أخبار بديــل
(بيت لحم، 19 حزيران 2026)
في اليوم العالمي للاجئين، يؤكد كل من بديل والشبكة العالمية اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين، رفضهما لجميع المحاولات التي تهدف الى اختزال التهجير القسري للشعب الفلسطيني وحصره في مجرد أزمة إنسانية منفصلة عن منظومة الفصل العنصري والهيمنة الاستعمارية، او استخدامها كغطاء لحماية المنظومة الإسرائيلية من المساءلة والمحاسبة.
على مدار ثمانية وسبعين عامًا، عملت المنظومة الإسرائيلية وحلفاؤها على تهجير أكثر من 10.15 مليون لاجئ ومهجر داخلي فلسطيني من أراضيهم وممتلكاتهم، وترسيخ هذا التهجير والحرمان عبر الأجيال. ويعد التهجير القسري للشعب الفلسطيني نتيجة مباشرة لنظام استيطاني استعماري إسرائيلي مستمر وقائم على الهيمنة الاستعمارية والفصل العنصري، والذي تصاعدت سياساته وممارساته لتشمل ارتكاب الإبادة الجماعية في غزة، اضافةً الى مصادرة وسرقة الأراضي، وفرض الحصار، وإنكار حق العودة وتقرير المصير للشعب الفلسطيني.
في فلسطين، أدت سياسات الاستيلاء على الأراضي ومصادرتها، وفرض القيود على الحركة، وتوسع الاستعماري واقامة المستعمرات، الى جانب انشاء بنية تحتية قائمة على الفصل العنصري، إلى خلق معازل فلسطينية مشابهة لنظام البانتوستانات الذي شكل أحد اهم أدوات الابرتهايد في جنوب أفريقيا. ويتفاقم هذا الوضع مع التسارع غير المسبوق في التوسع الاستعماري، حيث تم الاعتراف بعشرات المستعمرات والبؤر الاستعمارية الجديدة واضفاء الطابع الرسمي عليها في مختلف أنحاء الضفة الغربية خلال عام 2026، إلى جانب التهجير القسري المستمر للتجمعات البدوية الفلسطينية، وتهجير قسري لأكثر من 33 ألف لاجئ فلسطيني من مخيمات نور شمس وطولكرم وجنين، واستمرار سياسات التهجير في القدس.
كما تسهم الإجراءات التشريعية الاسرائيلية التي تهدف الى تسريع استكمال تسجيل الأراضي في المنطقة (ج) في الضفة الغربية، وتمكين المستعمرين من الاستحواذ على الأراضي التي يمتلكها الفلسطينيين في المنطقتين (أ) و(ب) (اللتين يفترض أن تخضعا لإدارة السلطة الفلسطينية)، في إضفاء طابع قانوني ورسمي على نقل ملكية الأراضي واخضاعها تحت السيطرة الإسرائيلية، بما يُسرع من وتيرة نزع الملكية والاستيلاء على الأراضي، ويُرسّخ منظومة الهيمنة الاستعمارية الإسرائيلية.
ومنذ عام 2008، ادت الحروب الإسرائيلية المتكررة على قطاع غزة الى تمدير البنية التحتية الأساسية وتقويض المنظومة الصحية بشكل شبه كامل. والنتيجة هي خلق ظروف إبادة جماعية تفرض في ظل الحصار، إلى جانب استخدام المساعدات الإنسانية كسلاح واداة للسيطرة. وعلى الرغم من كل هذه الانتهاكات لم تُتخذ أي إجراءات فعلية للمساءلة أو جبر الضرر.
وفي الوقت الراهن، يجري هيكلة "خطة إعادة الإعمار" ضمن "خطة النقاط العشرين" التي وضعها ترامب، والتي أقرت من قبل مجلس الأمن الدولي من خلال القرار رقم 2803، بما يعيد صياغة عملية إعادة الإعمار عبر ترتيبات مفروضة من الخارج تُعفي المنظومة الإسرائيلية باعتبارها الجهة المرتكبة للجرائم الدولية، وتربط استمرار بقاء الفلسطينيين وإعادة إعمار قطاع غزة بنزع سلاح المقاومة الفلسطينية، الامر الذي يعمق استمرار سياسات التهجير القسري للفلسطينيين.
واليوم، تستمر الإبادة الجماعية في غزة تحت ما يُسمى بوقف إطلاق النار. فما زالت المنظومة الإسرائيلية تعيق وصول المساعدات الإنسانية، ولا يعمل سوى حاجز واحد فقط وبشكل متقطع، فيما تبقى المساعدات المتوفرة أقل بكثير من الحد الأدنى للاحتياجات الأساسية للسكان. كما انهارت منظومة المياه والصرف الصحي والرعاية الصحية، في ظل انتشار مستمر للمجاعة وسوء التغذية.
ومنذ اعلان "وقف إطلاق النار"، استشهد أكثر من ألف فلسطيني في قطاع غزة، نتيجة استمرار استهداف الفلسطينيين والقصف، الى جانب تحديد مناطق محددة يمنع الاقتراب منها، حيث أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو نيته في استخدام ما أطلق عليه "الخط البرتقالي" الجديد الى جانب "الخط الاصفر" السابق للسيطرة على ما يقارب 70% من مساحة قطاع غزة. وفي ظل هذه السياسات الممنهجة، لا تزال عملية إعادة الإعمار تعرقل بشكل متعمد من خلال آليات وإجراءات مفروضة من الخارج.
كما تتعرض الأونروا، الوكالة المكلفة بتوفير التعليم والصحة والإغاثة والحماية للاجئين الفلسطينيين، لعمليات تفكيك ممنهجة من خلال اتخاذ إجراءات تشريعية وسياسية ومالية وعسكرية فرضتها المنظومة الإسرائيلية، في ظل غياب أي تحرك او اجراء فعلي من جانب الدول لوقف هذه السياسات. ويشكل تعطيل خدمات الاونروا وعرقلة وصول المساعدات ووقف التمويل، الى جانب استهداف موظفيها ومنشآتها، جزءًا من الحملة الممنهجة التي تهدف الى تصفية الاونروا والإطار الذي يدعم الحقوق الفلسطينية. كما تؤدي هذه الإجراءات الى اعفاء المنظومة الإسرائيلية من المساءلة عن جرائمها، وتقويض الاعتراف القانوني والسياسي بحقوق اللاجئين الفلسطينيين. وتمثل هذه السياسات استهدافاً لإحدى آخر المنظمات الدولية المتبقية التي تُعنى بقضية اللجوء والتهجير الفلسطيني وحق العودة.
اقليمياً، لا يزال التهجير القسري مستمراً. ففي لبنان وسوريا والأردن وغيرها، يتعرض اللاجئون الفلسطينيون لسياسات وممارسات تمييزية متجددة، وللإقصاء والتهجير القسري المستمر. اما في دول الاتحاد الأوروبي، فأن ميثاق الهجرة واللجوء يعمل على توسيع اجراءات الترحيل الصارمة لطالبي اللجوء في إطار إصلاحات 2024-2026.
ان مخيمات اللاجئين في فلسطين والشتات تُشكل حاضنة للمقاومة، وبنى سياسية واجتماعية تنظم فيها الحياة الجماعية في ظروف اللجوء والمنفى، ويستمر من خلالها النضال عبر الأجيال. وتمثل مخيمات اللاجئين الفلسطينيين تراثاً مناهضاً للاستعمار، حيث تحول المنفى الى ساحة للتنظيم السياسي. فمن جباليا الى تندوف، ومن الجزائر الى مابوتو، تحولت مخيمات اللاجئين في المنفى الى بيئة حافظت على استمرارية العمل السياسي والمقاومة للشعوب المقتلعة من ارضها. وتجسد مخيمات اللاجئين في حركتي التحرير الوطنية الفلسطينية والصحراوية، الى جانب هياكل المؤتمر الوطني الافريقي في المنفى، هذا المسار القائم على الصمود السياسي المستمر في مواجهة الأنظمة الاستعمارية. وما يجمع بين هذه التجارب والنضالات التحررية هو تنظيم الحياة في ظلّ التهجير القسري مع رفض استمراريته كأمر واقع. فلم يُمنح حقّ العودة يوماً من خلال الاجراءات الإنسانية وحدها، بل تحقق وانتُزع من خلال المقاومة، والضغط الدولي، وتفكيك الأنظمة الاستعمارية وفرض العقوبات عليها.
إنّ حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة، الذي أكّده قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194، هو حقٌ قانوني غير قابل للتصرف وقائم على مبادئ العدالة وجبر الضرر، من ضمنها استرداد الحقوق والممتلكات. كما ان اعمال هذا الحق يشكل شرطاً أساسياً لتحقيق حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، بما في ذلك حقه في تحديد مستقبله السياسي بحرية وممارسة حقه في العودة.
ويتطلب تحقيق ذلك تفكيك المنظومة الاستعمارية الإسرائيلية، وإنهاء التوسع الاستعماري، وضمان المحاسبة عن الجرائم الدولية، وفرض العقوبات، وتحقيق جبر الضرر، وتهيئة الظروف المادية للعودة.
وعبر هذه النضالات، تبقى مخيمات اللاجئين والشتات أساس القضية، فهي ليست مكانين ينتظران حلاً، بل مواقع حية ترفض الخضوع. إن دعم حقوق اللاجئين، بما في ذلك حقهم في العودة، يتطلب ان تستند حركات التضامن العالمية الى حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، والنضال ضد الاستعمار، وضمان المساءلة والمحاسبة للمنظومة الاسرائيلية.
العودة هي إنهاء للاستعمار.
العودة حقنا وإرادتنا.