أخبار بديــل
9/1/2026
ما يجري في فلسطين وفي الإقليم الأوسع نطاقًا ليس مجرد سلسة احداث منفصلة، بل مشروع إقليمي مُنسق للهيمنة والسيطرة، يُفرض عبر ارتكاب جرائم دولية، وبالقوة القهرية، وبضمان الإفلات من العقاب. يُنفذ هذا المشروع، ويُحمى، ويُدار بصورة تشاركية مباشرة بفضل الدور المحوري للولايات المتحدة، التي يشكل دعمها العسكري والدبلوماسي والسياسي شرطاً لا غنى عنه في جميع مراحل تنفيذه. تمثل الإبادة الجماعية المستمرة في غزة المرحلة الأكثر تطرفًا ووضوحًا لهذا المشروع، لكنها ليست حالة معزولة. فهي جزء من استراتيجية أشمل تسعى من خلالها المنظومة الاستعمارية الإسرائيلية إلى محو الوجود الفلسطيني، وتفكيك المجتمع الفلسطيني، وترسيخ ما تسميه "سيادتها"، وإعادة تشكيل النظام الإقليمي بما يفرض ويُطبع هيمنة أمريكية وإسرائيلية كأمر واقع دائم.
ان هذه الاستراتيجية المتعمدة، ذات الامتداد الاقليمي، لا تنتهك سيادة الدول فحسب، بل تنتهك أيضًا الحق غير القابل للتصرف في تقرير المصير لشعوب فلسطين وسورية ولبنان واليمن والصومال وفنزويلا. كما إن صمت الدول وتقاعسها وتواطؤها، الى جانب فشل منظومة الأمم المتحدة في اتخاذ أي إجراءات حاسمة، يسهم بصورة مباشرة في تمكين هذه الجرائم، ويؤدي عملياً الى استبدال منظومة الأمم المتحدة بالهيمنة الأمريكية والإسرائيلية.
في جميع أنحاء فلسطين الانتدابية، تُنفذ هذه الاستراتيجية من خلال القتل، والاعتقالات الجماعية، والتهجير القسري، وهدم المنازل، والتوسع الاستعماري، والقمع، وحصر المجتمعات الفلسطينية في معازل مفروضة. وإلى جانب هذا الاعتداء المادي المباشر، صعّدت المنظومة الإسرائيلية هجومها على الوجود الدولي وآليات المساءلة، بما في ذلك الحملة الممنهجة لتصفية الأونروا. تهدف هذه الممارسات غير القانونية إلى محو صفة لاجئ عن اللاجئين الفلسطينيين، وتفكيك منظومة الحماية الدولية، وتجريد الشعب الفلسطيني من أي مكانة معترف بها دوليًا. ويجب فهم استهداف الأونروا، بما في ذلك حظر عملياتها والتشريعات الإسرائيلية التي أُقرتّ مؤخرًا وتمنع تقديم الخدمات الأساسية في مرافقها، بوصفه جزءاً لا يتجزأ من استراتيجية إقصائية شاملة، تُنفَّذ بثقة تامة بأن الولايات المتحدة ستتكفل بمنع أي مسائلة او تبعات دولية.
إن ما يُسمى بـ "مجلس السلام" الدولي الخاص بقطاع غزة لن يكون سوى آلية معاد انتاجها، على غرار الانتداب البريطاني (1922-1948)، تُرسخ الاستقرار خدمةً للمصالح الإمبريالية، وتمنح المنظومة الإسرائيلية هامشاً غير محدودة للتوسع والهيمنة والمحو. ولا تقع فلسطين في قلب هذه البنية صدفةً، بل إن إقصاء الفلسطينيين شرطٌ بنيوي لاستدامة نظام إقليمي قائم على العدوان والعسكرة، وتطبيع الجرائم الدولية، والإفلات التام من المسائلة والعقاب.
ولا تتوقف الأهداف التوسعية والاستعمارية الإسرائيلية عند فلسطين فحسب، بل تتجذر ضمن "خطة الحسم" التي تتبناها المنظومة الإسرائيلية بوصفها رؤية للهيمنة الدائمة، تُفرض عبر ارتكاب الجرائم الدولية، واخضاع الإقليم، والتدمير المُتعمد لأي أفق سياسي لحق تقرير المصير، في سياق السعي الى ما يسمى بـ “إسرائيل الكبرى". وبعيداً عن كونها مجرد خطابات او خيال ايدولوجي، فإن خطة الحسم تطبق وتنفذ فعلياً على أرض الواقع من خلال تصعيد العدوان وتكثيف القمع تحت ذرائع "الأمن"، والتقويض الممنهج لسيادة الشعوب وحقها في تقرير المصير، ليس فقط في فلسطين، بل في جميع أنحاء المنطقة.
في لبنان، فككت المنظومة الإسرائيلية بوضوح وهم وقف إطلاق النار عبر القصف المتواصل، وعمليات القتل والاستهداف، وتهديدات الإخلاء، واستخدام الطائرات المسيرة، واستهداف الأحياء السكنية والتجارية. وتحت ذريعة "نزع سلاح حزب الله"، تعمل هذه الهجمات على تقويض السيادة اللبنانية، وتُجريم المقاومة، وفرض منظومة امنية من الخارج. وتستمر جرائم المنظومة الإسرائيلية في لبنان للسبب ذاته الذي يجعلها تستمر في أماكن أخرى: لأن الولايات المتحدة توفر الضوء الأخضر السياسي، وهندسة وقف إطلاق النار، وإطار الإفلات من العقاب.
اما في سوريا، فيُعاد تسويق الهيمنة الأمريكية - الإسرائيلية تحت مسمى "خفض التصعيد". فقد وسّعت المنظومة الإسرائيلية نطاق هجماتها الى ما يتجاوز مرتفعات الجولان، بالتوازي مع مشاركتها في محادثات برعاية أمريكية مع الحكومة السورية الجديدة، تحت عناوين التنسيق وتبادل المعلومات الاستخباراتية و"الفرص التجارية". وبينما يستحضر الجانب السوري احياء اتفاقية فك الاشتباك لعام 1974، الصادرة بتفويض من الأمم المتحدة، تبقى هذه المحادثات مُؤطرة حول "التنسيق الأمني" لا حول إنفاذ القانون الدولي، ولا سلطة الأمم المتحدة، ولا الطابع الالزامي المفترض لقراراتها. وعليه، فانه هذا المسار ينتهك حق الشعب السوري في تقرير مصيره، ويؤسس للتطبيع القسري تحت الاكراه.
إن آلية التواصل التي ترعاها الولايات المتحدة لا تقيد المنظومة الإسرائيلية، بل تُضفي عليها شرعية لتوسعها، وتُعيد تأطير الجرائم والقصف والعدوان كترتيبات قابلة للتفاوض. وفي هذا السياق يبقى اللاجئون الفلسطينيون في سوريا عالقين بين عدوان المنظومة الإسرائيلية، وتآكل الحماية الدولية واستهداف الأونروا، ومساومات سياسية تتعامل مع وجودهم بوصفه امراً قابلاً للتضحية. وما يجري بناؤه هو منظومة هرمية مُدارة، تُخضع فيه السيادة وحق تقرير المصير في سوريا، كما هو الحال مع لبنان، لعقائد الأمن التي تفرضها المنظومة الإسرائيلية وللأولويات الإقليمية الامريكية.
يجب تسمية دور الولايات المتحدة بوصفها وسيطاً بما يعكس حقيقته: شراكة مباشرة في ارتكاب الجرائم. فالولايات المتحدة ذاتها التي تتوسط وترعى اتفاقيات وقف إطلاق النار التي تنتهكها المنظومة الإسرائيلية باستمرار، هي نفسها التي تسلح وتمول وتحمي هذه الجرائم دبلوماسيًا، بينما تفرض في أماكن أخرى الاخضاع عبر الإكراه الاقتصادي ونهب الموارد. ومن فلسطين إلى لبنان وسوريا وصولاً إلى فنزويلا - حيث تصاعدت الضغوط والعقوبات الأمريكية ومطالب السيطرة على النفط إلى ممارسات شملت الاختطاف خارج الاقليم والقصف- تنكشف المنظومة الامبريالية ذاتها بلا مواربة. فالأمر لا يقتصر على السيطرة والهيمنة الإقليمية والموارد فحسب، بل يتعلق بالتقويض الممنهج لحقوق الشعوب، وفي مقدمتها حقها في تقرير المصير، الذي يُخضع باستمرار للمصالح الجيوسياسية والاقتصادية.
وبرغم ان الإبادة الجماعية مستمرة في قطاع غزة، فإن تداعياتها تتجاوز ذلك بكثير، لتستهدف النظام الدولي برمته. لقد أسهم الصمت، والتقاعس، والتواطؤ الواسع النطاق من قبل الدول اسهاماً مباشراً في تكريس واقع باتت فيه انتهاكات القانون الدولي مقبولة، شريطة أن يكون الجاني قويًا بما يكفي. إن تطبيع انتهاك القانون الدولي استراتيجية سياسية متعمدة. فقد تصرفت المنظومة الإسرائيلية، شأنها شأن الولايات المتحدة، في ظل إفلات شبه تام من العقاب، وبانتهاك صارخ لجميع قواعد ومبادئ القانون الدولي. وفي هذا السياق، باتت قوة الدولة، لا القانون أو العدالة أو الحقوق أو المبادئ الأخلاقية، هي المصدر الرئيس للشرعية. وما لم تبادر الدول الى تحرك حاسم وجماعي لمواجهة هذه الاستراتيجية الاستعمارية، فإن النظام الدولي بأكمله ماضٍ نحو الاستبدال الكامل بهيمنة استعمارية أمريكية - إسرائيلية.
المطلوب هو الوضوح، لا الحذر. ان مشروع المنظومة الاستعمارية الإسرائيلية إقليمي بطبيعته، متعمد، ومستمر، وتقف الولايات المتحدة في صلب تنفيذه، بصفتها مُيسراً وشريكاً مباشراً في ارتكاب الجرائم. فهي لا تحل الأزمات، بل تُنتج التبعية وتفرض الخضوع. وعلى الدول ومنظومة الأمم المتحدة مواجهة هذا النمط بشكل مباشر.
إن فرض حظر عسكري فوري ومتبادل، إلى جانب عقوبات سياسية ومالية ودبلوماسية، باتت ضرورة لا غنى عنها لإنهاء التواطؤ، ووقف الجرائم المستمرة، وضمان الحماية والحقوق التي يستحقها الشعب الفلسطيني، وسائر الشعوب، بموجب القانون الدولي.