أخبار بديــل
18/9/2025
منذ 7 تشرين الأول 2023، وسّع النظام الإسرائيلي عمليات تركيب البوابات الحديدية في جميع أنحاء الضفة الغربية ويتم إغلاق هذه البوابات حسب الرغبة، دون سابق إنذار، مما يُحوّل مدنًا أو قرى أو أحياءً بأكملها إلى معازل في غضون ساعات. يُمثل هذا التطور جزءًا من استراتيجية النظام الإسرائيلي الهادفة إلى محو الوجود الفلسطيني والقضاء عليه نهائيًا، من خلال المزيد من التجزئة والعزل والخنق المتجذرة في هيكل الفصل العنصري المترسخ، أيضا فيما يسمى "خطة الحسم" الحديثة. تمثل هذه البوابات مؤشرًا واضحًا وماديا على نظام مُمنهج مصمم لفرض هيمنة كاملة على كل فلسطين وحصر المجتمعات الفلسطينية فيما يُمكن تعرفيه بالمعازل.
ضمن هذا السياق، يمكن تعريف المعازل بأنها التجمعات الفلسطينية التي تعاني من التجزئة والعزل ضمن منظومة الاستعمار الاحلالي والفصل العنصري الإسرائيلي، وهذه المعازل مفصولة مادياً واجتماعياً عن محيطها، وتخضع لقيود ورقابة دائمة، مما يعمّق الاستراتيجية الأشمل القائمة على الهيمنة والخنق ومحو الوجود الفلسطيني.
وفقًا لتقرير مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (كانون الثاني – شباط 2025)، وُجد 849 عائقًا للحركة يقيّد بشكل دائم أو متقطع حركة 3.3 مليون فلسطيني في الضفة الغربية، بما في ذلك شرق القدس ومنطقة "H2" في الخليل. من بينها 205 بوابة حديدية، يصنفها مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية على أنها بوابات الطرق. هذه الأرقام تعكس الوضع حتى شباط فقط، وقد ارتفع عدد البوابات الحديدية وغيرها من العوائق إلى ما يقارب الألف منذ ذلك الوقت. ومع تركيب بوابات جديدة يوميًا، كما أفادت العربي الجديد والجزيرة، أصبح من الصعب حصر العدد بدقة، لأن تركيبها ينتشر بسرعة في جميع أنحاء الضفة الغربية، مما يعمق التجزئة و البيئة القهرية الطاردة.
تعزل هذه البوابات المدن عن بعضها البعض، وتفصل القرى والتجمعات السكانية داخليًا، مما يقيد بشدة حركة الفلسطينيين، ويشدد الهيمنة الإسرائيلية، وتقطع الناس عن التعليم والرعاية الصحية وأماكن العمل والأراضي الزراعية، ومن خلال خنق سبل العيش، تخلق هذه البوابات ظروفًا لا تُطاق تدفع الى تهجير المجتمعات قسرا، معززةً بذلك أركان بقاء المنظومة الإسرائيلية الرئيسية الثلاثة: التهجير القسري للفلسطينيين، و الاستعمار والفصل العنصري.
يُظهر انتشار البوابات الحديدية الجديدة في جميع أنحاء الضفة الغربية سياسة ميدانية تهدف إلى تعزيز وإدامة الهيمنة الاستعمارية الاحلالية الإسرائيلية. في العيزرية، بجوار مستعمرة معاليه أدوميم، توضح بوابة حديدية جديدة خطة مستعمرة E1"": تقسيم الضفة الغربية إلى نصفين، وتظهر أساليب مماثلة في الخليل، حيث اقتحمت القوات الإسرائيلية 20 مدرسة في أغسطس، وصادرت الكتب، ثم وضعت بوابة حديدية، مما أدى إلى منع وصول مئات الطلاب والمعلمين. وعلى طول "شارع 60"، الطريق السريع الذي يخترق الضفة الغربية من الجنوب الى الشمال، تحولت الأسلاك إلى عشرات من البوابات الحديدية التي تم تركيبها في عام 2025، مغلقا على آلاف الفلسطينيين في محافظتي رام الله ونابلس. وفي جميع أنحاء الضفة الغربية، يتكرر هذا النمط: قرى معزولة، ومدن مقسمة، ومناطق بأكملها تتحول إلى معازل تصعب من الحياة الفلسطينية.
خطة الحسم التي طرحها بتسلئيل سموتريتش واعتمدتها الحكومة الإسرائيلية الحالية، مبنية على تقسيم الضفة إلى ست مناطق "ذاتية الحكم": الخليل، بيت لحم، رام الله، أريحا، نابلس وجنين، مع احتفاظ المنظومة الإسرائيلي بالسيطرة الكاملة. وتشكل البوابات الحديدية والحواجز والعوائق الأخرى البنية التحتية المادية لهذه الرؤية، فتقسّم الضفة إلى معازل مغلقة وتقدّم التجزئة والعزل على أنهما "حكم محلي"، بينما تعمل فعليًا على إرباك الحياة والخدمات اليومية، وقمع المقاومة وتكثيف مصادرة الأراضي.
كما تحولت غزة إلى قطاع معزول تحت حصار دائم، يُحاصر الفلسطينيون في الضفة الغربية بشكل متزايد عبر البوابات والحواجز، وما يُسمى "بخنق الضفة" هو أكثر بكثير من تعطيل للحياة اليومية، اذ انه تجزئة وعزل ممنهج للأراضي والمجتمعات الفلسطينية في معازل، وإعادة تشكيل جغرافية متعمدة لتمهيد الطريق لإحكام هيمنة النظام الإسرائيلي. إن التهجير القسري ليس مجرد أثر جانبي، بل هو شرط أساسي للتوسع الاستعماري الاحلالي الإسرائيلي وفرض السيادة الإسرائيلية الكاملة على الضفة الغربية، لتحقيق خطة الحسم.
وتزامن هذه الإجراءات في الضفة الغربية ضمن خطة الحسم، إلى جانب الإبادة الجماعية المستمرة في غزة والأهداف المستقبلية لتنفيذ خطة ترامب "GREAT"، يُظهر مرة أخرى نظامًا استعماريًا عنصريًا واحدًا يحاول فرض السيادة على أكبر مساحة من الأرض مع وجود أقل عدد ممكن من الفلسطينيين.
إن وقف التهجير القسري للفلسطينيين والتجزئة ومصادرة الأراضي يتطلب فرض عقوبات اقتصادية وعسكرية وسياسية شاملة لتفكيك نظام الفصل العنصري الاستعماري الاحلالي الإسرائيلي، لأنه وبدون ذلك سيستمر محو الوجود الفلسطيني.