أخبار بديــل

القرارات الإسرائيلية الجديدة لشرعنة الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية: نحو تنفيذ خطة الحسم
القرارات الإسرائيلية الجديدة لشرعنة الاستيلاء على الأراضي في الضفة الغربية: نحو تنفيذ خطة الحسم

(بيت لحم، 19 شباط 2026)

 

ان القرارات الأخيرة التي اعلنتها المنظومة الإسرائيلية – بإطلاق عملية تسجيل أراضٍ واسعة النطاق في المنطقة (ج)، وتسهيل استيلاء المستعمرين على الأراضي الفلسطينية المصنفة (أ) و(ب) - تمثل تحولاً نوعياً من السيطرة الفعلية إلى التسجيل الرسمي الممنهج لملكية الأراضي الفلسطينية لصالح المنظومة الإسرائيلية. تعمل هذه السياسات عبر مسارين متوازيين: اولاً، نقل الملكية الخاصة الفلسطينية مباشرة إلى المستعمرين الإسرائيليين، وثانياً، إعادة تصنيف الأراضي الفلسطينية "غير المسجلة" كـ “أراضي دولة" إسرائيلية.

 

يشكل هذا التصعيد امتداداً مباشراً لنهج استعماري بدأ مع النكبة عام 1948، حين هُجّر الفلسطينيون قسراً وسُلبت أراضيهم منهم، ونُقلت ملكيتها رسمياً إلى المنظومة الاسرائيلية. واليوم، تقوم المنظومة الإسرائيلية باستغلال إطار اتفاقيات أوسلو، التي قسمت الضفة الغربية إلى المناطق (أ) و(ب) و(ج)، ومن خلال استخدام هذا التقسيم كسلاح، تعيد المنظومة الاسرائيلية تعريف ملكية الأراضي الفلسطينية ونقلها بصورة غير مشروعة. والهدف هو القضاء على حقوق الفلسطينيين في الأرض والملكية، وتعميق التهجير القسري، وتسريع التوسع الاستعماري، وترسيخ الهيمنة الاستعمارية الإسرائيلية كما ورد في خطة الحسم.

 

في أعقاب النكبة عام 1948، سنّت المنظومة الإسرائيلية قانونين مركزيين لتجريد اللاجئين الفلسطينيين من حقوقهم في الملكية وحرمانهم منها، وهما قانون أملاك الغائبين (1950) وقانون استملاك الأراضي (1953). واليوم يشكل قرار الحكومة الإسرائيلية بإطلاق عملية تسجيل أراضٍ واسعة النطاق في المنطقة المصنفة (ج) - وهي الأولى منذ عام 1967 - انتقالاً من عمليات مصادرة وسيطرة متفرقة على الأراضي إلى سياسة رسمية ممنهجة لنقل ملكية الأراضي الفلسطينية مباشرة الى المنظومة الإسرائيلية، تحت غطاء إجراءات قانونية شكلية تضفي مظهراً من الشرعية.

 

 وبتمويل يبلغ 244 مليون شيكل، وإنشاء أطر تنفيذية مُخصصة، يهدف المشروع إلى اعلان مساحات واسعة من الأراضي "غير المسجلة" على أنها "أراضي دولة". ومن خلال هذه الآلية، تُسجّل الأراضي التي زرعها الفلسطينيون واستخدموها وسكنوها عبر أجيال متعاقبة، رسمياً باسم المنظومة الإسرائيلية، في انعكاس مباشر لوظيفة قانون استملاك الأراضي سابقاً. وعلى خلاف عمليات السيطرة المتفرقة، ينتج هذا المسار تحويلًا واسع النطاق للمليكة، مما يؤدي الى ترسيخ الملكية الإسرائيلية في السجلات الرسمية، وتوطيد السيطرة الاستعمارية على مساحات شاسعة من الأراضي الفلسطينية.

 

أما القرار الآخر، والذي يسمح للمستعمرين بشراء الأراضي في المناطق المصنفة (أ) و(ب)، فيؤسس لآلية نقل مباشر لملكية الأراضي الفلسطينية إلى المستعمرين. فبعد إلغاء القيود المفروضة منذ الحقبة الأردنية على تملك غير الإسرائيليين للأراضي، اعلنت الحكومة أن التعديلات "ستسمح لليهود من شراء الأراضي في يهودا والسامرة [الضفة الغربية] كما يشترونها في تل أبيب أو القدس". ان هذه القرارات تتيح للمستعمرين الاستحواذ الخاص والمباشر على الأراضي الفلسطينية وتسجيلها رسميًا في السجلات العقارية.

 

تعكس هذه الإجراءات من حيث الجوهر آلية عمل قانون أملاك الغائبين (1950)، الذي لم يكتفِ بحرمان الفلسطينيين من ممتلكاتهم، بل أعاد تخصيصها قانونياً إلى حارس أملاك الغائبين، قبل نقلها إلى ملكية المنظومة الإسرائيلية والمؤسسات الصهيونية (مثل الصندوق القومي لليهود). ففي الحالتين، يتمثل الإجراء الاساسي في إعادة تخصيص الملكية قانونياً: القضاء على الملكية الفلسطينية من خلال الوسائل التشريعية واستبدالها بالملكية الإسرائيلية، بما يرسخ نزع الملكية في السجلات القانونية الرسمية، بدلا من تركها في إطار عمليات المصادرة المؤقتة او السيطرة الفعلية على الارض.

 

يعمل كلا القراران ضمن الإطار الذي أفرزته اتفاقيات أوسلو: تقسيم وتجزئة الضفة الغربية، وترسيخ السيطرة الاستعمارية الاسرائيلية، وتهيئة ادوات "قانونية وإدارية" لمصادرة الأراضي والتهجير القسري. ففي المنطقتين (ب) و(ج)، استُخدمت قوانين التنظيم والتخطيط بصورة ممنهجة لحرمان الفلسطينيين من الوصول إلى أراضيهم، ومن حق البناء والتطوير، مقابل ضمان توسع المستعمرات. اما القرارات الأخيرة، لم تعد مقتصرة على تقييد الفلسطينيين، بل انتقلت الى مستوى نقل وتسجيل رسمي للملكية، فمن خلال فتح هذه المناطق امام الاستحواذ الاستعماري ونقل الملكية الفلسطينية الى المنظومة الاستعمارية، يتحول التقسيم الذي انتجته اتفاقيات أوسلو الى أداة ممنهجة لتسهيل عمليات تجريد الفلسطينيين من أراضيهم.  

 

وتأتي خطة الحسم، واعتداءات المستعمرين التي تهدف الى الاستيلاء على الأراضي وفرض تهجير قسري على المجتمعات الفلسطينية، لتبني على ذات الأساس. ففي عام 2025، استشهد 240 فلسطينيًا من قبل القوات الإسرائيلية واعتداءات المستعمرين. وفي كانون الأول 2025، تمت الموافقة على إنشاء 19 مستعمرة - العديد منها كان يصنف كبؤر استعمارية "غير قانونية" أقامها المستعمرون – بما يمثل زيادة تقارب 50% منذ 2022. وبين 6 و19 كانون الثاني 2026، ادى 55 اعتداءً من المستعمرين الى تهجير نحو 700 فلسطينياً قسراً، وتدمير أراضٍ زراعية وشبكات مياه وبنى تحتية مجتمعية، مما أدى الى خلق بيئة قهرية جعل من الوجود الفلسطيني غير قابل للاستدامة.

 

ان عمليات الاستيلاء على الاراضي ونقل الملكية، واعتداءات المستعمرين، والتوسع الاستعماري، تشكل مجتمعة آليات مركزية في تنفيذ خطة الحسم. ومن خلال استغلال الإطار الذي انتجته أوسلو، تقوم هذه الإجراءات بنقل ملكية الأراضي الفلسطينية لصالح المنظومة الاسرائيلية، بينما يتم تهجير الفلسطينيين قسراً. والهدف واضح: السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأراضي بأقل عدد ممكن من الفلسطينيين. يجب على الدول ان تفرض عقوبات فورية وشاملة على المنظومة الاستعمارية لوقف الاستيلاء على الأراضي الفلسطينية التي بدأت قبل النكبة وما زالت مستمرة حتى الان.