهم في تطبيع الجرائم الإسرائيلية، وترسيخها في فلسطين التاريخية والمنطقة ككُل.

 

يُعدّ تطبيق المنظومة الإسرائيليّة لنموذج الإبادة الجماعيّة في لبنان مثالاً آخراً على هذا التطبيع والترسيخ. فقد أدّى السماح للمزيد من الانتهاكات الإسرائيلية ضمن وقفٍ زائفٍ لإطلاق النار إلى تهجير أكثر من مليون شخص تحت ستار أوامر "الإخلاء"، واستهداف موظّفي الأمم المتحدة ومبانيها، فضلاً عن العاملين في المجال الإنساني والصحفيين، وتدمير قرى بأكملها مع البنى التحتية العامّة بهدف منع عودة السكان وتأمين التوسع الاستعماري الإسرائيلي. وقد نزح اللاجئون الفلسطينيون في لبنان، بمن فيهم أولئك الذين كانوا قد نزحوا قسراً من سوريا. وبحسب "خطة الحسم"، سيتم توسيع نطاق التوسّع الاستعماري الإسرائيلي ليشمل ما وراء فلسطين، وصولاً إلى لبنان وسوريا والأردن ومصر، بهدف إقامة "إسرائيل الكبرى".

 

ينعكس الدعم المقدّم لمنظومة الاستعمار والفصل العنصري الإسرائيليّة أيضاً في سياسات الدول الداخلية، من خلال قمع وإسكات وتجريم أيّ شكل من أشكال التضامن مع الشعب الفلسطيني. ومع استمرار الاتحاد الأوروبي في إبرام اتفاقية الشراكة الاقتصادية مع المنظومة الإسرائيلية، وترسيخ تواطؤه، بات من الضروري أكثر من أيّ وقتٍ مضى أن تُصعّد حركة التضامن تحرّكاتها الميدانية المباشرة لزعزعة الوضع الراهن وفرض الخسائر المادية على كلّ من يتواطأ في الجرائم الإسرائيلية. إنّ هذه الجرائم لن تتوقّف إلّا من خلال ضغط متواصل ومنسّق على الدول لإنهاء تواطؤها وفرض عقوبات عسكرية وسياسية واقتصادية على المنظومة الإسرائيلية.

 

تبدأ محاسبة المنظومة الإسرائيليّة على جرائمها المستمرّة بفرض العقوبات لتفكيك هياكل هيمنتها وقمعها. وعليه، إنّ فرض إطار شامل لإنهاء الاستعمار قائم على الحقوق، ويُركّز على حقّ الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير، هو الحلّ الوحيد لإنهاء النكبة المستمرّة.

 

بيان صادر عن بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين والشبكة العالمية للاجئين والمهجرين الفلسطينيين