مبادئ وآليات لمساءلة الشركات عن انتهاكات حقوق الإنسان: السبل الممكنة لمحاسبة الشركات المتورطة مع إسرائيل في قمع الشعب الفلسطيني

قراءة موجزة بقلم: شارلوت مساردير*

هذا البحث المنشور في كتيب، هو في الأصل ورقة عمل رقم 11 اصدرها بديل في العام 2010 باللغتين الانجليزية والعربية، وهو من إعداد المحامية ياسمين جادو. وتعرض الكاتبة من خلاله آليات المساءلة والمحاسبة المختلفة والمتاحة عالميا أو وطنيا، والتي يمكن استخدامها في الملاحقة القضائية للشركات المسؤولة عن انتهاكات حقوق الإنسان. والدراسة تركز على آليات المحاسبة في القوانين الفدرالية الأمريكية. الباحثة تقوم بتمييز ثلاثة عناصر رئيسية يمكن استخدامها لمنع مثل هذه الانتهاكات للقانون الدولي: القانون الداخلي (الوطني)، مثل التشريعات الموجودة في الولايات المتحدة، القانون الدولي، إضافة إلى قوى السوق. كما أنها تشرح بشكل معمق حدود الأسلوبين الأولين، وتروج لتطوير الثالث، والذي يبدو أنه الوسيلة الأقوى لضمان احترام الحقوق الأساسية للإنسان.

في التشريعات الأمريكية، تتوفر قائمة كبيرة من الطرق والأدوات، أهمها: ما يعرف بمقترحات المساهمين بشأن المسؤولية الاجتماعية، إمكانية المحاكمة عن طريق المسؤولية القانونية الجنائية الاتحادية المنصوص عليها في نظام الشركات بموجب القانون الداخلي (الوطني) للولايات المتحدة، حيث "[...] لا يوجد تمييز قانوني بين الأشخاص الطبيعيين وبين الأشخاص الاعتباريين"، أو عن طريق إدماج القانون الدولي الجنائي في قوانين الولايات المتحدة، وأيضا عند استخدام الدعاوى المدنية "التقاضي المدني"؛ نظرا لوجود بعض القوانين التي تمكن الأجانب من إقامة دعاوى أمام المحاكم الفدرالية الأمريكية، مثل قانون دعاوى الأضرار الأجنبية Alien Tort Claims Act. ومع ذلك، فإن ما تشدد عليه الكاتبة هو صعوبة استخدام هذه الأدوات، وذلك نظرا لخصوصية هذا النوع من الشركات (بصفتها متعدية للحدود، أو متعددة القومية أو الجنسية)، إضافة إلى جميع الوسائل التي يمكن لبلد ما أن يتخذها لتجنب تطبيق القوانين الداخلية الخاصة على قضايا تتورط فيها الشركات.

وهكذا، فإن حقيقة هذه الشركات باعتبارها "متعدية للحدود أو متعددة القومية"، هي مسألة إشكالية بسبب تصادم هذه الطبيعة مع نطاق تطبيق الولاية الشخصية. فمن أجل الملاحقة القضائية الممكنة، يمكن محاكمة شركة ما "في بلد مقرها الرسمي"، أو "في مكان وقوع الأفعال محل الدعوى"، أو "في البلد الذي تقوم فيه الشركة بأعمال مستمرة ومنتظمة". وعلاوة على ذلك، تظهر إشكالية اخرى في تحديد مسؤولية الفروع او الشكات التابعة، وذلك فيما إذا كانت هي فروعا لشركة أم، آم أنها تابعة لشركة قابضة، حيث يلزم في العادة تحديد فيما إذا كان لكل منهما "شخصية مستقلة" أم لا، لتقرير إمكانية المحاكمة وحدود المسؤولية. فاذا كانت مسؤولية الشركة الام وضاحة في حال قيام الفرع بانتهاكات ما، فان مسؤولية الشركة التابعة/الخاضعة لشركة قابضة، تكون أصعب في ظل إمكانية التمويه على حقيقة العلاقة القانونية بين الأصل والفرع أو الشركات التابعة والشركة القابضة. ويمكن استخدام حجج الشركة الأم لتجنب المساءلة عن عمل قامت به الشركة الفرعية أو التابعة، وذلك عن طريق الحد من وجودهما تحت ولاية قضائية واحدة. وقد حاول بعض المحامين والأكاديميين منع مثل هذا السلوك عن طريق تطوير تشريع يربط بين أعمال الشركة الفرعية والشركة الأم (مثل نظرية "مسؤولية المشروع")، وحسب هذه النظرية فإن "الشركة الأم وشبكة فروعها هي جميعا جزء من برنامج/مشروع اقتصادي موحد، وبالتالي فإن كامل المؤسسة يجب أن تكون مسؤولة عن انتهاكات حقوق الإنسان باعتبارها كيان واحدا".

وبالإضافة إلى التكاليف الباهظة ذات الصلة التي يتكبدها المدعي، فإن المحاكم يمكنها أن ترفض قبول الدعاوى إذا كانت تنطوي على مسألة سياسية (موضوع سياسي)، أي بعبارة أخرى، إذا كان مسار العملية يقود إلى التدخل في عمل الفروع السياسية للحكومة (في حالة "مذهب المسألة السياسية")، كما يمكن رفض الدعاوى التي مضى على حدوث الانتهاكات موضوع الدعوى وقت طويل جدا.

في الفصل الثاني، تلقي الكاتبة الضوء على الآليات الموجودة في القانون الدولي، وتبين أنه لا يوجد حاليا أي تشريع يمكنه أن يوفر الفرصة للملاحقة القضائية المباشرة للشركات متعدية الحدود أو متعددة القومية. وفقط يمكن ملاحقة موظفي الشركات عن انتهاكات حقوق الإنسان بسبب "المساعدة والتحريض" على هذه الأفعال/الانتهاكات، باعتبار ان الشخص الطبيعي كان جزءا من مجموعة كان لها نفس الأغراض الجنائية وحاولت تنفيذه الفعل (مسؤولية الغرض المشترك)، أو إذا فشل المسؤول الأعلى (المتبوع) في منع، أو لم يقم بمعاقبة ذوي السلوك الإجرامي من بين مرؤوسيه، إذا "عرف أو كان لديه سبب لكي يعرف أن جريمة كانت على وشك الوقوع، أو ارتكبت، أو كانت ترتكب".

وأبدت الكاتبة اهتماما بموضوع القانون الدولي، لأن العديد من الشركات لها دور غير مباشر في انتهاكات حقوق الإنسان التي تمارسها إسرائيل، وذلك عن طريق بيعها لمعدات تساعد مرتكبي الجريمة (معدات للجيش الإسرائيلي كمثال)، وبدون أن تجري مساءلتها عن أي من تلك الانتهاكات. ومع ذلك، تشير ياسمين جادو إلى الجهود المبذولة في هذا المجال، ولا سيما من جانب الأمم المتحدة، من أجل تنظيم الرقابة على الشركات متعدية الحدود أو متعددة الجنسية. وتذكر أنه جرى في الآونة الأخيرة، تعيين ممثل خاص حول "قضية حقوق الإنسان والشركات متعددة القومية وغيرها من مؤسسات الأعمال"، وهو السيد "جون روغي"؛ بهدف بلورة مبادئ توجيهية حول مسؤولية الشركات والمعايير الخاصة بها.

وإذا ما أخذنا المثال المتعلق بالشركات الأوروبية متعدية الحدود التي تمارس التجارة مع دولة إسرائيل، تشير الكاتبة إلى أن هذه الشركات تنتهك القوانين الأوروبية المتمثلة في توجيهات و/أو مراسيم الإتحاد الأوروبي، ونظام المحكمة والاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان (والتي تفرض على الدول الأطراف [في المحكمة والاتفاقية] الالتزام بمنع انتهاكات حقوق الإنسان من جانب أطراف في القطاع الخاص). كما تعرض أيضا لما يجري بشأن اتفاقية التجارة [الشراكة والتعاون الاقتصادي] بين إسرائيل والاتحاد الأوروبي التي تشترط تنفيذ الاتفاق بالتزام إسرائيل باحترام حقوق الإنسان. ومع ذلك، وطالما أن العديد من هذه الوسائل غير ملزمة، فإن ذلك يقلل من إمكانية مساءلة الشركات ومقاضاتها وفقا للقانون.

وهناك تشكيك في إمكانية استخدام هذه الأدوات بدون تدخل قوى السوق؛ حيث تشدد الباحثة بأن واحدة من أفضل الطرق لضمان احترام حقوق الإنسان من قبل الشركات متعددة القومية هي استخدام قوى السوق. وهذا يعني المستثمر، المستهلك وضغط الرأي العام. وتبين التجربة أن العديد من المستثمرين المسؤولين اجتماعيا (SRI) قاموا بتطوير أدائهم والتهديد بأنهم لن يستثمروا في أي شركة لا تنظر في الأثر الاجتماعي الذي تتركه المشاريع والأعمال على حقوق الإنسان. وفي حالة الشركات التي لها دور في انتهاكات حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، جرى تحقيق العديد من النجاحات، عن طريق تصفية استثمارات العديد من الصناديق لمؤسسات وشركات مثل فيوليا، ليف ليفاييف، آلستوم، التي كانت مسؤولة عن مساعدة دولة إسرائيل في إقامة المستوطنات في الضفة الغربية بما فيها القدس.

يسعى كتاب "مبادئ وآليات لمساءلة الشركات عن انتهاكات حقوق الإنسان" من خلال عرض هذه المعطيات والتحليل المصاحب لها، وبدون أدنى شك، إلى وتعريف الحملات المختلفة التي تنضوي ضمن حملة "مقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات، وفرض العقوبات عليها"؛ وتزويدها بالأدوات والوسائل المتوفرة. فمثلما تم تنفيذ هذه المقاطعة بنجاح في جنوب أفريقيا قبل عقود مضت يمكن استخدام الأدوات والوسائل المتاحة لمقاضاة الشركات التي لها دور في عدم احترام حقوق الإنسان عبر دعمها لدولة إسرائيل. وهذا الكتاب، هو أيضا نداء من أجل تحسين الآليات القائمة، التي غالبا ما يتم الالتفاف عليها بسبب المصالح الاقتصادية والسياسية الداخلة فيها.

------------
* شارلوت مساردير: طالبة جامعية في كلية العلوم السياسية في طولووز- فرنسا، متطوعة في مركز بديل.