أخبار بديــل
(بيت لحم٫ 21/1/2026)
في 20 كانون الثاني 2026، اقتحمت القوات الإسرائيلية، برفقة بن غفير، مقر وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا) في القدس، وهدمت عدة مبانٍ، واستبدلت علم الأمم المتحدة بالعلم الإسرائيلي. يُمثل هذا الاعتداء المباشر تطبيقًا عمليًا لحملة أوسع نطاقًا تهدف إلى تفكيك الأونروا وتقويض سلطة الأمم المتحدة نفسها. وهذا ليس حادثًا معزولًا، بل إنه جزء من جهد منسق ومستمر يقوم به نظام الاستعمار والفصل العنصري الإسرائيلي والولايات المتحدة لإلغاء إحدى الوكالات الأساسية في منظومة الأمم المتحدة، وإزالة آليات الرقابة، وتحويل المسؤولية من الدول إلى الوكالة نفسها. في هذا السياق، فإن العجز المالي للوكالة لا يعود إلى سوء إدارة كما يدعي البعض، بل إلى إخفاق الدول المستمر في الوفاء بالتزاماتها القانونية والسياسية والمالية تجاه اللاجئين الفلسطينيين والأمم المتحدة. لقد أُثّرت العقبات السياسية، وسحب الدعم المالي، والإجراءات القسرية التي فرضها النظام الإسرائيلي داخليًا على الأونروا، الأمر الذي وجدت فيه بعض للدول فرصة للتهرب من المساءلة وتصوير المشكلة على أنها مسألة إدارية داخلية.
يجب فهم التطورات الأخيرة التي تؤثر على الأونروا أولاً وقبل كل شيء على أنها جزء من حملة منسقة من قبل النظام الاستعماري الإسرائيلي والولايات المتحدة لتفكيك ولاية الوكالة والهجوم على وضعها القانوني لإيقاف عملياتها. هذه الإجراءات تنقل عبء المسؤولية من الدول إلى الوكالة نفسها، وتعيد صياغة فشل الدول للوفاء بالتزاماتها على أنه مشكلة إدارية داخلية. وبينما وُصف العجز الحالي للأونروا على نطاق واسع بأنه مشكلة تمويل، فإن الإجراءات المتخذة ردًا على ذلك، بما في ذلك تخفيض القوى العاملة وفصل الموظفين الفلسطينيين، لا تعالج العجز الأساسي. على العكس من ذلك، تتماشى هذه الإجراءات مع أهداف النظام الإسرائيلي، كما أنها تعفي الدول من التزاماتها القانونية والسياسية، في حين ما زالت الأمم المتحدة سلبية إلى حد كبير في ردودها، مكتفية بالإدانات اللفظية دون اتخاذ أية إجراءات ملموسة.
في ظل هذه الظروف، يشير التخفيض في القوى العاملة إلى انكماش مؤسسي خطير. ففصل نحو 600 موظف وتقليص ساعات العمل الأسبوعية من 37.5 إلى 30 ساعة، ما يؤدي إلى خفض فعلي في الرواتب والخدمات بنحو 20٪، لا يُعيد العمليات إلى طبيعتها ولا يحمي اللاجئين. بل على العكس، تُضعف هذه الإجراءات قدرة الأونروا وتُرسّخ الانكماش المؤسسي في مواجهة تزايد الاحتياجات. إن إنهاء عقود الموظفين الذين فروا بأنفسهم من الإبادة الجماعية الإسرائيلية ينقل عواقب الانتهاكات الخارجية إلى العمال الفلسطينيين، ويضر باستمرارية الوكالة ويشير إلى تراجع مستوى الحماية الواجبة. هذه الإجراءات التقشفية تجعل الضغوطات التي يفرضها النظام الاستعماري الإسرائيلي والولايات المتحدة تبدو وكأنها أمر داخلي ومشروع.
كما يجب فهم هذه التطورات في سياق أوسع يسعى لاستبدال نظام الأمم المتحدة. فقد أدت المبادرات التي أطلقتها إدارة ترامب وحلفاؤها، مثل إنشاء ما يسمى بـ ”مجلس السلام“ لغزة إلى تهميش القانون الدولي الملزم، واستبدال الآليات القائمة على الحقوق بالإدارة السياسية. كما أنها تدمر الإطار المتعدد الأطراف الذي يعترف باللاجئين الفلسطينيين كأصحاب حقوق والدول كجهات ملزمة. ما يحدث لم يعد مجرد هجوم على الأونروا وحدها، بل أصبح هجومًا متسعًا على منظومة الأمم المتحدة والنظام القانوني المتعدد الأطراف نفسه.
هذا الانكماش المؤسسي يقوض بشكل مباشر الدور الذي لا غنى عنه للأونروا في أي عملية إعادة إعمار وتقديم خدمات في المستقبل في غزة وجميع أنحاء فلسطين والدول المضيفة الأخرى. تظل الأونروا الوكالة الوحيدة التي تتمتع بالولاية والحجم والبنية التحتية والثقة المجتمعية اللازمة لاستعادة التعليم والصحة والإغاثة والخدمات الاجتماعية بالسرعة والنطاق المطلوبين. وترتبط هذه القدرة ارتباطًا وثيقًا بكوادرها الفلسطينية.
إن الدول ملزمة قانوناً بحماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين، وصون وكالة الأونروا، وضمان استمرارية عملياتها، تساهم بدلاً من ذلك في التواطؤ على إلغائها التدريجي. فهي ليست مراقبًا محايدًا، بل متواطئة، وتساهم بشكل فعلي في تقويض حقوق اللاجئين الفلسطينيين، والمؤسسات المكلفة بحمايتهم، والنظام القانوني الدولي الذي تدّعي حمايته.