أخبار بديــل

البنية التحتية الاستعمارية ومنظومة الفصل العنصري: المعازل وخطة الحسم
البنية التحتية الاستعمارية ومنظومة الفصل العنصري: المعازل وخطة الحسم

(بيت لحم، 12 شباط 2026)

 

ان مصطلح "الحاجز" لا يعكس حجم وطبيعة منظومة الإغلاق الإسرائيلية الشاملة التي أُقيمت في الضفة الغربية، اذ تشمل هذه المنظومة بوابات حديدية، وسواتر ترابية، ومكعبات اسمنتية، وحواجز دائمة ومتحركة، الى جانب نظام طرق عنصري ومفصول، ​​تعمل مجتمعة على تفكيك الحيز الفلسطيني وإحكام السيطرة على جميع مسارات الحركة والتنقل. ولا يقتصر أثر هذه البنية التحتية على تقييد حرية التنقل فحسب، بل تمتد الى إعادة تشكيل الجغرافيا والسكان على نحو استعماري. فالطرق الالتفافية المخصصة للإسرائيليين، والمقامة للالتفاف حول المناطق الفلسطينية، تقوم بتسهيل مصادرة الأراضي، وترسخ التوسع الاستعماري، وتحول المجتمعات الفلسطينية إلى معازل محصورة. وفي إطار خطة الحسم التي تنفذها المنظومة الإسرائيلية، تؤدي هذه الطرق، بالتكامل مع منظومة الاغلاق الإسرائيلية، دوراً مركزياً في فصل وتجزئة وعزل المجتمعات الفلسطينية، مقابل ضمان اتصال جغرافي سلس ومتكامل للمستعمرات الإسرائيلية في مختلف انحاء فلسطين الانتدابية.

 

ان التنقل في الضفة الغربية اليوم بات يعني مراقبة الهواتف باستمرار لمعرفة آخر التحديثات المتعلقة بالإغلاقات، وإعادة رسم خريطة متغيرة من الطرق البديلة لمجرد التنقل بين الأحياء أو المدن. ويتجلى هذا الفصل العنصري بوضوح في شبكة الطرق السريعة. فطريق 60، الشريان الرئيسي الذي يربط شمال الضفة بجنوبها مروراً بالقدس ورام الله ونابلس والخليل، يعمل كطريق محمي للمستعمرين الإسرائيليين، وفي الوقت ذاته كحاجز فعلي في وجه الفلسطينيين. ويُظهر تطور هذا الطريق كيف تعمل البنية التحتية ومنظومة الإغلاق جنبًا إلى جنب. ففي الفترة بين 1986 و1995، فرضت المنظومة الاستعمارية الإسرائيلية حظر تجول طويل الأمد على مخيم الدهيشة للاجئين، وأغلقت جميع مخارجه باستثناء مخرج واحد بمحاذاة طريق القدس-الخليل (الذي أصبح حالياً طريق 60)، ما أدى إلى عزل سكان المخيم عن الوصول المباشر إلى الطريق. وقد عنى السيطرة على الطريق آنذاك التحكم بالحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للمخيم بأكملها. وما جرى اختباره كإجراء عزل، أصبح منذ ذلك الحين سياسة ممنهجة. واليوم، تعمل الطرق الالتفافية، والأنفاق، والجدران، ونقاط التفتيش، على تحويل الطرق الرئيسية إلى أدوات عزل استعمارية دائمة، مما يؤدي إلى تجزئة وعزل الأراضي الفلسطينية مع ضمان تواصل جغرافي غير منقطع للمستعمرات الاسرائيلية. 

 

ويقدم طريق 4370، المعروف على نطاق واسع باسم "طريق الابرتهايد"، تجسيداً مباشراً لهذه المنظومة. فقد أُنشئ هذا الطريق عام 2019، وقُسم بواسطة جدار إسمنتي بارتفاع ثمانية أمتار يفصل بشكل كامل بين حركة الفلسطينيين والمستعمرين الإسرائيليين، بما يُرسّخ الفصل المادي كسياسة وركيزة أساسية للمنظومة الإسرائيلية. ويهدف التوسع المخطط لهذا الطريق عبر ما يُسمى طريق "نسيج الحياة" إلى دمج مستعمرات مثل معاليه أدوميم ومستعمرة E1 مع القدس وفلسطين عام 1948، بما يُعزز الترابط للمستعمرات، ويُعمّق في الوقت نفسه تجزئة الفلسطينيين وحصرهم ضمن معازل مفصولة. ولا تمثل هذه الإجراءات مجرد مشاريع للبنية التحتية المدنية، بل هي آليات استعمارية تستهدف مصادرة الأراضي وضمها ضمن شبكة استعمارية متصلة جغرافياً، مقابل حصر الفلسطينيين في مجتمعات معزولة ومنفصلة بعضها عن بعض.

 

وتعمل منظومة الإغلاق بالتوازي مع شبكة الطرق المنفصلة على ترسيخ تحويل المجتمعات الفلسطينية الى معازل دائمة. فحتى أيار 2025، تم توثيق ما لا يقل عن 849 عائقًا للحركة في مختلف أنحاء الضفة الغربية، وهو رقم واصل في الارتفاع مع نصب المزيد من البوابات والحواجز خلال شهر أيلول 2025. وفي نيسان 2025، قامت القوات الاستعمارية الإسرائيلية بتركيب ثلاث بوابات حديدية جديدة على مداخل بلدة ترمسعيا في محافظة رام الله، وبلدتي الساوية وقبلان في محافظة نابلس. وقد ادت اثنتان من هذه البوابات الى قطع ومنع وصول أكثر من 15 ألف فلسطيني إلى طريق 60.

 

ومنذ تشرين الثاني 2025، أُغلقت البوابات الحديدية بشكل كامل عند مدخل مخيم العروب للاجئين وبلدة بيت أُمر (كلاهما في محافظة الخليل)، مما أدى إلى عزل السكان عن البلدات المحيطة وحرمانهم من الوصول إلى الطريق الالتفافي للعروب، الذي أُنشئ اساساً عبر مصادرة 401 دونم من الأراضي الفلسطينية. تستولي البنية التحتية للطرق على الأراضي الفلسطينية، بينما تمنع منظومة الإغلاق من الوصول إلى ما تبقى منها. وتعمل هذه الاجراءات ضمن منظومة أوسع من الحواجز التي تُجبر الفلسطينيين على سلوك طرق بديلة خاضعة للسيطرة الاستعمارية، مع الحفاظ على التواصل الجغرافي السلس بين المستعمرات.

 

وعليه، يجب على الدول ان تفرض عقوبات فورية وشاملة على المنظومة الاستعمارية الإسرائيلية بأكملها، لوقف وتفكيك نظام البنية التحتية والفصل العنصري، وما تفرضه من سياسات نزع ملكية ومصادرة أراضي وتجزئة، وما ينتج عنه من تهجير قسري متسارع، من خلال السياسة الممنهجة التي تهدف الى حصر الفلسطينيين في معازل مفصولة، كما ورد في خطة الحسم.