أخبار بديــل
تقاعس الأمم المتحدة: تطبيع انتهاكات المنظومة الإسرائيلية
(بيت لحم، 1 أيلول 2026)
إنتهكت المنظومة الاستعمارية الإسرائيلية مرارًا التزاماتها باعتبارها دولة عضو في الأمم المتحدة بموجب ميثاق الأمم المتحدة (الاتفاقية العامة) واتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها (1946). ومؤخراً، في 25 آب، اقتحمت القوات الإسرائيلية مركز تدريب الاونروا في قلنديا، واستولت عليه، وأجبرت موظفيه على إخلائه. وعلى الرغم من أن الأمم المتحدة أصدرت إدانات متعددة لهذه الانتهاكات وغيرها الكثير، إلا أنها فشلت في اتخاذ التدابير والاجراءات اللازمة والمتاحة لها لحماية عملها ووكالاتها وموظفيها ومرافقها. ولا يتيح تقاعس الأمم المتحدة للمنظومة الاسرائيلية مواصلة جرائمها فحسب، بل يسهم أيضًا في تطبيع ارتكاب جرائم مستقبلية.
تاريخ تقاعس الأمم المتحدة
يمتد تاريخ تقاعس الأمم المتحدة بقدر امتداد انتهاكات المنظومة الإسرائيلية لالتزاماتها باعتبارها دولة عضو في الأمم المتحدة. ففي عام 1952، سمحت الأمم المتحدة للمنظومة الإسرائيلية بطرد الأونروا من الأراضي التي استعمرتها بعد النكبة، ومنعتها من تقديم الخدمات للفلسطينيين الذين هجروا داخلياً. وباستخدام تدابير تقييدية شديدة، مثل أوامر منع النشر، والتعتيم الإعلامي، والمحاكمات السرية، وإخفاء الوثائق، منعت المنظومة الإسرائيلية الأمم المتحدة من التحقيق في مجزرة كفر قاسم عام 1956.
ومنذ إنشائها في عام 1968، حُرمت اللجنة الخاصة التابعة للأمم المتحدة للتحقيق في الممارسات الإسرائيلية التي تمس حقوق الإنسان للشعب الفلسطيني بصورة مستمرة من الوصول إلى الأراضي، ما حال دون تمكنها من تنفيذ ولايتها. كما مُنعت بعثة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق بشأن الحرب في غزة، المعروفة باسم "تقرير غولدستون"،والتي اٌنشئت للتحقيق في الانتهاكات التي وقعت خلال الغزو والقصف الإسرائيلي لقطاع غزة في الفترة 2008-2009 من دخول إلى الأراضي. وعلى الرغم من السماح لفريق التحقيق بالدخول الى غزة عبر حاجز رفح المصري، فقد مُنع من الوصول إلى باقي أنحاء فلسطين للتحقيق.
كما مُنعت أيضًا "بعثة تقصي الحقائق الدولية بشأن المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة" التي أنشأتها الأمم المتحدة عام 2012 من دخول الأراضي للتحقيق في آثار المستعمرات. وفي تموز 2014، أنشأت الأمم المتحدة لجنة تحقيق للتحقيق في الهجمات الإسرائيلية على غزة خلال الشهر السابق، إلا أن المنظومة الإسرائيلية أبلغت بشكل علني أنها لن تسمح للجنة بالدخول. كذلك حُرمت "لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، وإسرائيل"، التي شُكّلت عام 2022 بولاية زمنية مفتوحة، من الدخول إلى الأراضي منذ إنشائها.
وبسبب استمرار هذا التقاعس، تصاعد منع الدخول من قبل المنظومة الإسرائيلية ليشمل المقررين الخاصين للأمم المتحدة، وأصبح ذلك امراً واقعاً منذ عام 2008، عندما تم احتجاز المقرر الخاص المعني بالأراضي الفلسطينية المحتلة آنذاك، ريتشارد فولك، في مطار بن غوريون وترحيله. ومنذ ذلك الحين، مُنع كل مقرر خاص لاحق معني بالأراضي الفلسطينية المحتلة من دخولها. كما امتد عدم تعاون المنظومة الإسرائيلية مع الإجراءات الخاصة ليشمل أصحاب ولايات آخرين، مثل المقررة الخاص المعني بالعنف ضد المرأة (2015) والفريق العامل المعني بحالات الاختفاء القسري أو غير الطوعي (نيسان2025).
الإفلات من العقاب والتقاعس يؤديان إلى تطبيع الجرائم الإسرائيلية
في ظل تقاعس الأمم المتحدة وغياب المساءلة، وسّعت المنظومة الإسرائيلية سياسة منع الدخول لتشمل مسؤولين رفيعي المستوى في الأمم المتحدة: فقد مُنع المفوض العام السابق لوكالة الأونروا، فيليب لازاريني، من دخول غزة منذ حزيران 2024، كما مُنع أجيث سونغاي، رئيس مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان (OHCHR) في الأراضي الفلسطينية المحتلة، من الدخول في شباط 2025، وفي تموز 2025، رفضت المنظومة الإسرائيلية تجديد تأشيرة رئيس مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA) في الضفة الغربية وقطاع غزة، جوناثان ويتال.
وعليه، ليس من المستغرب، في ظل الإفلات الشامل من العقاب الذي توفره الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والذي يعززه تقاعس الأمم المتحدة، أن تصبح انتهاكات المنظومة الإسرائيلية لاتزاماتها باعتبارها دولة عضواً في الأمم المتحدة قاعدةً لا استثناءً. فقد أصبح استشهاد 397 من موظفي الأمم المتحدة (من بينهم 391 من موظفي الأونروا) حتى نيسان 2026، والتدمير المتعمد والمستمر لممتلكات الأمم المتحدة ومنشآتها في قطاع غزة، امراً يكاد يكون يومياً.
وفي تشرين الأول 2024، عندما أصدرت المنظومة الإسرائيلية قوانين حظر الأونروا، أعلن الأمين العام للأمم المتحدة الأونروا بأن الاونروا "لا غنى عنها" ولا بديل عنها". وفي كانون الثاني 2025، دخلت قوانين الحظر الإسرائيلية حيّز التنفيذ، وجرّمت وجود الأونروا وعملياتها، في انتهاك جديد لحصانات الأونروا وامتيازاتها. ومرة أخرى، اكتفت الأمم المتحدة والسيد غوتيريش بدعوة المنظومة الإسرائيلية، التي تواصل انتهاك التزاماتها، إلى إلغاء هذه القوانين.
وفي كانون الثاني 2026، اقتحمت المنظومة الإسرائيلية مقر الأونروا في الشيخ جراح بالقدس وهدمه. وأكد السيد غوتيريش بشكل قاطع أن المقر "يبقى تابعا للأمم المتحدة، وهو مصون ولا يجوز انتهاكه أو التعرض له بأي شكل من أشكال التدخل".ومع ذلك، سٌمح لهذا النمط من الانتهاكات بالاستمرار، إذ تعرّض مركز تدريب الأونروا في قلنديا للاقتحام للمرة الخامسة خلال أربعة أشهر، من قبل القوات الإسرائيلية وآخرها في 25 آب 2026، حيث أعلنت عن نيتها بالاستيلاء على الممتلكات. وكالعادة، صُدِرت الإدانات الشكلية سريعًا، إذ وصف السيد غوتيريش هذه الإجراءات بأنها "انتهاكات غير مقبولة لحرمة مقار الأونروا وتدخل فيها"، وجدد دعوته إلى إلغاء القوانين الإسرائيلية التي تحظر الأونروا. وقد أثارت هذه الإدانات الاستجابة ذاتها من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، كما في المرة السابقة: الأمر لا يتجاوز مجرد الإدانات.
الأمم المتحدة ليست عاجزة
مع تحول حملة التفكيك الإسرائيلية-الأمريكية ضد الأونروا إلى واقع، يتعين على الأمم المتحدة ومن يقودونها أن يتجاوزوا مرحلة الإدانات والانتقال إلى اتخاذ إجراءات فعلية. فالأمم المتحدة ليست عاجزة: إذ يوفر ميثاق الأمم المتحدة (الاتفاقية العامة) واتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها (1946) الحماية لوكالات الأمم المتحدة وموظفيها ومنشآتها، بما يضمن تمتعها بـ"الأهلية القانونية" بموجب المادة 104، والامتيازات والحصانات بموجب المادة 105، بالقدر اللازم لممارسة وظائفها وتحقيق أهدافها.
وعلى وجه التحديد، عندما تقع انتهاكات لاتفاقية امتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها (1946)، يمتلك الأمين العام للأمم المتحدة صلاحية: الى دعوة الدول الأعضاء إلى سحب عضوية المنظومة الإسرائيلية في الأمم المتحدة وامتيازاتها، وتجميد أنشطة المنظمات الصهيونية-الاسرائيلية أو حظرها في نطاق ولايتها، ومطالبة مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة (UNSC) بالتعامل مع المسألة من خلال تفعيل المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة، والمطالبة بسبل الانتصاف القانونية والتعويضات عن قتل موظفي الأمم المتحدة وتدمير ممتلكاتها.
وقد سعت الأمم المتحدة الى الحصول على تعويضات من المنظومة الإسرائيلية وحصلت عليها، اثر اغتيال الصهاينة لوسيط الأمم المتحدة، الكونت فولك برنادوت، عام 1948.
وفي كانون الأول 2023، وعلى الرغم من أنه لم يصف ما يجري بأنها إبادة جماعية، فعّل السيد غوتيريش المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة، وهي احدى أقوى الأدوات المتاحة للأمين العام. وتُلزم المادة 99 مجلس الأمن بالنظر في أي مسألة يلفت الأمين العام انتباهه إليها من خلال تفعيل هذا الإجراء المتعلق بحفظ السلام. وفي ذلك الوقت، اعتمد مجلس الأمن القرار 2720 بهدف زيادة المساعدات الإنسانية المقدمة إلى قطاع غزة، من دون أن يتضمن وقف لإطلاق النار لاسباب إنسانية والذي طالب به الأمين العام. وكان القرار بحد ذاته غير فعال إلى حد كبير، غير أن فشل مجلس الأمن في فرض تدابير عملية لا يعفي الأمم المتحدة وقيادتها وهيئاتها من مسؤولية التقاعس الذي لحق ذلك.
ولم يُفعل الأمين العام للأمم المتحدة المادة 99 مرة أخرى، كما لم يتخذ أي تدابير أخرى تقع ضمن صلاحياته للتصدي للإبادة الجماعية المستمرة في قطاع غزة، أو لوضع الأونروا، أو للانتهاكات الإسرائيلية لامتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها، مكتفياً بإدانات غير فعالة تسهم في تطبيع الانتهاكات والجرائم الإسرائيلية. اضافة الى ذلك، فشلت الأمم المتحدة في حماية نفسها ووكالاتها وآلياتها، من خلال اتخاذ تدابير وإصدار بيانات من شأنها الانتقاص من مصداقيتها. فعلى سبيل المثال، كلّفت الأمم المتحدة بإجراء تقييم استراتيجي يعرض تفكيك الأونروا باعتباره أمرًا حتميًا، بما يشكل، ضمنيًا، ضوءًا أخضر لحملة الولايات المتحدة والمنظومة الإسرائيلية لتفكيك الوكالة.
إن الفشل التاريخي والمستمر للأمم المتحدة في الاستجابة للانتهاكات الممنهجة التي ترتكبها المنظومة الإسرائيلية لاتزاماتها تجاه الأمم المتحدة يسهم في ضمان استمرار ارتكاب جرائم مستقبلاً، وفي نهاية المطاف تفكيك الأونروا ومنظومة الأمم المتحدة نفسها.
لقد مضى زمن الاكتفاء بالإدانات، وعبارات مثل "قلق واستياء بالغين"، وتكرار التذكير بالتزامات المنظومة الإسرائيلية. ويتعين على الأمم المتحدة وقيادتها استخدام كل التدابير المتاحة لها لحماية نفسها ومنظماتها ومنشآتها وموظفيها.
وعليه، يدعو بديل/المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين والشبكة العالمية للاجئين والمهجرين الفلسطينيين، الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى حماية الأمم المتحدة ووكالاتها وممتلكاتها وموظفيها، من خلال ممارسة صلاحياته من أجل:
- دعوة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة إلى إلغاء عضوية المنظومة الإسرائيلية وامتيازاتها في الأمم المتحدة، وتجميد أنشطة المنظمات الإسرائيلية-الصهيونية أو حظرها ضمن نطاق أراضيها
- تفعيل المادة 99 من ميثاق الأمم المتحدة لمطالبة مجلس الأمن بالتعامل مع الانتهاكات الممنهجة التي ترتكبها المنظومة الإسرائيلية لامتيازات الأمم المتحدة وحصاناتها
- السعي إلى توفير سبل انتصاف قانونية وتعويضات عن قتل واستهداف موظفي الأمم المتحدة وتدمير ممتلكاتها والاستيلاء عليها.