جريدة حق العودة - العدد42

جريدة حق العودة - العدد42

اصدر بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين يوم الاثنين الموافق 7/3/2011 العدد 42 من جريدة "حق العودة" حمل العنوان: "المساءلة والمحاسبة في القانون الدولي – مصير توصيات غولدستون".

وقد جاء العدد الجديد في 24 صفحة من القطع الكبير واشتمل على آراء 14 كاتباً/ة من فلسطين والولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا.

يأتي هذا العدد في ظل التحضيرات التي تقوم بها مؤسسات مجلس حقوق الإنسان الفلسطينية، ومن ضمنها بديل، لمتابعة توصيات تقرير غولدستون وتقارير المقرر الخاص بشأن وضع حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، والتي ستنقاش في الجلسة القادمة لمجلس حقوق الانسان في جنيف (الدورة 16). وفي هذا الإطار، ركزت مقالات العدد على تتبع ما صدر عن لجنة القاضي غولدستون لتقصي الحقائق بشأن الحرب على غزة، وتحليل الاستراتيجيات المتعلقة بمتابعة هذه التوصيات.

للاطلاع على العدد كاملاً، يرجى الاطلاع على الرابط التالي>>>

الافتتاحية

الشرعية الدولية وعقبة نظام الفيتو

الفيتو الأمريكي على مشروع قرار إدانة الاستيطان الإسرائيلي لم يكن الأول، ولن يكون الأخير. وبمقياس آليات عمل الأمم المتحدة وأنظمتها هو شكل من أشكال "الشرعية الدولية" السائدة المستندة إلى الميثاق الذي وضع في جانبه التنظيمي ليحفظ للقوى العظمى مصالحها وهيمنتها حتى وان تعارضت مع أسس القانون الدولي ومبادئ العدالة. وعليه، يكون من غير المجدي التساؤل عن أسباب الفيتو، إذ أن الأهم فلسطينيا هو كيف يتم توظيف الآليات المتاحة دوليا لتصبح أداة نضالية تتجاوز الفيتو، وربما تعطله، وتصب في مصلحة حقوق الشعب الفلسطيني.

يخطئ من يظن أن ما يعرف بالشرعية الدولية هي مجرد تطبيقات للقانون الدولي. ويخطئ من يظن أن القانون الدولي كقواعد قانونية منظمة للعلاقات الدولية هو ضابط الشرعية الدولية.

أيها الإسرائيليون، الغيتو ليس ملاذكم الآمن!

بقلم: عيسى قراقع*

أيها الإسرائيليون، بعد كل الذي جرى بيننا وبينكم، فإننا نأسف على إزعاجكم، لأن الضحية فينا أبت أن تخرج روحها مرة واحدة لتريحكم إلى الأبد، صبرت أكثر مما يحتمل، فتحملتم خسائر باهظة عسكريا واقتصاديا ونفسيا للسيطرة عليها أو لإزهاقها ولم تنجحوا.

نأسف لكم، لأن أرضنا فيها زيتون كثير يعيق زرقة عيونكم التي اعتادت على النباتات والأشجار المستوردة أو الصناعية، فتحملتم تكاليف حرب المستوطنين في ملاحقة الفلاحين وحرق الأشجار وحبات الزيتون.

نأسف على إزعاجكم لأن نسبة المواليد عندنا أكثر من عندكم، فأصبحنا خطرا ديمغرافيا على وجودكم ومستقبلكم ويهودية دولتكم ونقاءها التام منا.

أيها الإسرائيليون نأسف لكم، لأننا نقف عقبة أمام التطور الطبيعي لمستوطناتكم الجميلة ومساكنكم الفاخرة، ونحرم أطفالكم من اللعب واللهو والجري في ساحات كريات أربع ومعالي أدوميم وبيت أيل وافرات وعصيون وغيرها.

الضحايا الفلسطينيون وحقوق الإنسان رهائن للمصالح السياسة

إعداد: وحدة الحملة في مركز بديل

أين وصل تقرير غولدستون؟

لا يزال الإفلات من العقاب سائدا في الأرض الفلسطينية المحتلة، وهذا الأمر واضح في نوعية الاستجابة الدولية حيال الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة المحتل بين 27 كانون أول 2008 – 18 كانون ثاني 2009، والذي سقط فيه أكثر من 1,400 فلسطينيا، واكثر من 5000 جريح. وكان 83% من بين الضحايا الفلسطينيين مدنيين محميين بموجب اتفاقية جنيف الرابعة، معظمهم من اللاجئين الفلسطينيون الذين هجروا قسرا من ديارهم وممتلكاتهم إلى قطاع غزة نتيجة لعملية التطهير العرقي الإسرائيلية خلال نكبة عام 1948.

وبعد مرور عامين على الهجوم العسكري الإسرائيلي على قطاع غزة المحتل، فشلت التحقيقات الداخلية (الوطنية) في تلبية المعايير الدولية؛ فلم تجر محاكمة أولئك المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ولم تقدم أية تعويضات للضحايا. يقدم هذا الملخص لمحة عامة عن تقرير غولدستون، موضحا كيف بدأ، والعملية التي مرّ خلالها، وكيف يمكن التقدم بنتائج التقرير إلى الأمام لضمان تحقيق العدالة للضحايا

قراءة في تقرير جولدستون -هذه مجرد البداية

بقلم: أكرم عطالله العيسة*

لا شك أن هنالك الكثير من التقارير التي صدرت عن العديد من اللجان الدولية والتي حملت الإدانة لإسرائيل والكثير من الاعتداءات التي نفذتها على المحيط العربي، وان هنالك الكثير من اللجان التي شكلت من اجل التحقيق في العديد من الجرائم التي ارتكبت بحق الشعب العربي بشكل عام، وبحق الشعب الفلسطيني بشكل خاص. لن يكون من السهل علينا إجراء حالة المقارنة المستفيضة ما بين أكوام التقارير السابقة وبين تقرير جولدستون، لان ذلك بحاجة إلى بحث مستفيض وموسع لا يمكن لهذه المقالة ان تحتمله، خاصة أن التقرير نفسه واسع ومتشعب ويخوض في الكثير من التفاصيل الدقيقة التي امتدت على أكثر من 500 صفحة، تطرقت وبالكثير من الشرح، ليس فقط إلى الاعتداء والتدمير الذي مورس على قطاع غزة، بل تطرقت أيضا للحياة الفلسطينية تحت الاحتلال في الضفة الغربية والقدس، وحالة الإذلال التي تمارس من قبل جنود الاحتلال اتجاه الفلسطينيين، وكذلك الاعتقال السياسي، إضافة إلى أعمال العنف التي يمارسها المستوطنون الإسرائيليون. وهذا ما ميز التقرير، فهو ليس إدانة إلى جهة مارست الحرب والانتهاكات والقتل فقط، إنما هو إدانة لدولة الاحتلال بكل ممارستها بحق الشعب الفلسطيني، مع اعتبار الحرب على غزة (نهاية 2008-بداية 2009) محوره وقضيته ألأساسية.

إستراتيجية المجتمع المدني لمتابعة تقرير جولدستون: شروط النجاح والفشل

بقلم: شعوان جبارين*

يأتي هذا المقال – العجالة – حول إستراتيجية العمل الواجب إتباعها فلسطينيا للدفع قدما بتقرير لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق،1 المعروف بتقرير جولدستون، في لحظة تشهد فيها المنطقة العربية تغيرات كبيرة، تبدأ بالأنظمة السياسية ولا تنتهي بها؛ الأمر الذي يجعل من عنوان الدفاع عن الكرامة الإنسانية والعدالة وحقوق الإنسان وحرياته، ورفض الظلم والاستبداد والعدوان عنوانا لهذه المرحلة.
في الوقت الذي قلنا فيه ولا زلنا بأن "تقرير جولدستون" يعتبر من أهم الوثائق التي تشكل سلاحا فعالا بأيدينا للدفع قدما باتجاه موضوع المساءلة لمن ارتكب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق أبناء وبنات شعبنا أثناء العدوان على غزه في كانون أول/2008، إلا أن غياب الإرادة السياسية لأطراف المجتمع الدولي من جهة، وغياب إستراتيجية فلسطينية للتعامل مع التقرير بشكل ثابت وصلب يحول دون التنفيذ للتوصيات التي تضمنها التقرير.

 

القرار 377 "الاتحاد من أجل السلام": انتصار الحقوق الفلسطينية في الجمعية العامة

بقلم: فيليس بينيس*

منذ نشأتها الأولى، واجهت الأمم المتحدة تناقضا كبيرا، حيث كان لها مجموعتان من المؤسسين، لهما أهداف شديدة التباين، فقد كان هناك رواد المجتمع المدني – الأمميون، المثاليون، الذين كرسوا أنفسهم لإنهاء الحروب وحماية حقوق الإنسان – أشخاص مثل فرجينيا جيلدرسليفس، وهم الذين قاموا بصياغة نداء الميثاق الذي جاء فيه:
• نؤكد من جديد إيماننا بالحقوق الأساسية للإنسان وبكرامة الفرد وقدره وبما للرجال والنساء والأمم كبيرها وصغيرها من حقوق متساوية،
• وأن نبين الأحوال التي يمكن في ظلها تحقيق العدالة واحترام الالتزامات الناشئة عن المعاهدات وغيرها من مصادر القانون الدولي،
• وأن ندفع بالرقي الاجتماعي قدما، وأن نرفع مستوى الحياة في جو من الحرية أفسح...

حضرة المفوض السامي، هل أجهض تقرير غولدستون؟

رسالة من 13 مؤسسة حقوق إنسان فلسطينية وإسرائيلية، لمفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، نافانيثام بيلاي، في أول زيارة رسمية للأرض الفلسطينية المحتلة

رسالة مفتوحة
بتاريخ: 4/2/2011

نحن، كمؤسسات حقوق إنسان فلسطينية وإسرائيلية، نرحب بك في المنطقة، ونستغل هذه المناسبة لنتساءل: هل مات تقرير غولدستون؟ بعد مضى أكثر من عامين على نهاية الاعتداء الإسرائيلي على غزة "عملية الرصاص المصبوب"، وحيث أن العدالة للضحايا لم تتحقق بعد، نرى أن هذا السؤال يفرض ذاته.

أينبغي على هؤلاء الضحايا التخلي عن ثقتهم في الأمم المتحدة في سعيهم إلى محاسبة المنتهكين، أم أن هناك مخرجا من ثقافة الإفلات من العقاب السائدة؟ وبما أن فرصة تحقيق العدالة لما تزل ُتهدر عبر تغليب المصالح السياسية، فإننا نتطلع إلى دعمكم الجلي لحقوق الضحايا. إن ضرورة تحقيق العدالة تتمثل في منع تكرار انتهاك القانون الدولي، وإرساء أسس السلام العادل والدائم في المنطقة.

المسؤولية الفردية والجماعية للدول حالات الانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي وحقوق الإنسان

بقلم: سيسيل غالوت*

القاعدة الأكثر شيوعا لرفض أو صرف النظر عن القانون الدولي العام واعتباره غير ذي صلة – أو حتى بالنسبة للبعض اعتباره غير موجود – غالبا ما يفهم على أن هذا القانون يفتقر إلى آليات المساءلة السليمة والفعالة في حالة الدول التي تنتهك التزاماتها بموجب القانون الدولي. ويميل عدد من الخبراء والدارسين وجزء هام من عامة الجمهور إلى اعتبار أن الدولة عليها التزامات قانونية بالفعل، ولكن هذه الالتزامات لا يجري تطبيقها إلا على الدول الأضعف عن طريق الضغط من جانب الدول الأقوى. ويمكن لهذا الرأي أن يبدو مسحوبا بشكل خاص على الوضع الفلسطيني – الإسرائيلي، حيث ترتكب إسرائيل انتهاكات خطيرة لالتزاماتها القانونية الدولية بدون أن تقيم وزنا لأية عواقب مهمة كما يبدو.

مبادئ وآليات لمساءلة الشركات عن انتهاكات حقوق الإنسان: السبل الممكنة لمحاسبة الشركات المتورطة مع إسرائيل في قمع الشعب الفلسطيني

قراءة موجزة بقلم: شارلوت مساردير*

هذا البحث المنشور في كتيب، هو في الأصل ورقة عمل رقم 11 اصدرها بديل في العام 2010 باللغتين الانجليزية والعربية، وهو من إعداد المحامية ياسمين جادو. وتعرض الكاتبة من خلاله آليات المساءلة والمحاسبة المختلفة والمتاحة عالميا أو وطنيا، والتي يمكن استخدامها في الملاحقة القضائية للشركات المسؤولة عن انتهاكات حقوق الإنسان. والدراسة تركز على آليات المحاسبة في القوانين الفدرالية الأمريكية. الباحثة تقوم بتمييز ثلاثة عناصر رئيسية يمكن استخدامها لمنع مثل هذه الانتهاكات للقانون الدولي: القانون الداخلي (الوطني)، مثل التشريعات الموجودة في الولايات المتحدة، القانون الدولي، إضافة إلى قوى السوق. كما أنها تشرح بشكل معمق حدود الأسلوبين الأولين، وتروج لتطوير الثالث، والذي يبدو أنه الوسيلة الأقوى لضمان احترام الحقوق الأساسية للإنسان.

محاكم "روسيل" الخاصة: تاريخها وأهميتها للكفاح الفلسطيني من أجل العدالة

بقلم: ياسمين جادو*

أولا: تاريخ واهمية محاكم "روسيل" الخاصة

نُظمت محكمة "روسيل" الأولى على يد "برتراند روسيل"، عالم الرياضيات والفيلسوف البريطاني المعروف، وجرى ذلك على الفور بعد نشر كتابه "جرائم حرب في فيتنام" في عام 1966؛ حيث قامت هذه المحكمة الخاصة بالتحقيق في أفعال الولايات المتحدة (والحكومات التي تعاونت معها) في تدخلها العسكري في فيتنام. وطرحت السؤال حول ما إذا قامت الولايات المتحدة وأعوانها بإرتكاب أفعال عدوانية بموجب أحكام القانون الدولي، وهل استخدمت أسلحة تجريبية أو غير قانونية، أو هاجمت أهدافا مدنية صرفة، أخضعت السجناء للتعذيب أو غيره من 1دروب المعاملة اللا- إنسانية، أو أية أفعال أخرى تشكل جريمة إبادة جماعية حسب قواعد القانون الدولي.

 

القدس: التحول الديموغرافي الذي طال أمده سياسة نقل السكان ونظام الفصل العنصري والاستعمار الاحلالي

ورقة مقدمة من بديل إلى مجلس حقوق الإنسان في جنيف- الدورة السادسة عشرة

تحول طال أمده، تدعمه شبكة من القوانين، والسياسات والمراسيم الإسرائيلية، انه عملية من التهجير القسري والطرد عبر استخدام سياسات نقل السكان في ظل نظام الفصل العنصري والاستعمار الاحلالي.

إسرائيل ولجنة الأمم المتحدة المعنية بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري

بقلم: زها حسن*

في مؤتمر صحفي في ختام زيارتها الأولى للأرض الفلسطينية المحتلة، بصفتها مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان (المفوض السامي)، سئلت "نافي فيلي" عن أفكارها بشأن أوضاع اللاجئين الفلسطينيين. ولم يكن هذا سؤالا سهلا بالنسبة للمفوض السامي لحقوق الإنسان، فمكتب المفوض السامي للأمم المتحدة لم يصدر، حسب الذاكرة القريبة، أي بيان أو تصريح بخصوص حقوق الإنسان الخاصة باللاجئين الفلسطينيين – وبالتحديد بشأن حقهم في العودة وجبر كافة أضرارهم. ولتفادي الإجابة المباشرة عن هذا السؤال، كانت المفوض السامي تستطيع حصر إجابتها وملاحظاتها في محنتهم الإنسانية: الوضع في المخيمات، الحاجة إلى مزيد من التمويل للأنروا... وما إلى ذلك من الكلام المعتاد. ولكنها، ووفقا لمصداقيتها وصراحتها، اختارت أن تدفع السؤال للأمام، وبدون تردد؛ قالت القاضية الجنوب-أفريقية والناشطة السابقة ضد "الأبارتهايد"، بأن اللاجئين الفلسطينيين، شأنهم شأن أي لاجئين آخرين هجروا من بيوتهم قسرا، لهم الحق في العودة إلى بلدهم الأصلي كما هو مطلوب بموجب القانون الدولي. وأهمية هذه الإجابة، هي أنها يجب أن تفهم على أن حقوق اللاجئين الفلسطينيين عادت إلى خارطة أعلى هيئة في نظام حقوق الإنسان في الأمم المتحدة. بينما الهيئات السياسية في الأمم المتحدة، مثل مجلس الأمن الدولي، قد تكون غير راغبة، أو غير قادرة على الدفاع عن حقوق الفلسطينيين، ولكن الهيئات القانونية للأمم المتحدة لا زالت مفتوحة للعمل.

يوجد في الأمم المتحدة عنوان هام يجب عدم إهماله، وإعطائه الاهتمام والرعاية المطلوبة، وهو لجنة الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (CERD)، وهي هيئة أنشئت بموجب معاهدة القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (ICERD)، التي تتحمل المسؤولية عن مراقبة مدى التزام الدول الأطراف في المعاهدة الدولية. وإسرائيل طرف في المعاهدة حيث صادقت عليها في عام 1979، وبالتالي، هي ملزمة بأحكامها. ووفقا لهذه المعاهدة فإن "التمييز العنصري" يعرف بأنه: "أي تمييز أو استثناء أو تقييد أو تفضيل يقوم علي أساس العرق أو اللون أو النسب أو الأصل القومي أو الاثني، ويستهدف أو يستتبع تعطيل أو عرقلة الاعتراف بحقوق الإنسان والحريات الأساسية أو التمتع بها أو ممارستها، علي قدم المساواة، في الميدان السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي أو الثقافي أو في أي ميدان آخر من ميادين الحياة العامة." ولا تحمي المعاهدة حقوق المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل من التمييز العنصري فحسب، بل أولئك الفلسطينيين في الأرض المحتلة الذين هم تحت السيطرة الإسرائيلية أيضا.

إن ملاحظات لجنة الأمم المتحدة للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (اللجنة)، حول معاملة إسرائيل للفلسطينيين في الأرض المحتلة وفي داخل إسرائيل، هي ملاحظات هامة للغاية؛ لأن أعضاء اللجنة هم خبراء قانونيون في مجالات القانون الدولي وحقوق الإنسان، وهم من جميع أنحاء العالم. وتوفر الملاحظات الختامية للجنة سجلا للنمط والممارسة الإسرائيلية للتمييز العنصري ضد الفلسطينيين الذين يعيشون تحت ولايتها وسلطتها الفعالة، هذا السجل للتمييز العنصري المؤسسي والمنهجي، يمكن لمحكمة العدل الدولية استخدامه رسميا، في أي وقت يطلب منها رأيا استشاريا في المستقبل، بخصوص مدى قانونية السلوك الإسرائيلي في الأرض الفلسطينية المحتلة، إضافة إلى إمكانية استخدامه في أي دعوى جنائية ضد المسؤولين الإسرائيليين الذين يمكن جلبهم بموجب نظام روما أمام محكمة الجنايات الدولية، ومن المقرر أن تقوم اللجنة باستعراض وضع إسرائيل مجددا في شهر آب 2011.

وضعت اللجنة بعض الملاحظات والتوصيات الهامة بشأن معاملة إسرائيل للفلسطينيين، خلال مراجعاتها الدورية لمدى امتثال إسرائيل باتفاقية مكافحة العنصرية. ففي عام 1998، كمثال، وجدت اللجنة أن المستوطنات الإسرائيلية في الأرض الفلسطينية المحتلة، ليست فقط غير قانونية حسب القانون الدولي، ولكنها تشكل عقبة أمام " التمتع بحقوق الإنسان لجميع سكان المنطقة". كما ذكرت اللجنة بأن " الأعمال التي من شأنها تغيير التركيبة السكانية للأرض الفلسطينية المحتلة تثير القلق باعتبارها انتهاكات للقانون الدولي الإنساني المعاصر". كما أكدت اللجنة أيضا، على حق الفلسطينيين في العودة، مشيرة إلى أنه ينبغي على إسرائيل أن تسمح للفلسطينيين بالعودة واستعادة ممتلكاتهم وبيوتهم في إسرائيل، وذكرت أنه يجب إعطاء ذلك "أولوية قصوى" أيضا.

في عام 2007، كررت اللجنة مرة أخرى ملاحظاتها السابقة، ولكنها ذهبت خطوة أخرى إلى الأمام بخوضها في الإدعاء الإسرائيلي بأن الفرق الوحيد المهم فيما يتعلق بالتمتع بحقوق الإنسان بين المواطنين اليهود والمواطنين الآخرين، موجود فقط فيما يتصل بتقرير/تحديد الحق في الهجرة إلى إسرائيل. وأشارت تقارير اللجنة بأن امتياز الحصول على الجنسية عن طريق " قانون العودة اليهودي" تصاحبه امتيازات أخرى، ومن ضمنها الحصول على الأرض وفوائد أخرى. وأوصت اللجنة بأن تقوم إسرائيل بـ" ضمان أن تعريف إسرائيل كدولة للشعب اليهودي، لن ينتج عنه أي تمييز منهجي، استبعاد، تقييد، أو تفضيل على أساس العرق، اللون، النسب أو الأصل القومي أو العرقي في التمتع بحقوق الإنسان".
وفي العام نفسه، قامت اللجنة بمساءلة دولة إسرائيل حول علاقتها بالمنظمة الصهيونية العالمية، الوكالة اليهودية، والصندوق القومي اليهودي، وذكرت أنها قلقة من المعلومات التي تفيد بأن هذه المؤسسات تدير الأراضي، والإسكان والخدمات لمصلحة السكان اليهود حصريا. كما دعت إسرائيل إلى إلغاء القانون الذي يحول دون جمع شمل العائلات الفلسطينية لإسرائيليين يعيشون في إسرائيل، والمتزوجين من فلسطينيين من الأرض الفلسطينية المحتلة، ودعتها لاتخاذ جميع التدابير لضمان أن أراضي الدولة يتم تخصيصها بدون تمييز مباشر أو غير مباشر، على أساس العرق، اللون، النسب، أو الأصل القومي أو الإثني.

وحول جدار إسرائيل للفصل العنصري؛ لاحظت اللجنة بأنه ينتهك بشكل خطير العديد من حقوق الإنسان للسكان الفلسطينيين المقيمين في الأرض الفلسطينية المحتلة، وبأن هذه الانتهاكات لا يمكن تبريرها بالضرورات العسكرية ومتطلبات الأمن القومي والنظام العام. ودعت اللجنة الدولة الطرف (في الاتفاقية) إلى وقف بناء الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والقيام بتفكيكه والتعويض عن جميع الأضرار الناجمة عنه.

كما أعربت اللجنة عن قلقها العميق إزاء القيود الصارمة المفروضة على حرية التنقل في الأرض الفلسطينية المحتلة، واستهداف مجموعة قومية أو إثنية بعينها، ولا سيما من خلال الجدار ونقاط التفتيش والطرق المحظورة ونظام التصاريح، وكلها إجراءات قد أوجدت الكثير من الصعوبات، وأن لها آثارا ضارة للغاية على تمتع السكان الفلسطينيين بحقوق الإنسان، ولا سيما حقوقهم في حرية التنقل، والحياة الأسرية والعمل والتعليم والصحة.

ورغم أن إسرائيل لم تصدر الإعلان اللازم بحسب الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (ICERD) والذي يسمح للأفراد بتقديم شكاوى ضد الدولة على انتهاكاتها لحقوق الإنسان التي تنطوي على تمييز عنصري، ومن ضمنها بعض الانتهاكات الأكثر خطورة مثل التمييز العنصري. وقد أصبحت إسرائيل خاضعة للتحذير المبكر وللإجراءات العاجلة للجنة القضاء على التمييز العنصري. وهذه الإجراءات العاجلة والإنذار المبكر هما وسيلة للفت الانتباه إلى خطورة الأوضاع في بلد ما، قبل أن تصبح الأضرار الواقعة على الجماعات المحمية غير قابلة للإصلاح. وإذا ما قررت اللجنة أنه في ضوء خطورة وحجم وضع معين، بما في ذلك تصعيد العنف أو الأضرار غير القابلة للإصلاح، التي يمكن أن تقع على ضحايا التمييز على أساس العرق، اللون، النسب أو الأصل القومي أو العرقي. واللجنة مخولة بالرّد، من بين أمور أخرى، عن طريق توجيه الطلب لإسرائيل لتقوم بتقديم معلومات عن الوضع، ومن ثم اتخاذ قرار موجه إلى إسرائيل، ويستطيع كل من: المقرر الخاص المعني بالأشكال المعاصرة للعنصرية، التمييز العنصري وكراهية الأجانب وما يتصل بذلك من تعصب، والإجراءات الخاصة الأخرى بمجلس حقوق الإنسان، والمستشار الخاص للأمين العام المعني بمنع الإبادة الجماعية، والأمين العام عن طريق المفوض السامي لحقوق الإنسان، ــ يستطيع كل هؤلاء مجتمعين، العمل جنبا إلى جنب من أجل وضع المسألة بتصرف مجلس الأمن الدولي.

لقد قامت اللجنة بتحديد عدد من الـ"مؤشرات" التي تبرر القيام باتخاذ إجراءات ضد دولة طرف (في الاتفاقية) بسبب انتهاكاتها للاتفاقية، ويوجد من بينها ثلاثة مؤشرات هي الأكثر صلة بالحالة الفلسطينية:

1. وجود سياسات أو ممارسات للإفلات من العقاب لموظفي الدولة عن أعمال مثل العنف ضد أعضاء في جماعة تم تعريفها على أساس العرق، اللون، النسب، الأصل القومي أو الإثني. أو إعطاء التصريحات الخطيرة من قبل القادة السياسيين/ الشخصيات البارزة التي تتغاضى عن، أو تبرر العنف ضد مجموعة تشملها الاتفاقية- ولا شك ان حصار غزة وعملية الرصاص المصبوب اول ما يخطر في الذهن هنا.
2. وجود نزوح ملحوظ للاجئين أو الأشخاص المهجرين، خاصة عندما يكون هؤلاء ينتمون لمجموعة عرقية أو إثنية محددة ـ وما يتوافق مع هذا المؤشر في الحالة الفلسطينية هو استمرار رفض إسرائيل السماح للاجئين الفلسطينيين بالعودة، وفي خلق المزيد من الفلسطينيين المهجرين داخليا كنتيجة لسياستها الاستيطانية.
3. وجود التعدي (على الأراضي وممتلكات للشعوب الأصلية أو الإبعاد الإجباري لهذه الشعوب عن أراضيهاـ وينطبق هذا المؤشر على سياسة إسرائيل طويلة الأمد من الإبعاد القسري للفلسطينيين من أراضيهم، وآخرها حالة بدو النقب ومحيط القدس.

ومن المهم ملاحظة أن المبادئ التوجيهية للجنة المعنية بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، تخول الوكالات غير الحكومية بتنبيه اللجنة لأوضاع تقع تحت الإنذار المبكر والإجراءات العاجلة، وحتى الآن، لم يتم اتخاذ جميع التدابير التي تستنفذ الإمكانات الكاملة لهذه الإجراءات من طرف المجتمع المدني في فلسطين. على موقع اللجنة على الانترنت، يجري الحديث حاليا عن العمل على قرارين يتعلقان بموضوع لم شمل العائلات في إسرائيل والقوانين الإسرائيلية التي تحرم الأزواج الفلسطينيين من الأرض المحتلة من الإقامة في إسرائيل- وهي قضايا هامة لفضح الممارسات العنصرية الإسرائيلية ضد السكان الفلسطينيين الأصليين، سكان فلسطين التاريخية. ولكن هذا جانب واحد فقط من طرق وأساليب لا تعد ولا تحصى لحرمان الفلسطينيين من معظم حقوقهم الإنسانية الأساسية، وذلك في خدمة هاجس ذهني واحد، وهو الحفاظ على أغلبية سكانية يهودية في الأراضي الفلسطينية، التي تدعي حكومة إسرائيل أنها أرضها.

وفي مثل هذه الأوقات، وعندما يكون علينا أن نواجه مرة أخرى بـ"فيتو" أمريكي في مجلس الأمن الدولي، الأمر الذي يمنع تثبيت حقوق الفلسطينيين وحمايتها؛ فانه من الأهمية بمكان أن نتذكر أن هناك هيئات حقوق إنسان غير متحيزة موجودة في الأمم المتحدة، مثل اللجنة المعنية بالقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري، حيث يتم الاعتراف بالحقوق الفلسطينية وتأييدها. ويجب علينا الاستفادة من هذه الهيئات إلى أقصى حد ممكن، حيث قرارات وتوصيات هذه الهيئات هي التي سوف تقوم ببلورة وإرساء القاعدة لآراء قضائية مهمة في محافل وأماكن أخرى، ومن بينها محكمة الجنايات الدولية.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* زها حسن: محامية في مجال حقوق الإنسان، وتعمل حاليا بصفتها مستشار قانوني مستقل في رام الـله، ويمكن الاتصال بها عن طريق البريد الإلكتروني: [email protected]

تطور الفقه القانوني في محاكمة مجرمي الحرب

بقلم: خليل أبو خديجة*

منذ بداية الصراع الصهيوني-الفلسطيني، وعلى تاريخ امتداد هذا الصراع، ارتكبت إسرائيل العديد من المجازر بحق الشعب الفلسطيني، وهي ترقى في معظمها إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحسب القانون الدولي. وقد كان آخر هذه المجازر ما حدث في قطاع غزة أثناء العدوان الإسرائيلي على القطاع أواخر العام 2008 وبداية عام 2009. هذه الجريمة، والتي أكدها تقرير غولدستون من خلال بعثة تقصي الحقائق الخاصة، تجعل من المهم بمكان البحث عن إمكانيات محاسبة إسرائيل وفقا لقواعد القانون الجنائي الدولي.

وعلى الرغم من أهمية البحث عن آلية مناسبة للوضع الفلسطيني، والمتغيرات السياسية الدولية بشكل عام، إلا أن الأهم من ذلك يبقى في البحث عن إستراتيجية فلسطينية معينة مرتبطة بأهداف لا يتم التنازل عنها. فالتجارب الفلسطينية المتكررة في تقليد تجارب كفاحية لشعوب أخرى، لم تكن أبدا مطابقة لحاجات الوضع الفلسطيني، ولم تكن أبدا كافية لاستعادة ما ضاع من حقوق لهذا الشعب.

ففي الوقت الذي يجب أن نستعرض فيه نماذج للنضال القانوني، ومحاسبة مرتكبي الجرائم، تبقى الأولوية في قيام الفلسطينيين بصياغة وتكوين ما يلبي احتياجاتهم ويحقق أهدافهم.

تباعا، سنستعرض الآليات التي استخدمها العالم الحديث في محاسبة مرتكبي الجرائم، والسياسات التي لعبت دورا في منح أو حجب السلطة عن هذه الوسائل والآليات:

قرارات الدول، والاتفاقيات والمعاهدات الدولية:

كبداية لتصورات قواعد جنائية دولية تحكم أفعال الدول، أحست الأمم بضرورة هذا الأمر في محاولة لتجنب ويلات هذه الجرائم على الشعوب فتم التوقيع على معاهدة جنيف عام 1864 والتي نصت بشكل واضح على منع ارتكاب هذه الأفعال أثناء الحروب وتم التأكيد على ذلك عبر معاهدة لاهاي للعام 1899. ولكن الجهود الجدية لمواجهة جرائم الحرب بدأت بعد الحرب العالمية الأولى والتي خلفت أكثر من عشرين مليون قتيل، حيث حاول المنتصرون تضمين المادة 227 في معاهدة فرساي بحيث تضمن لهم محاكمة الإمبراطور الألماني فيلهام وإنشاء محكمة جنائية خصيصا له، إلا أن الإمبراطور حصل على حق اللجوء السياسي في هولندا ورفضت هولندا تسليمه. إضافة إلى ذلك، فان الاتفاقية اشتملت على مادتين لمحاكمة الضباط الألمان والأتراك المتهمين بارتكابهم جرائم حرب أمام محاكم الحلفاء العسكرية.

المميز في هذه الاتفاقية أنها لم تهمل دور القضاء الداخلي للدول، أي أنها لم تخلق محكمة دولية بمزايا خاصة، وإنما وسعت اختصاص محاكمها العسكرية لتشمل الألمان والأتراك. وتم بناء على ذلك تشكيل لجنة تكونت من الولايات المتحدة، فرنسا، الإمبراطورية البريطانية، ايطاليا، واليابان. لكن، المستغرب في هذه الاتفاقية أنها لم توجه اتهامات للمسؤولين الأتراك بشأن الجرائم المرتكبة ضد الأرمن، وعزا الفقهاء ذلك إلى أن تركيا لم توقع على الاتفاقية المتعلقة بذلك، واستبدلتها باتفاقية لوزان للعام 1923.

تعتبر هذه الاتفاقية هي الأولى من نوعها التي أضافت مصطلح جرائم الحرب، ومساءلة الأفراد على المستوى الدولي، بل وذهبت ابعد من ذلك، من خلال طرحها لمساءلة رؤساء الدول عن الفكرة التي كانت تعتبر انتقاصا من مبدأ سيادة الدول آن ذاك. ولا يخفى على احد أن الحلفاء ضمنوا هذه المواد في الاتفاقية في محاولة لإذلال الألمان، وليس الاقتصاص منهم ومعاقبتهم فقط. ولم يمنعهم ذلك من اضافة مفهوم آخر، تمثل في تكامل القضاء الدولي، والقضاء المحلي، حيث أجازت الاتفاقية محاكمة هؤلاء المتهمين في المحاكم الألمانية أو محاكم الدول المنتصرة، دون النظر إلى تطبيق هذا الأمر من عدمه، إلا انه يعد تطورا لا بأس به في اتجاه بلورة آليات محاسبة دولية.

كان هنالك أيضا العديد من الجهود الفقهية التي أرادت خلق جهاز للمحاسبة الجنائية الدولية، إلا أنها بقيت دون دعم كاف أو إرادة حقيقية، حيث أن الدول في ذلك الوقت كانت لا ترغب في إبداء محاولة حول أمر ما قد يمس بمفهوم سيادة الدول الواسعة، حيث ارتأت هذه الدول أن تكون صاحبة اليد الطولى في فرض هيمنتها على المستوى الدولي.

1. محكمة ليبزج - ( المحكمة الألمانية العليا) لمحاكمة مجرمي الحرب 1923:

لم تقم ألمانيا بما كان مفروضا عليها من قبل الحلفاء، حيث لم تسلم المتهمين للمحاكمة، وعزت ذلك إلى تضارب التشريع الألماني وهذه البنود، وأيضا إلى أن هذا الأمر سيؤدي إلى حالة من الاضطراب في ألمانيا، وحتى تسكت منتقديها، انشأ الألمان محكمة ليبزج في ألمانيا لهذا الغرض.

لم توجه لائحة الاتهام إلا لعدد ضئيل من الضباط والمسئولين الألمان، وهرب اغلبهم خارج ألمانيا قبل نهاية المحاكمات. وعكست الأحكام الصادرة عن هذه المحكمة مدى جديتها، حيث حكمت على متهمين بقتل أسرى حرب، ومرتكبي جرائم حرب بأحكام مثل السجن لمدة عامين.

وقد عزا العديد من الفقهاء عدم الجدية في سير هذه المحاكمات إلى رغبة "الحلفاء" في طي صفحة الحرب بعد أن اجبروا الألمان على الموافقة على شروطهم، اضافة إلى امتناع ألمانيا عن تطبيق الأحكام الصادرة بحق مشتبه بهم أو حتى مدانين بحجج مختلفة، وذلك كنوع من الرفض الضمني لقبول ما يمليه عليها الحلفاء.

2. محكمة نورمبرغ 1945 أو "محاكم المنتصرين":

واجهت هذه المحاكم انتقادات شديدة بسبب طبيعتها، إذ لم يتم النظر من خلالها في الجرائم التي ارتكبها الحلفاء خلال الحرب، والتي اعتبرها كثيرون أعظم من جرائم "المحور"، ويكفي أن نذكر جريمة إلقاء القنبلتين الذريتين على هيروشيما وناكازاكي، المدينتين اليابانيتين، لنعلم أن المحاكم لم تنشأ أبدا إحقاقا للعدالة. فـ"هاري ترومان – الرئيس الأمريكي الأسبق" كان يجب أن يحاكم ضمن آخرين من جانب الحلفاء بالنظر لفداحة الجرائم المرتكبة.

تم إنشاء هذه المحكمة وفقا لاتفاقية لندن لعام 1945، وتضمنت الاتفاقية مبادئ عامة للمحاسبة، في محاولة جدية للنظر فيما تم ارتكابه من مجازر وجرائم بحق الإنسانية، وما نتج من ويلات خلال الحرب العالمية الثانية، حيث أيقنت الدول المنتصرة أن عدم محاسبة مرتكبي هذه الجرائم، سيزيد من احتمال تكرار هذه الجرائم في المستقبل، بعد أن تعلموا ذلك من خلال تساهلهم في ما بعد الحرب العالمية الأولى.

ضمت هذه المحكمة العسكرية الدولية ممثلين عن الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية، الولايات المتحدة، الاتحاد السوفييتي، بريطانيا، وفرنسا. وتم اختيار مدينة نورمبرغ، العاصمة الروحية للرايخ الثالث مقرا للمحكمة كنوع من الإذلال للألمان.

وأعلنت المحكمة مجموعة من المبادئ التي ستجري على أساسها المحاكمات، تلخصت بالآتي:
1. المسؤولية الجنائية الفردية، حيث لم يعد القائد أو الضابط أو الرئيس المسؤول الوحيد عما تم ارتكابه من جرائم، اذ نصت المبادئ على أن كل شخص يرتكب، أو يشترك في ارتكاب فعل يشكل جريمة وفقا للقانون الدولي، يعتبر مسؤولا عنه، ومستحقا للعقاب.
2. لا إعفاء من المسؤولية ولا مانع من المحاسبة كون القانون الوطني لا يجرم أو لا يعاقب على أفعال تشكل جريمة حرب، فالمسؤولية شكلت بناء على القانون الدولي، لا القانون الوطني الداخلي.
3. لا يعفى ولا يمنع من المحاسبة أن يكون مرتكب الجريمة رئيس دولة، أو مسؤولا فيها.
4. لا يعفي ولا يمنع من المحاسبة، ارتكاب الجريمة بأمر من الحكومة أو من الرئيس وفقا للقانون الدولي، وإنما من الممكن اعتباره أحد الظروف المخففة، وفقا للمادة الثامنة من نظام محكمة نورمبرغ.
5. لكل متهم الحق في محاكمة عادلة وفقا لأحكام القانون الدولي.
6. التجاوز عن مبدأ شرعية الجريمة والعقوبة، أي مبدأ "لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص"، حيث نص على أن هذا المبدأ الذي استقر عليه الفقه القانوني في التشريعات الداخلية الوطنية يمكن تجاوزه في تطبيق القانون الدولي.
ونتيجة لذلك تم الحكم على عدد من قادة الألمان بالإعدام، أمثال المارشال هرمان، وألفرد روزنبرغ، وانتهى وجود المحكمة بانتفاء داعي وجودها.

3. محكمة طوكيو 1946:

بناء على ما تم الاتفاق عليه في مؤتمر بوتسدام عام 1945 في ألمانيا، أصدر القائد العام لقوات الحلفاء أمرا عسكريا بإنشاء محكمة عسكرية دولية لمحاكمة مجرمي الحرب اليابانيين، وأطلق عليها اسم المدينة التي انعقدت فيها، طوكيو.

واختصت المحكمة في النظر في الجرائم المرتكبة "ضد السلام" والجرائم ضد الإنسانية، وجرائم أخرى متعلقة بانتهاكات ومخالفات قواعد وقوانين دولية. وقد أصدرت المحكمة عدة أحكام منها 6 أحكام بالإعدام. ثم تلاشى دورها مثل محكمة نورمبرغ بانتفاء سبب وجودها.

وعلى الرغم من النقلة النوعية التي أحدثتها هاتان المحكمتان من إمكانية محاكمة الأفراد عن جرائم ارتكبوها، وإمكانية محاكمة رؤساء الدول وامتداد المسؤولية إلى منفذ أمر ارتكاب الجريمة، وتشكيلها أساسا للقضاء الجنائي الدولي، إلا أن هنالك الكثير من المآخذ على تشكيل هذه المحاكم. فإذا ما تجاوزنا مسألة إخضاع الدول المهزومة، وعدم محاسبة مجرمي الحرب من "الحلفاء"، نجد أن هنالك أمورا أخرى لا يمكن قبولها، حيث طبع على هذه المحاكم الطابع السياسي المرتبط بإرادة الدول المنتصرة في محاكمة بعض الشخصيات من عدمه، ومخالفة نظام المحكمة لمبدأ شرعية العقوبة والجريمة، ومبدأ عدم رجعية القانون الجنائي، مما يعتبر مخالفة جسيمة للقوانين الوطنية والأعراف القانونية السارية.

4. المحاكم الدولية المشكلة من قبل مجلس الأمن:

شكل مجلس الأمن منذ إنشاءه العديد من المحاكم الدولية، وفقا لبواعث مختلفة، كالمحكمة الخاصة بلبنان والتي تعتبر المحكمة الدولية الأولى التي تنشأ للنظر في جريمة قتل سياسية، ومحكمة سيراليون، وكمبوديا، إلا أن ابرز محكمتين كانتا، محكمة يوغسلافيا، ومحكمة رواندا.

المحكمة الجنائية الخاصة بيوغسلافيا 1993:

أصدر مجلس الأمن عام 1993 قرار بإنشاء محكمة جنائية دولية لمحاكمة المسؤولين المتهمين بانتهاكات للقانون الدولي الإنساني في يوغسلافيا. ولعل ابرز خصائص هذه المحكمة، كونها أنشئت خصيصا ليوغسلافيا، حيث لم يتم اشتراط ذلك لتوقع الدول بان يكون هنالك جرائم مرتكبة من قبل دول أخرى، إلا أن المصالح السياسية المكونة لمجلس الأمن فرضت تأسيس المحكمة ليوغسلافيا فقط دون النظر إلى أي طرف آخر في تلك الحرب.

وبناء على ذلك، أصبحت المحكمة أداة للتدخل في شؤون دول البلقان، ولم تتم محاسبة حلف الناتو، بقيادة الولايات المتحدة عما تم ارتكابه من مخالفات، اضافة إلى أن العقوبات التي تم الحكم بها لم تكن تتوافق مع الجرائم المرتكبة، حيث صرح المدعي العام، انه لا يمكن النظر في هذه القضايا نظرا "لعدم وضوح القانون".

المحكمة الجنائية الخاصة برواندا 1994:

استمرت المجازر بالحدوث في العالم، ولم يكن هنالك ما يكفل ردعا لمثل هذه الأفعال، فجرائم الإبادة الجماعية، والتطهير العرقي الشنيعة ظهرت على سطح الحرب في رواندا، ورغم تأخر التدخل الدولي في المنطقة، لانعدام المصالح السياسية، إلا أن التدخل أيضا لم يكن بالمستوى المطلوب. ولنفس الأسباب التي تم ذكرها بشأن المحكمة الخاصة بيوغسلافيا، تم إنشاء محكمة رواندا بناء على قرار من مجلس الأمن عام 1994، والإرادة السياسية لم تشكل هاجسا لدى القضاة للوهلة الأولى، حيث وفرت الأمم المتحدة أموالا طائلة لتأمين سير المحاكمة إلا أن السياسة عادت لتحكم، حيث لم يحاكم سوى مجموعة صغيرة من المتهمين، تراوحت إحكامهم بين البراءة والسجن مدى الحياة، إلا أن ذلك كنتيجة، لا يتناسب أبدا مع توقعات العالم، نظرا للاهتمام البالغ الذي تم إيلائه لهذه المحكمة في المحاسبة والمعاقبة وإحقاق العدالة.

4. المحكمة الجنائية الدولية 1998:

بعد أكثر من 50 عاما من المد والجزر والمداولات، أبصرت المحكمة الجنائية الدولية النور، بموافقة 120 دولة، ومعارضة 20 وامتناع واحده. إلا أن التساؤل الباقي حتى الآن هو: هل رأت المحكمة الجنائية الدولية النور لتعيش، أم أن النور الذي رأته سيكون آخر ما تراه؟ فالمتغيرات السياسية والمصالح الاقتصادية لا زالت تغلف عمل الأجهزة الدولية بشكل عام، فعلى سبيل المثال لم نشاهد المحكمة الجنائية الدولية تتخذ مواقف جدية على ما تقترفه إسرائيل حتى الآن، حيث أن هذا الجهاز أيضا، مرتبط بقرارات مجلس الأمن من جهة، وبإرادة سياسة الدول من جهة أخرى.

على الرغم من ذلك، فان وجود مثل هذا الجهاز يدعم فكرة المسؤولية الجنائية الفردية والجماعية كما استعرضنا، إلا أن المآخذ عليه كثيرة، لكن مجرد وجود هذه الآلية كخيار تزيد من فرص المحاسبة والعقاب على من يرتكب جرائم دولية.

في هذا الوقت المزدحم بالآليات وطرق المحاسبة، واستراتجيات إحقاق العدالة كما استعرضنا، فان النظام القانوني يتوفر على سلة من النظم التي لا تضمن بحالها الراهن توصل الفلسطينيين لحقوقهم دون وجود فعل فلسطيني مبني على إستراتيجية واضحة. ولعل ما يجري في العالم اليوم من تغيرات سياسية، وتفاعلات إقليمية قديمة حديثة، لهو خير دليل على ضرورة وجود هدف وإستراتيجية عمل واضحين كشرط مسبق لتحقيق ذلك.، وللخروج من دائرة الفعل العبثي الضائع.

---------------------------------------

خليل ابو خديجة: ماجستير قانون، الميسر التنفيذي للبرامج – مركز بديل.

مجلس الأمن الدولي والمحاكم الدولية الخاصة: حالة رواندا ويوغسلافيا السابقة

بقلم: أكرم سلهب*

من بين جميع مؤسسات الأمم المتحدة المكلفة بحماية وتعزيز حقوق الشعب الفلسطيني، لم تفشل أيا من هذه المؤسسات في الوفاء بولايتها بطريقة مذهلة مثلما فعل مجلس الأمن الدولي؛ فخلال تاريخه البالغ 65 عاما، قام مجلس الأمن الدولي مرارا وتكرارا بحماية إسرائيل من المساءلة بموجب القانون الدولي، بل وعمل على إفشال كل المحاولات الدولية لمعاقبة إسرائيل من خلال مؤسسات الأمم المتحدة وإذهابها أدراج الرياح. وفي كل الحالات تقريبا، كان تقاعس مجلس الأمن في العمل ضد إسرائيل ناتجا عن قرار "فيتو" أمريكي، الذي استخدمته الولايات المتحدة 32 مرة ضد مشاريع القرارات المتعلقة بمساءلة إسرائيل، وذلك حفظا وحماية للمصالح الامبريالية الجيو- سياسية، بدلا من السعي لمساءلة إسرائيل عن جرائمها بحق الضحايا الفلسطينيين. إن عدم رغبة الولايات المتحدة لاستخدام موقعها في مجلس الأمن الدولي للضغط على إسرائيل لكي تمتثل للقانون الدولي هو تصرف أعمى، لأن "الفيتو" الأخير في مجلس الأمن حول المستوطنات قد أظهر أن الولايات على استعداد للتصويت حتى ضد سياستها المعلنة.

تظهر الحصانة الممنوحة لإسرائيل بوضوح في فشل المجتمع الدولي في تأسيس محكمة دولية خاصة لإجراء التحقيقات ومحاكمة المسؤولين الإسرائيليين المسؤولين عن ارتكاب الجرائم ضد الشعب الفلسطيني. وفي مقابل ذلك، أظهر مجلس الأمن الدولي خلال العشرين سنة الماضية، انه إذا كان راغبا أو مستعدا، فإنه قادر على اتخاذ مواقف حقيقية ضد الأنظمة المتورطة في انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وضد الحكومات المشاركة في أعمال التطهير العرقي والإبادة الجماعية، وفي الأماكن التي يوجد فيها أنظمة إجرامية مثل نظام "الأبارتهايد" في جنوب أفريقيا. إن بحث موجز لمثالين من رواندا ويوغسلافيا يبين الدور "النزيه" الذي يمكن أن يلعبه مجلس الأمن الدولي في تقديم المجرمين للعدالة، كما ان هكذا بحث يسلط الضوء على كيفية تطبيق مثل هذه الردود الدولية على الجرائم الإسرائيلية المقترفة بحق الفلسطينيين.

رواندا ويوغسلافيا السابقة

عند بدء أعمال الإبادة الجماعية في رواندا، رفضت الولايات المتحدة في البداية أن تشرك نفسها فيما اعتبرته "صراعا محليا"، ودفعت مجلس الأمن الدولي للقيام بتخفيض عديد قوات منظمة الوحدة الأفريقية لحفظ السلام الموجودة هناك، وكان ذلك في نفس الوقت الذي كانت هناك حاجة ماسة إليها، وفقط بعد أن كان حوالي نصف مليون من شعب "التوتسي" قد ذبحوا بشكل منهجي، تنازلت الولايات المتحدة مبدئيا، وقالت انه "من الممكن أن تكون قد حدثت هناك إبادة جماعية". والأكثر مدعاة للقلق، هو الدور الذي لعبته دولة أخرى من الأعضاء الدائمين في مجلس الأمن، وهي فرنسا التي رأت الصراع في رواندا من خلف عدسات نظارتها الاستعمارية، باعتباره محاولة من جانب الشعب الأفريقي الناطق بالانجليزية في أوغندا، لإقامة دولة ناطقة بالانجليزية لشعب "التوتسي"، وفي ردها على ذلك، قامت فرنسا بتسليح ودعم الحكومة التي يقودها "الهوتو" التي كانت مسؤولة عن تنظيم وممارسة الإبادة الجماعية.

ولكن بعد أن تمكنت الجبهة الوطنية الرواندية التي يسيطر عليها "التوتسي" من هزيمة الجيش الرواندي ووضع نهاية لأعمال الإبادة، وكانت آثار الموت والأعداد الهائلة للضحايا أكثر بكثير من إمكانية إخفائها، الأمر الذي أجبر مجلس الأمن على اتخاذ تدابير لجلب المجرمين أمام العدالة. وفي شهر تشرين ثاني 1994 أصدر مجلس الأمن الدولي قراره رقم 955 الذي نشأت بموجبه المحكمة الدولية الخاصة برواندا (ICTR). وتم تفويضها بولاية قضائية لمحاكمة الأشخاص المسؤولين عن أعمال الإبادة وغيرها من الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي. وتم لاحقا توسيع قدرات المحكمة من خلال اعتماد مجلس الأمن للقرار 1165 الذي أنشأ قاعة أخرى للمحكمة، وطلب المزيد من الإشراف القوي على عمل المحكمة من قبل الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان، الذي كان عليه تسهيل اضطلاع المحكمة بمهامها بشكل فعال.

والمحكمة التي تأسست خارج "أوشا" في تنزانيا المجاورة، كانت قد بنيت على أساس قرارات سابقة لمجلس الأمن الذي شكل بموجبها لجنة تحقيق من الخبراء لتقييم سيل الدعاوى التي تؤكد أن أعمال إبادة جماعية اقترفت في رواندا. وبعد إجرائها البحث اللازم، قالت اللجنة في تقريرها بأن الأدلة التي تشير إلى حدوث الإبادة هي أدلة واسعة وكثيرة، وأخذ مجلس الأمن على عاتقه الإجراءات اللازمة لمتابعة النتائج التي توصلت إليها التحقيقات وبالملاحقة القضائية للمسؤولين. وحتى اليوم، قامت المحكمة بالانتهاء من إجراء 50 محاكمة، 29 إدانة، 11 محاكمة جارية، 11 شخصا قيد الاعتقال بانتظار المحاكمة، و13 شخصا آخر من المطلوبين لم يتم القبض عليهم بعد.

وكان رد فعل المجتمع الدولي على الصراع في يوغسلافيا السابقة على نحو مشابه، فبعد ورود تقارير عن أعمال إبادة وتطهير عرقي واسع تم تقديمها من قبل بطرس غالي الذي أصبح لاحقا الأمين العام للأمم المتحدة، اسس مجلس الأمن الدولي بموجب القرار 808 المحكمة الدولية الجنائية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة (ICTY). ومثل المحكمة الخاصة برواندا، كان للمحكمة الخاصة بيوغوسلافيا السابقة ولاية قضائية لإجراء التحقيقات ومحاكمة المسؤولين عن أعمال الإبادة الجماعية، جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ولكن؛ كان لتأسيس هذه المحكمة أهمية اكبر من محكمة رواندا؛ لأنها تأسست في وقت كان فيه القتال لا يزال مستمرا، مما يضع مزيدا من الضغط على الأطراف لردعها عن ارتكاب المزيد من المجازر، وهو هدف فشلت المحكمة في تحقيقه.

وعلى الرغم من أن المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغوسلافيا السابقة قد حققت نجاحا في توجيه الاتهام والحكم على عدد من الأشخاص المتهمين، فإنها لا تزال تثير الجدل على المستوى الدولي بشأن تكاليفها الباهظة التي وصلت أرقاما فلكية (أكثر من 300 مليون دولار لموازنتها للعامين 200-2005)، والبطء الشديد في إجراء العديد من المحاكمات. والأهم من ذلك كله هو غياب الدعم المحلي للمحكمة من قبل البعض الذي يرى أنه تم تشكيلها من قبل مجلس الأمن بدلا من الجمعية العامة، التي يمكنها أن تعطي مؤشرا أقوى على الرأي العام الدولي الواسع، مما يعني أن المحكمة تستند إلى شرعية دولية ضيقة.

العدالة الجنائية من أجل فلسطين

يعطي المناخ السياسي الراهن فرصا محدودة، أو حتى مستبعدة جدا، لتحصيل الدعم السياسي الضروري من أجل اتخاذ إجراءات جادة ضد أولئك المسؤولين عن الانتهاكات المنهجية للحقوق الفلسطينية، وضد الطبيعة الإجرامية للنظام الإسرائيلي، ولكن من المرجح أكثر أن تنجح بعض المحاولات التي جرت على المسرح العالمي من أجل الملاحقة القضائية لأفراد مسؤولين عن ارتكاب أو الإيعاز بارتكاب جرائم حرب محددة، وخاصة مثل تلك المحاولات التي جرت في إسبانيا والمملكة المتحدة والتي تقود الطريق نحو تطبيق قوانين الولاية العالمية للقضاء، لضمان محاسبة الأفراد المسؤولين عن ارتكاب الجرائم.

ومع ذلك، فإن السبيل الوحيد لضمان وتعزيز فرص النجاح في ملاحقة إسرائيل قضائيا بموجب الولاية العالمية للقضاء، قد تتحسن وتصبح منظمة من خلال إحالة الوضع في فلسطين إلى محكمة الجنايات الدولية (ICC)، والتي تحل بفعالية محل المحاكم الخاصة باعتبارها الوسيلة الملائمة لمحاكمة مجرمي الحرب. وبالنسبة للفلسطينيين، فمن المرجح أن يتم تطبيق ذلك عن طريق تنفيذ "خارطة الطريق للمساءلة" الواردة في تقرير غولدستون، والتي أعطت للإسرائيليين والفلسطينيين مدة ستة شهور لإجراء تحقيقات داخلية (وطنية) في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، التي من الممكن أنها وقعت خلال الحرب الإسرائيلية على غزة، والقيام بمحاكمة أولئك الذين يثبت تورطهم في هذه الجرائم. وبعد انقضاء مدة الشهور الستة، وعند عدم تلبية التحقيقات الداخلية للمعايير الدولية من حيث الاستقلالية، والحيادية، يوصي تقرير غولدستون بعدد من السبل البديلة لضمان مساءلة المسؤولين عن الجرائم.

وتكمن العقبة الرئيسية أمام هذا المسعى في استمرار معارضة قيادة المنظمة/السلطة تقديم اقتراح بعبارات صريحة وشديدة اللهجة يمكنها أن تولد آليات دولية من أجل المساءلة. وفي مثل هذا الموقف، الذي تزداد فيه صعوبة الحصول على استجابة دولية قوية، ومع ذلك، لا تجعل منه أمرا مستحيل الحدوث. فعلى سبيل المثال، عندما أنشأ مجلس الأمن الدولي المحكمة الخاصة برواندا، صوتت الحكومة الرواندية نفسها ضد القرار الذي أنشأها على خلفية أن الوقت المطروح للنظر في ومعالجة الوضع في رواندا كان محدود جدا، ومع ذلك، تم اتخاذ القرار وتم تشكيل المحكمة بدون موافقة حكومة رواندا التي كانت متورطة.

من المهم ملاحظته في كل من رواندا ويوغسلافيا السابقة، هو أن تلك المحاكم الخاصة قد تشكلت بعد ممارسة ضغوط كبيرة على المجتمع الدولي، وذلك بسبب فشله وإهماله في القيام بواجبه لحماية الضحايا موضوع القضية. وبينما حدث مثل هذا الوضع خلال وبعد الهجمات الإسرائيلية المستمرة، وآخرها على الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، حيث لدى إسرائيل حلفاء أقوياء قادرون على ضمان استمرار حصانتها وإفلاتها من العقاب. وهذا الموقف لا يشكل إهانة لضحايا الجرائم الإسرائيلية فقط، ولكنه أيضا يوجه للمسؤولين الإسرائيليين رسالة مفادها بأن بإمكانهم العمل بدون خوف من الملاحقة القضائية، ويشجعهم على الاستمرار في ذبح الفلسطينيين. ويجري ذلك بينما الملاحقة الجنائية الجدية للقيادات الإسرائيلية تشكل أهمية خاصة لردع جرائم حرب أخرى في المستقبل.

الوضع في فلسطين أكثر تعقيدا بالنظر للدعم الأمريكي المتعنت لإسرائيل، مما يعني أن أية محاولة للعمل من خلال مجلس الأمن أمامها فرصة ضئيلة جدا للنجاح. ونتيجة لذلك، فإن الإستراتيجية الفلسطينية الساعية لتحقيق المساءلة الدولية تحتاج إلى التركيز على محاولة إيجاد سبل ومنابر دولية بديلة، يمكن من خلالها مقاضاة جرائم الحرب عن طريق آخر، غير طريق مجلس الأمن الدولي. وكما تقوم مقالات أخرى في هذا العدد من جريدة "حق العودة" بتسليط الضوء على عدد من هذه البدائل، مثل اقتراح العمل من خلال الجمعية العامة على أساس سابقة " الاتحاد من أجل السلام"، أو عبر طلب السلطة الفلسطينية من محكمة الجنايات الدولية الاعتراف بها كدولة لغايات تطبيق ميثاق المحكمة الجنائية (ميثاق روما)، وهذا الاقتراح الأخير ينطوي على عقبات سياسية وقانونية كبيرة. وفي كلتا الحالتين، لا يمكن تحقيق العدالة في فلسطين، إلا إذا تم حشد وتعبئة حركة دولية كبيرة ومستمرة، تطالب بمساءلة إسرائيل ومحاكمة مسؤوليها على جرائمهم، ومن ضمنها مقاطعة اسرائيل، وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها حتى تمتثل للقانون الدولي.
----------
* اكرم سلهب: منسق الاتصال والتواصل ومحرر مجلة المجدل في مركز بديل.

المساءلة الجنائية للاسرائيليين

بقلم: ناصر الريس*

منذ اليوم الاول للعدوان والاحتلال الإسرائيلي للارض الفلسطينية في الخامس من حزيران 1967، والشعب الفلسطيني خاضع لسياسة ممنهجة ومستمرة من الجرائم والانتهاكات التي استخدمها المحتل كوسيلة لقمع تطلعات الفلسطينيين في التحرر والانعتاق، ومن ثم تثبيت وجوده وتعزيز سيطرته، فضلا عن استخدامها كوسيلة وإداة للتطهير العرقي، من خلال تفريغ المناطق الفلسطينية المستهدفة في الضم والالحاق كما هو الحال في القدس والاغوار والاراضي الواقعة خلف الجدار.

ولعل من أهم الجرائم المرتكبة من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي خلال مراحل الاحتلال المختلفة:

  • - تعمد قتل المدنيين؛ فضلا عن الاستهداف المباشر للاشخاص الذين يرى فيهم المحتل خطرا على وجوده أو رموزا للنضال والمقاومة الفلسطينية.
  • - اسقاط وتغييب مبدأ التمييز بين الأشخاص المدنيين والعسكريين والممتلكات المدنية والعسكرية؛ بل واستباحة ارواح وممتلكات المدنيين حال تنفيذ قوات الاحتلال لأي عمل عسكري في الارض الفلسطينية المحتلة، ولعل في العدوان الذي شنه المحتل الإسرائيلي على قطاع غزة أواخر عام 2008م، ما يؤكد على هذه الحقيقة.
  • - بث الذعر في نفوس المدنيين، سواء بالتهديد المباشر أو من خلال الإعلان الصريح عن عدم وجود مناطق آمنة.
  • - الاعلان عن عدم الإبقاء على الحياة، جراء الإعلان الصريح عن استهداف وقتل كل الافراد المنتمين للاجنحة العسكرية أو المتهمين بارتكاب اعمال عسكرية أو التخطيط لارتكاب اعمال مقاومة عسكرية ضد المحتل.
  • - الاستهداف المباشر لأفراد الخدمات الطبية ووسائل النقل الطبي والمشافي.
  • - تهديد سكان الأراضي المحتلة والضغط عليهم للإدلاء بمعلومات عن القوات المسلحة للمقاومة.
  • - ضرب حصار جائر على قطاع غزة لأكثر من اربع سنوات.
  • - تعمد منع دخول المواد الغذائية والامدادات الطبية للمناطق الفلسطينية كعقاب جماعي لسكانها.
  • - رفض السماح للطواقم الطبية من الوصول لمناطق الجرحى والمرضى والمصابين.
  • - استهداف المدارس والمؤسسات التعليمية والجامعات ودور العبادة.
  • - استهداف وتدمير المقابر.
  • - قصف وتدمير مئات المنازل انتقاما من السكان المدنيين.
  • - النقل والترحيل الجبري لمئات الأسر الفلسطينية من مناطق سكناهم الى غيرها من مناطق القطاع بحجة حماية أمنهم كما هو الحال مع سكان الاغوار وسكان جنوب الضفة الغربية.
  • - تدمير القطاع الزراعي الفلسطيني، جراء تدمير ومصادرة آلاف الدونمات الزراعية، مما افقد المزارعين الفلسطينيين والعمالة الزراعية الفلسطينية مصدر ارتزاقها الأساسي.
  • - خنق المدن والتجمعات الحضرية الفلسطينية ومحاصرتها مما سيحول دون تطورها وإتساعها، وبالتالي مواكبتها ومجاراتها لما تشهده من تزايد ديمغرافي.
  • - الإستيلاء على موارد ومصادر الثروة المائية، من خلال جراء وضع اليد على أهم وأغلب مصادر ومكامن الثروة المائية الفلسطينية، المتواجدة في هذه الأراضي الفلسطينية التي تمت مصادرتها أو إعلانها مناطق عسكرية مغلقة.
  • - بناء جدار الضم، الذي شرعت دولة الاحتلال الإسرائيلي بتشيده داخل أراضي الضفة الغربية منذ منتصف عام 2002م ولم يزل متواصلا، ما أدى الى ضم آلاف الدونمات الى دولة الاحتلال؛ فضلا عما الحقه من دمار وتخريب في الممتلكات، وعزله لعشرات التجمعات السكانية عن باقي الضفة الغربية.
  • - تخريب الأراضي والملكيات الخاصة الزراعية، حيث تم الى جانب المصادرات المباشرة وأعمال الإستيلاء العلني للأراضي والملكيات الفلسطينية القائم هذا الجدار عليها، تجريد وحرمان الفلسطينيين من آلاف الدونمات الزراعية.

ويمكننا القول جازمين بانه لا يوجد قيد أو مبدأ أو حق على صعيد القانون الدولي العام أو القانون الدولي الإنساني أو على صعيد مواثيق القانون الدولي لحقوق الانسان، إلا وتعرض للانتهاك والتجاوز من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي.

المسؤولية الدولية الناشئة عن ممارسات دولة الاحتلال الإسرائيلي

يترتب على انتهاك دولة الاحتلال الإسرائيلي لقواعد واحكام القانون الدولي العام والقانون الدولي الإنساني، فضلا عن إنطباق مدلول أحكام وقواعد القانون الدولي لجرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية على الممارسات والانتهاكات السالفة للمحتل الإسرائيلي، إثارة المسؤولية الدولية لدولة الاحتلال عن هذه الجرائم والإنتهاكات وهي بالاستناد لأحكام وقواعد القانون الدولي مسؤولية ذات طبيعة مزدوجة، إذ هي مسؤولية مدنية من جانب وجنائية من جانب آخر.

أ. المسؤولية المدنية لدولة الاحتلال.

بالرجوع لأحكام وقواعد القانون الدولي الخاصة بخرق وإنتهاك أشخاص القانون الدولي لإلتزاماتهم الدولية وإرتكابهم لأعمال غير مشروعة بموجب أحكام وقواعد هذا القانون، نقف على أن أحكام القانون الدولي، قد ألزمت الطرف الذي أضر بالغير بواجب ومسؤولية العمل على إزالة ووقف أثار خرقه وإنتهاكه لأحكام وقواعد القانون.

وبشأن تطبيق الاوضاع السالفه على حالة الشعب الفلسطيني الذي تضرر من المخالفات والجرائم التي تمثل خرقا وإنتهاكا واضحا وصريحا لإلتزامات دولة الاحتلال الإسرائيلي الناشئة عن أحكام وقواعد القانون الدولي الإنساني، وقواعد القانون الدولي بوجه عام، يمكننا القول بأن قيام مسؤولية إسرائيل القانونية في هذا الشأن تقتضي:

  • • وقف دولة الإحتلال الإسرائيلي لممارساتها غير المشروعة: وذلك من خلال إمتناعها عن الإستمرار في ارتكاب عدوانها المسلح غير المشروع على قطاع غزة.
  • إعادة الحال الى ما كان عليه (التعويض العيني): وهذا ما يقتضي ضرورة أن تعود دولة الإحتلال الإسرائيلي بوضع الإقليم الفلسطيني وممتلكات سكانه وأوضاعه الديمغرافية والجغرافية الى الحال الذي كان عليه قبل شروعها في تنفيذ وإقتراف عدوانها المسلح، أي الى الاوضاع التي كان عليها القطاع يوم 26/12/2008م.
  • • التعويض المالي: بالنظر لإستحالة إستعادة سكان الأرض المحتلة لوضعهم السابق أي لما كان عليه الحال قبيل تنفيذ الاحتلال الإسرائيلي لجرائمه وانتهاكاته، جراء قتل وجرح الآف الفلسطينيين وتدمير وإتلاف آلاف المنازل ومساحات شاسعة من أراضيهم وملكياتهم وما عليها.

يصبح الحل القانوني الأمثل والواجب تطبيقه في مثل هذه الأحوال، دفع دولة الاحتلال الإسرائيلي لمبالغ مالية لجميع من تضرر من انتهاكاتها في هذا المجال. وبالطبع، ان تنفيذ سلطات الاحتلال الإسرائيلي للمتطلبات السالفة كتعويض عن إنتهاكها وإخلالها بالمواثيق والإتفاقيات الدولية يعد إجراء وعملا لا بد من تنفيذه إستنادا لقواعد القانون الدولي العام، ولأحكام وقواعد القانون الدولي الإنساني المتعلقة بحالات الاحتلال، لا يمكن له أن يعفي دولة الاحتلال الإسرائيلي من قيام المسؤولية الجنائية للأفراد الذين أمروا أو خططوا أو نفذوا مجموع الانتهاكات والتصرفات التي تعتبر جرائم بمقتضى قواعد القانون الدولي العام والإنساني.

ب: مسـؤولية إسـرائـيـل الـجنائـية

الى جانب حقوق الطرف الفلسطيني المدنية، يترتب على تصنيف وإدراج الكثير من الممارسات الإسرائيلية المرتكبة خلال العدوان ضمن الأعمال والتصرفات المكيفة بكونها جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إثارة حق الطرف الفلسطيني والدول الاطراف في اتفاقية جنيف الرابعة والمجتمع الدولي في الملاحقة والمساءلة الجنائية للأفراد الذين أمروا أو خططوا لإرتكاب هذه الجرائم، وأيضا أولئك الذين إرتكبوا ونفذوا هذه الجرائم على صعيد الإقليم الفلسطيني المحتل.

وبالرجوع لأحكام ومبادىء قواعد القانون الدولي العام ولأحكام القانون الدولي الإنساني الخاصة بالاحتلال الحربي، نجد تأكيد كل من المادة 146 من إتفاقية جنيف الرابعة والمادة 88 من أحكام بروتوكول جنيف الأول المكمل لإتفاقيات جنيف الأربع، على حق الأطراف التي تضررت من اقتراف الغير لجرائم دولية بحقها، في ملاحقة الآمرين بارتكاب هذه الجرائم ومرتكبيها ومساءلتهم كمجرمي حرب أمام محاكمها الوطنية.
كذلك أكدت على هذا الحق وضمنته أيضا المادة السادسة من ميثاق محكمة نورمبرغ بقولها "… ويسأل الموجهون والمنظمون والمحرضون

والمتدخلون " الشركاء" الذين ساهموا في وضع أو تنفيذ مخطط أو مؤامرة لإرتكاب أحد الجنايات المذكورة أعلاه عن كل الأفعال المرتكبة …".
ومن هذا المنطلق، يحق للجانب الفلسطيني إستنادا لقواعد وأحكام قانون الاحتلال الحربي وقواعد قانون النزاعات الدولية المسلحة القيام بملاحقة جميع الأشخاص الذين امروا بارتكاب هذه الجريمة، سواء كانوا عسكريين أو ساسة ورجال دولة، وليس هذا فحسب بل ينسحب هذا الحق على جميع الأشخاص القائمين على تنفيذ هذه الجريمة عملياً على صعيد الأرض الفلسطينية المحتلة.

الوسائل المتاحة لمحاكمة وملاحقة مجرمي الاحتلال الإسرائيلي

اثار موضوع الملاحقة الجنائية لمجرمي الحرب الإسرائيليين الكثير من الاشكاليات على صعيد المجتمع الفلسطيني وحتى على الصعيد الدولي، بل أظهرت النقاشات المتعلقة بهذا الموضوع حجم الخلط الكبير في تحديد المرجعيات الدولية المختصة بالنظر الى الجرائم المرتكبة من الإسرائيليين.

فهناك من ينادي بالتوجه الى محكمة العدل الدولية، وهناك من يطالب السلطة الفلسطينية بالانضمام الفوري لمحكمة الجنايات الدولية لكي يستطيع ان يتدخل ويحرك الدعاوى ضد الإسرائيليين.

لاشك بأن فهم المرجعيات الدولية المتعلقة بالمساءلة والملاحقة الجنائية لمجرمي الحرب وغيرها من الجرائم الدولية، يمثل الخطوة الأولى والاساسية في تجسيد وتحقيق هذا التوجه، ولهذا نرى ضرورة وأهمية توضيح مختلف الابعاد المتعلقة بهذا الجانب، كي نسهم في تحديد الأتجاه السليم لجميع الجهات المعنية بالملاحقة والمساءلة الفعلية لمجرمي الحرب الإسرائليين.

غير انه قبل توضيح الوسائل والادوات الدولية القائمة والمتاح منها لمحاكمة ومساءلة المجرمين، نرى أن نوضح بأن محكمة العدل الدولية الكائن مقرها في لاهاي، هي محكمة حقوقية ولا اختصاص لها مطلقا في المساءلة والملاحقة الجنائية لمجرمي الحرب، وإنما ولايتها تقتصر على الفصل في المنازعات الحقوقية المدنية التي تثور بين الدول، ولهذا لا يحق لغير الدول التوجه إليها، كما قد تمارس الى جانب وظيفتها القضائية مهمة الافتاء، أي اصدار الفتاوى والتفسيرات القانونية المتعلقة بتفسير نصوص الاتفاقيات أو مبادىء وأحكام القانون الدولي.

طرق وأدوات المساءلة الجنائية لمرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية

يتضح من الممارسة الدولية ومن أحكام المواثيق الدولية المعنية بالمساءلة الجنائية لمرتكبي جرائم الحرب والجرائم ضد الانسانية وجريمة الابادة وجود ثلاث أدوات قانونية للمساءلة هي:

1- تشكيل مجلس الأمن الدولي لمحاكم جنائية خاصة:

تتسم المحاكم الجنائية الخاصة بكونها محاكم جنائية مؤقتة، أي محددة من حيث المدة الزمنية، وقاصرة في ولايتها على محاكمة مجرمي الحرب أو الجرائم الدولية في نزاع محدد بذاته، وتقتصر على اشخاص من جنسيات محددة. ومن السوابق الدولية في هذا الشأن، لجنة المسؤوليات التي اختصت بمساءلة مجرمي الحرب في الحرب العالمية الأولى، ومحكمة نورمبرغ 1945م، ومحكمة طوكيو1945م التي اختصت بمساءلة ومحاكمة مجرمي الحرب الالمان واليابانين في الحرب العالمية الثانية، ولقد تشكلت هذه المحاكم بناء على اتفاق بين الدول المنتصرة بالحرب.

وبعد تأسيس الأمم المتحدة اصبح مجلس الأمن الدولي استنادا لصلاحياته ومسؤولياته الناشئة عن ميثاق الأمم المتحدة المالك الأصيل لصلاحية تشكيل هذه المحاكم، حيث أنشأ مجلس الأمن الدولي استنادا لهذه الصلاحية كل من المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة بمقتضى قراره رقم 808 في العام 1993 لكي تتولى التحقيق والمحاكمة للمتهمين بارتكاب الانتهاكات الخطيرة للقانون الدولي الإنساني في أراضي يوغسلافيا السابقة، كما أنشأ المحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا بمقتضى قراره رقم (955) في عام 1994، لكي تتولى إجراءات التحقيق والمحاكمة فيما يخص جرائم الإبادة الجماعية والجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب التي ارتكبت في رواندا، كذلك أنشأ مجلس الامن بمقتضى قراره رقم 1664 المحكمة الخاصة ذات الطابع الدولى لمحاكمة المتهمين باغتيال رئيس وزراء لبنان.1

كذلك اصدر مجلس الأمن أكثر من قرار بشأن محاكمة مجرمي الحرب كما هو الحال بشأن قراره رقم 1593 الخاص بمحاكمة مجرمي الحرب فى دارفور، وقراره رقم 1315 الخاص بمحاكمة مجرمي الحرب فى سيراليون وغيرهما من القرارات.

ومما لاشك فيه صعوبة هذا الخيار الذي نرى باستحالة تحققه بالنسبة للفلسطينيين، لإدراكنا اليقيني بأن الولايات المتحدة ستجهض أي مشروع قرار قد يحال لمجلس الأمن بهذا الشأن، إذ ستلجأ الولايات المتحدة الى إستخدام حقها في النقض للحيلولة دون تحقيق ذلك، ولعل في تاريخ تعاطي الولايات المتحدة الأمريكية مع القرارات المتعلقة بالقضية الفلسطينية على صعيد المجلس ما يحمل دلالة قاطعة وأكيدة على حتمية هذه النتيجة.

2- إحالة مجلس الأمن الدولي للوضع في قطاع غزة الى المحكمة الجنائية الدولية

يحق لمجلس الأمن الدولي استنادا لصلاحياته المنصوص عليها في الباب السابع، وإيضا استنادا للنظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية أن يحيل للمحكمة أي جريمة داخلة في اختصاصها بغض النظر عن عضوية الدولة في نظام المحكمة.

ولقد مارس مجلس الأمن فعليا هذه الصلاحية بمواجهة السودان، وذلك في اعقاب تسلم المجلس لتقرير لجنة التحقيق التي شكلها بمقتضى القرار رقم 1564 للتحقيق في الأوضاع بدارفور، إذ قرر المجلس بعد استلامه لتقرير اللجنة الصادر في كانون الثاني 2005، إحالة الوضع في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، التي قبلت بدورها هذه الإحالة من خلال إعلان النائب العام في المحكمة الجنائية الدولية السيد لويس مورينو أوكامبو بتاريخ 6 حزيران 2005، عن شروع المحكمة بمباشرة التحقيق في جرائم دارفور.

كما اصدر المجلس في شهر شباط 2011، قرار يطالب فيه المدعى العام لمحكمة الجزاء الدولية بفتح تحقيق خاص بالاوضاع الجارية على صعيد الجماهيرية العربية الليبية، حيث يتهم النظام السياسي في هذه الدولة بارتكاب جرائم ضد الانسانية بمواجهة جموع المدنيين القائمين بوجه النظام والمطالبين بسقوطه وتغيير نظام الحكم.

ولا يختلف الوضع في هذه الحالة عن الوضع السابق، لكون قرارات مجلس الأمن المتعلقة بموضوع الإحالة الى المحكمة الجنائية الدولية، يجب ان تتخذ استنادا لاحكام الفصل السابع، وهنا بلا شك سيصبح هذا الخيار أيضا غير ممكن لإدراكنا اليقيني والقاطع بأن الولايات المتحدة لن تدخر جهدا في سبيل إجهاض أي مشروع متعلق بأحالة الانتهاكات والجرائم المرتكبة من الإسرائيليين لمحكمة الجنايات الدولية.

3-المقاضاة أمام المحكمة الجنائية الدولية

دخل ميثاق محكمة الجزاء الدولية حيز النفاذ في 1/7/2002م، ويبلغ عدد الدول التي صادقت على النظام الاساسي للمحكمة الجنائية الدولية حوالي 106 دولة منها اربع دول عربية هى الاردن وجيبوتي وجزر القمر واليمن. وهناك تسع دول عربية وقعت على النظام الأساسي ولم تصادق عليه بعد وهي، الجزائر والبحرين ومصر والكويت والمغرب وسلطنة عمان والامارات العربية وسوريا والسودان.

وتختص محكمة الجنايات الدولية بالتظر في اربع جرائم هي:

  • • جريمة الإبادة الجماعية.
  • • الجرائم ضد الإنسانية.
  • • جرائم الحرب.
  • • جريمة العدوان ( لم يتم تعريف هذه الجريمة من قبل الدول الاطراف في الميثاق ولهذا لاتزال هذه الجريمة وأركانها قيد البحث لحين التوصل الى اتفاق وتوافق عليها مستقبلا).

وتباشر هذه المحكمة النظر في الدعاوى المتعلقة بالجرائم المختصة بها حال تلقيها لشكوى من أي من الجهات التالية:
- الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة.
- الدول غير الاطراف التي تودع إعلان لدى مسجل المحكمة، تقر بمقتضاه بقبول ممارسة المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بالجريمة قيد البحث.
- إذا أحال مجلس الأمن، متصرفا بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة جريمه أو أكثر من الجرائم الداخلة باختصاص المحكمة، وبهذا الصدد يجوز للمجلس ان يحيل ما يراه من جرائم بغض النظر عن عضوية الدولة في نظام المحكمة.
- تحرك مدعي عام المحكمة من تلقاء ذاته.

وحول ولاية هذه المحكمة، فهنا كما هو ثابت من النظام الأساسي، تمارس هذه المحكمة ولايتها فقط على الدولة الاطراف في نظامها الأساسي، سواء كانت هذه الدول هي الدولة التي وقع في إقليمها السلوك المجرم، أو كانت هذه الدول الطرف هي الدولة التي يعتبر الشخص المتهم بالجريمة أحد رعاياها.

وفي حال الإستثناء يمكن لولاية المحكمة ان تمتد لتشمل الدول غير الاطراف فيها وذلك ما قد يتحقق في حالتين هما:
- قبول الدولة غير الطرف في النظام الأساسي رضائيا ممارسة المحكمة لاختصاصها وذلك بموجب إعلان يودع لدى مسجل المحكمة.
- ان تمارس المحكمة اختصاصها على الدولة غير الطرف قسرا ودون رضاها، وذلك في الأحوال التي يقرر خلالها مجلس الأمن بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، إحالة الجرائم المرتكبة من رعايا هذه الدولة أو على اقليمها إلى المدعي العام.2

إمكانيات مقاضاة الفلسطينيين لمجرمي الحرب الإسرائيليين أمام المحكمة الجنائية الدولية

كما سبق وأسلفنا يمكن تحريك الدعوى الجنائية أمام المحكمة الجنائية الدولية بطلب من اي من الجهات التالية:

  • • الدول الأطراف في النظام الأساسي للمحكمة.
  • • الدول غير الاطراف التي تودع إعلان لدى مسجل المحكمة، تقر بمقتضاه بقبول ممارسة المحكمة اختصاصها فيما يتعلق بالجريمة قيد البحث.
  • • الإحالة من مجلس الأمن، أو تحرك مدعي عام المحكمة من تلقاء ذاته.

وبصدد تطبيق هذه الاوضاع على الواقع الفلسطيني، يمكن القول بأن تقدم الفلسطينيين بطلب لتحريك الدعوى الجنائية أمام المحكمة الجنائية أمرا في غاية الصعوبة، بل والاستحالة للأسباب التالية:
1- لايعتبر الفلسطينيين دولة طرف بالنظام الأساسي لمحكمة الجزاء الدولية، كما لا يعتبر الإسرائيلييون أيضا دولة طرف ولهذا لا يحق للمحكمة من حيث المبدأ النظر في الجرائم المرتكبة من قبل رعاياهم أو الواقعة على اقاليمهم.
2- لا يستطيع الفلسطينيون وضع إعلان لدى مسجل المحكمة، بشأن قبول فلسطين لولاية المحكمة، إذ لن تقبل المحكمة من الفلسطينيين مثل هذا الإعلان لكون الشخصية القانونية الدولية الممنوحة بمقتضى القانون والممارسة الدولية لممثل الشعب الفلسطيني أي منظمة التحرير الفلسطينية، شخصية أدنى من الشخصية المممنوحة للدول، لكون الارض الفلسطينية لم تزل ارضا محتلة، ولا يزل الاحتلال يمنع الفلسطينيين من ممارسة السيادة على اراضيهم، ولهذا لاتمتلك منظمة التحرير الفلسطينية أو فلسطين، استنادا لهذا الواقع والوضع، الأهلية القانونية الممنوحة للدول بشأن ابرام المعاهدات الدولية أو الانضمام للمعاهدات الدولية التي تحصر عضويتها صراحة بالدول فقط. وبالنظر لكون المحكمة الجنائية قاصرة في عضويتها على الدول وفق المفهوم القانوني الذي يعنية هذا الوضع، فهنا لن يقبل من فلسطين كما هو ثابت من ميثاق المحكمة مثل هذا الإعلان.
3- لو سلمنا جدلا بقبول المدعي العام الأول لصك الاعتماد، فهنا يمكن للمتهم أو الشخص الذي يكون قد صدر بحقه أمر بإلقاء القبض، أو أمر بالحضور، أو الدولة التي لها اختصاص النظر في الدعوى ان تطعن بصحة هذا الصك وقيمته القانونية وبالتالي بعدم اختصاص المحكمة استنادا للوضع الفلسطيني في تحريك الدعوى.
4- لعل الأهم مما سبق وجود العديد من الأشكاليات والثغرات القانونية التي تضمنها النظام الأساسي والتي ستحول دون شك بين هذه المحكمة وإمكانية محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، ليس على صعيد الجرائم المرتكبة في قطاع غزة الآن، وإنما بمواجهة الجرائم السابقة والمستقبلية التي قد تركتب من الإسرائليين ومن هذه المعيقات:
أ- عدم سريان الميثاق بأثر رجعي على الجرائم المرتكبة قبل تاريخ نفاذ الميثاق، وأيضا قبل انقضاء ستين يوم على تاريخ انضمام الدولة للمحكمة، ولهذا في حال انضمام إسرائيل لهذه المحكمة، لا يحق للمحكمة النظر بأي جريمة ارتكبت قبل انقضاء ستين يوما على التاريخ اللاحق لانضمامها (المادة 126).
وذات الأمر ينطبق على الفلسطينيين، فلو سلمنا جدلا بقبول صك الانضمام من الفلسطينيين، فلن يسري الميثاق علينا قبل انقضاء شهرين على تاريخ وضعنا لصك الانضمام، ولهذا لا يحق للمحكمة ان تنظر في أي جريمة ارتكبت على اراضينا قبل هذا التاريخ، إلا اذا وافقنا بمقتضى صك الايداع على ولاية المحكمة وصلاحيتها بنظر الجرائم التي وقت بأثر رجعي.
ب- نصت المادة 17 من النظام الأساسي على أن المحكمة الجنائية الدولية لا تحل محل الاختصاصات القضائية الوطنية، وإنما تتدخل حصراً حينما لا تتوافر لدى الدول الرغبة في الاضطلاع بالتحقيق والمقاضاة أو القدرة على ذلك، ولهذا تعتبر هذه المحكمة مكملة للقضاء المحلي وليست بديلا عنه في محاكمة مرتكبي الجرائم الداخلة في اختصاصها.
ج- يحق لمجلس الأمن ان يطلب توقف المحكمة عن البدء أو المضي في التحقيق أو المقاضاة بموجب هذا النظام الأساسي لمدة اثنى عشر شهرا، ويمكن له ان يجدد هذا الطلب متى شاء وبشكل متكرر، ما يعني استحالة شروع هذه المحكمة بالتحقيق والمقاضاة الفعلية؛ إلا اذا كان هناك ارادة ورغبة من الدول الاطراف في المجلس.
د- لا يستطيع المدعي العام استنادا للمادة 15 من النظام الأساسي، الشروع في إجراء التحقيق، سوى بعد الحصول على إذن من الدائرة التمهيدية للمحكمة ويمكن لهذه الدائرة بعد دراستها للطلب وللمواد المؤيدة له أن تأذن بالبدء في إجراء التحقيق، أو أن تقرر رفض ذلك.
هـ- حجية وسمو القضاء الداخلي على المحكمة، بحيث لا تستطيع المحكمة ان تنظر في قضية أي متهم منظورة أمام القضاء الداخلي أو صدر بها قرار إدانة أو برأته المحكمة، إلا إذا كانت المحاكمة صورية أو لم تتم المحاكمة وفق معايير النزاهة والاستقلال.
و- يجوز للدولة أن تمتنع عن مساعدة المحكمة وتقديم الوثائق أو كشف أية أدلة إذا ما كانت هذه الأدلة تتعارض مع أمنها الوطني.
ز- يحق للدولة الراغبة في الإنضمام، استنادا للمادة 124 التحفظ على سريان الاختصاص الخاص بجرائم الحرب لمدة سبع سنوات لاحقة على إنضمامها للميثاق، ولهذا اذا ما انضمت إسرائيل للميثاق يمكنها ان تستخدم هذا النص لضمان عدم ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائليين.

ولهذا نرى بأن المحكمة الجنائية الدولية، وإن كانت خطوة هامة على صعيد خلق قضاء جنائي دولي دائم، إلا انها بحاجة لوقفات جادة لتصويب الكثير من الثغرات والنقائص القانونية التي اعترت ميثاقها، لضمان فاعليتها وقدرتها على تحقيق العدالة والانصاف وملاحقة ومساءلة مرتكبي الجرائم الدولية. وليس هذا فحسب بل كان لبعض الممارسات الدولية اثرها السلبي على مدى جدية ومكانة هذه المحكمة، وخصوصا ما تعلق منها بإصدار مجلس الأمن القرارين رقم 1487 و1422 المتعلقين بإستثناء الجنود الأمريكان والعاملين في قوات حفظ السلام الدولية من المثول أمام هذه المحكمة، لتطمين الولايات المتحدة والتأكيد على عدم خضوعها لهذه المحكمة، كما ووقعت 40 دولة اتفاقات ثنائية مع الولايات المتحدة لمنح الأمريكيين حصانة بوجه الملاحقة الجنائية.

ولهذا تقتضي الصعوبة العملية التي تقف بوجه الفلسطينيين أمام التوجه لهذا الجسم الدولي، فضلا عن المعوقات التي قد تحول دون ممارسة هذه المحكمة لاختصاصها بمواجهة مجرمي الحرب الإسرائيليين، ان يتم البحث في الامكانيات المتاحة والعملية على صعيد ملاحقة ومساءلة مجرمي الحرب، وهو ما يمكن له أن يتحقق باعتقادنا فقط في استخدام القضاء المحلي للدول الاطراف في اتفاقيات جنيف الأربع.

كيف يمكن للفلسطينيين ملاحقة ومساءلة مجرمي الحرب الإسرائيليين؟

بعد هذا الاستعراض لآليات المساءلة والملاحقة الدولية لمجرمي الحرب، يمكننا القول بأن الآلية المتاحة والممكنة للفلسطينيين، تنحصر بلا شك باستخدام الولاية الجنائية للدول الأطراف باتفاقية جنيف الرابعة، ويرجع الأساس القانوني في استخدام هذه الآلية الملزمة والواجبة التطبيق والتفعيل في مجموع الإلتزامات القانونية التي القتها اتفاقية جنيف الرابعة وأحكام بروتوكول جنيف الأول المكمل لإتفاقيات جنيف الأربع على عاتق الدول الأطراف فيها، ولعل أهم هذه الالتزامات :
• تأكيد مضمون المادة الأولى من إتفاقية جنيف الرابعة على ان تتعهد الأطراف السامية المتعاقدة بأن تحترم هذه الإتفاقية وتكفل إحترامها في جميع الأحوال، بمعنى يجب على جميع الدول الاطراف في هذه الاتفاقية ان تحترم هذه الاتفاقية. وليس هذا فحسب، بل على الدول الاطراف في هذه الاتفاقية واجب ومسؤولية العمل الفاعل والجاد بحسب ما تراه مناسبا من تحميل أية دولة اخلت بهذه الاتفاقية على التراجع والتوقف عن ذلك.

وبالنظر لكون إسرائيل دولة طرف في هذه الاتفاقية، فهنا من واجب الدول الاطراف فيها ان تتحرك بشكل جدي لاجبار إسرائيل على احترام هذه الاتفاقية والالتزام ببنودها وأحكامها المتعلقة بحقوق السكان المدنيين وضمانات حمايتهم.
• الزمت المادة 146 من الإتفاقية على الأطراف السامية المتعاقدة في الاتفاقية بأن تتخذ أي إجراء تشريعي يلزم لفرض عقوبات جزائية فعالة على الأشخاص الذين يأمرون بإقتراف إحدى المخالفات الجسيمة للإتفاقية.
• كما الزم ذات النص كل طرف في هذه الاتفاقية بملاحقة المتهمين بإقتراف المخالفات الجسيمة أو بالأمر باقترافها، وبتقديمهم الى محاكمه، أيا كانت جنسيتهم، وله أن يسلمهم الى طرف متعاقد آخر لمحاكمتهم.
• كذلك الزمت اتفاقية جنيف الرابعة كل طرف متعاقد في هذه الاتفاقية باتخاذ التدابير اللازمة لوقف جميع الأفعال التي تتعارض مع أحكام هذه الإتفاقية.
• الزم بروتوكول جنيف الأول المكمل لاتفاقيات جنيف الأربع، بمقتضى المادة السادسة والثمانون الدول الاطراف فيه بواجب ومسؤولية التدخل لقمع الإنتهاكات الجسيمة التي قد ترتكب واتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع كافة الإنتهاكات ألأخرى للإتفاقية والبروتوكول.

وبصدد تطبيق مضامين النصوص والإلتزامات السالفة على الوضع في فلسطين، يمكننا القول بأن الدول الأطراف في إتفاقية جنيف الرابعة وبروتوكول جنيف الاول المكمل لها، ملزمة إستنادا لأحكام وقواعد هذه الإتفاقية بواجب العمل على التدخل الجاد بمواجهة التجاوزات الإسرائيلية الناشئة عن العدوان، سواء على صعيد ملاحقة ومحاكمة مرتكبي الانتهاكات الجسيمة وجرائم الحرب، أو على صعيد وضع التدابير الجماعية التي تكفل وقف هذه الانتهاكات وإجبار اسرائيل على الإلتزام الفعلي بما تضمنته إتفاقيات تقنين قواعد القانون الدولي الإنساني من قواعد وأحكام في علاقاتها ومماراساتها على صعيد الارض الفلسطينية المحتلة.

وإعمالا لهذه القواعد وغيرها من الأحكام القانونية التي تتيح لنا محاكمة الاسرائيليين أو التقدم بشكاوى ضدهم، اقامت العديد من المؤسسات الفلسطينية دعاوى جنائية ضد مجرمي الحرب الإسرائليين في العديد من الدول حيث اقيمت دعوى قبل عدة سنوات من قبل منظمات فلسطينية ومنظمة إسبانية لحقوق الإنسان لاستصدار أوامر اعتقال دولية بحق سبع شخصيات إسرائيلية ضالعين في تصفية مسؤول حركة المقاومة الإسلامية (حماس) صلاح شحادة قبل عدة سنوات، نجم عنه مقتل 15 فلسطينيا بينهم 11 طفلا. وطلبت المنظمة من المحكمة في مدريد إصدار أوامر اعتقال بحق رئيس الوزراء السابق أرييل شارون، ووزير الدفاع الأسبق بنيامين بن إليعازر، ورئيس المخابرات السابق آفي ديختر، ورئيس الأركان الأسبق موشيه بوغي يعلون، وقائد سلاح الجو الأسبق دان حالوتس.

كما أن القائد السابق للجبهة الجنوبية في الجيش الإسرائيلي الجنرال دورون ألموج كاد أن يعتقل في بريطانيا بتهم ارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين الفلسطينيين.

ورفعت قضية ضد رئيس الشاباك الأسبق عامي ايالون في هولندا حول مسؤوليته عن تعذيب أسرى فلسطينيين.

كما رفعت دعوى ضد ليفني وزيرة خارجية إسرائيل السابقة أمام المحاكم البريطانية، وأيضا ضد وزير الدفاع براك أمام المحاكم البريطانية.
ورغم عدم تنفيذ أي من هذه القضايا عمليا؛ إلا ان الموضوع قد بدأ يأخذ صدى وجدية على صعيد المجتمع الدولي كما اصبحت فكرة محاكمة المسؤولين الاسرائيليين فكرة غير مرفوضة ومقبولة من المجتمع الدولي ما يقتضي ضرورة استغلال هذا الوضع والنضال للانتقال به من مرحلة العمل النظري الشكلي الى التطبيق الفعلي.
-------
*ناصر الريس: محامي وناشط حقوقي يعمل في مؤسسة الحق، قسم دائرة البحث القانوني والتأثير في السياسات.

الهوامش:

  1. الى جانب المحاكم الخاصة ساهم مجلس الأمن بتشكيل محاكم مختلطة كما هو الحال مع المحكمة الجنائية المحلية في سيراليون التي تشكلت لمحاكمة الرئيس الليبيري تايلور
  2. تنظر المحكمة حالياً في ثلاث قضايا بسيطة تقدمت بها ثلاث دول طلبت منها محاكمة بعض مواطنيها مثل يوغندا التي طلبت محاكمة بعض عناصر جيش الرب، وكذلك فعلت كل من الكونغو وأفريقيا الوسطى.

اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها: الجديد في أخبار المقاطعة (تشرين ثاني 2010 – كانون ثاني 2011(

فنانون من جنوب أفريقيا يطلقون حملة ضد الأبارتهايد الإسرائيلي
1 تشرين ثاني 2010 – بعد أن أعلنت "أوبرا كيب تاون" عن نيتها تنفيذ عرض "بورغي وبِس" في تل أبيب، قام المئات من الجنوب –أفريقيين، ومن بينهم الأب ديزموند توتو، ومؤتمر منظمات المجتمع المدني الجنوب-أفريقية، الذي يضم أكثر من 300 مندوبا يمثلون 56 من منظمات المجتمع المدني ذات القاعدة الجماهيرية الواسعة، بالتوقيع على رسالة الناشطين الإسرائيليين في حملة المقاطعة، ودعوا فرقة "أوبرا كيب تاون" إلى الغاء رحلتها إلى تل ابيب. وبينما مضت رحلة الفرقة قدما في تل أبيب، قام نشطاء المقاطعة الإسرائيليون بتنظيم عرض "هزلي" خارج المسرح انظر: (http://www.youtube.com/watch?v=wElyrFOnKPk&feature=related))
ونتيجة للتعبئة الجماهيرية ضد فرقة "اوبرا كيب تاون"، أعلن ناشطون عن إطلاق حملة "فنانون جنوب – افريقيون" ضد الأبارتهايد، لتكون حملة متواصلة للمقاطعة الثقافية ضد إسرائيل. انظر:http://www.southafricanartistsagainstapartheid.com/2010/11/declaration.html

يوم الأرض - اليوم العالمي لمقاطعة إسرائيل - 30 آذار

السنة الثالثة: نداء صادر عن اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها

إلى أصحاب الضمائر الحية،
إلى محبي العدالة والحرية،
إلى المدافعين عن حقوق الإنسان والمساواة بين البشر جميعا،
إلى المدافعين عن سيادة القانون والأمن والسلام الدوليين،

تدعوكم اللجنة الوطنية الفلسطينية لمقاطعة إسرائيل للمشاركة في فعاليات اليوم العالمي الثالث لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، وذلك في يوم الأرض، 30 آذار 2011.

تتوجه إليكم اللجنة الوطنية من أجل توحيد طاقاتكم جميعا للمشاركة في فعاليات اليوم العالمي الثالث للمقاطعة، ودعم حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرض آبائه وأجداده. إن المقاطعة باتت اليوم شكلاً أساسياً من أشكال كفاحنا ضد الاحتلال والاضطهاد الإسرائيلي لشعبنا، كما أصبحت أهم أشكال التضامن الدولي مع الشعب الفلسطيني في نضاله وكفاحه لنيل حقوقه غير القابلة للتصرف.

بإلهام من الثورات الشعبية في تونس ومصر وغيرها، والشجاعة، والكرامة، والتحضر التي تمتعت بها هذه الثورات، نقف جنباً إلى جنب مع كفاح الشعوب في مطالبها بتقرير مصيرها، وتحقيق الديمقراطية، الحرية، العدالة الاجتماعية، والمساواة.

لقد أعلن اليوم العالمي الأول لمقاطعة إسرائيل من قبل منظمات المجتمع المدني الفلسطيني، وبتأييد ساحق من منظمات أهلية حول العالم، في أوساط المنتدى الاجتماعي العالمي عام 2009. وقد تم تنظيم يوم الفعاليات في 30 آذار بالتزامن مع يوم الأرض، الذي يحيي فيه الفلسطينيون ذكرى قيام إسرائيل في عام 1976 بقتل ستة فلسطينيين من "مواطنيها"- حملة الجنسية الإسرائيلية. وكان هؤلاء الشبان الأبطال الستة من بين آلاف الفلسطينيين الذين كانوا يحتجون على قيام السلطات الإسرائيلية بمصادرة الأراضي الفلسطينية لأغراض بناء مستعمرات يهودية جديدة وتوسيع المدن اليهودية القائمة. لهذا تمثل ذكرى يوم الأرض لدينا رمزاً للمقاومة الفلسطينية ضد سياسات إسرائيل المستمرة في مصادرة الأراضي والاستعمار الإحلالي والاحتلال العسكري والفصل العنصري.

وبهذا نقف جنبا إلى جنب مع الثورات في تونس ومصر وليبيا واليمن والبحرين وغيرها، مؤكدين حق الشعوب في الكفاح لتحقيق الحرية، العدالة، والمساواة، ونقول لهم: "نضالكم نضالنا، وحريتكم حريتنا".

مع مرور السنة العشرين على المحاولات الفاشلة لتحقيق السلام بمنأى عن العدالة وحقوق الإنسان منذ مؤتمر مدريد عام 1991، وبعد تكشف وثائق المفاوضات التي جاءت الآن لتؤكد بما لا يدع مجالاً للشك ما يعرفه الكثيرون، من أن إسرائيل ترفض الانصياع للقوانين الدولية، وترفض كل عروض السلام العادل، بغض النظر عن جدوى عملية "التفاوض" ومدى كفاءة القائمين عليها. وما أثبتته تجربة الكفاح البطولي من أجل الحرية في جنوب إفريقيا، فقد أصبح واضحاً الآن أن لا شيء يمكن أن يجبر إسرائيل على الوفاء بالتزاماتها واحترام حقوق الشعب الفلسطيني، وأولها حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير وفقا للقانون الدولي، سوى الضغط الدولي المؤثر، والفعال، والمثابر، بالذات على شكل حملات مقاطعة وسحب استثمارات من قبل المجتمع المدني الدولي ضد إسرائيل.

مستلهمة قرناً من الزمان من المقاومة الشعبية والمدنية الفلسطينية وحركة المقاومة الجنوب إفريقية ضد نظام الفصل العنصري، والانتفاضات الشعبية المنتشرة في الوطن العربي، تناشد اللجنة الوطنية للمقاطعة أصحاب الضمائر الحية ومنظماتهم في جميع أنحاء العالم لحشد طاقاتهم والتحرك بتنظيم فعاليات خلاقة، وملموسة ومرئية لجعل هذا اليوم خطوة تاريخية لحركة مناهضة الفصل العنصري والاستعمار الإحلالي والاحتلال الإسرائيلي، وخطوة على طريق تعزيز مساءلة إسرائيل، ومن أجل إحقاق حقوق الشعب الفلسطيني وصيانة كرامته.

وتدعوكم اللجنة الوطنية للمقاطعة لتركيز فعاليات الحملة في الثلاثين من آذار على ما يلي:
1. بالإضافة إلى دعم المبادرات القائمة، إطلاق مبادرات جديدة للضغط على الأفراد وصناديق الاستثمار والتقاعد والمؤسسات والشركات لسحب الاستثمارات من إسرائيل لأنها تغذي وتستفيد من اقتصاد الحرب والاحتلال والأبارتهايد القائم في إسرائيل؛
2. مقاطعة وسحب الاستثمارات من الشركات الإسرائيلية والعالمية التي تساند الأبارتهايد والاستعمار الاحلالي والاحتلال الإسرائيلي؛
3. اتخاذ إجراءات قانونية باتجاه إنهاء الحصانة الإسرائيلية، ومن ضمن هذه الإجراءات التحقيق والملاحقة القضائية للإسرائيليين المشتبه بتورطهم في ارتكاب جرائم حرب، سواء في المحاكم الوطنية أو الدولية؛
4. حث الفنانين على الانخراط في المقاطعة الثقافية الآخذة في النمو المطرد، عبر الامتناع عن تقديم ورقة توت لتغطية جرائم إسرائيل ونظام الفصل العنصري فيها. وبهذه المناسبة نحيي الفنانين والشخصيات الثقافية من جنوب إفريقيا، ايرلندا، المملكة المتحدة، كندا، فرنسا، ايطاليا، اسبانيا، الهند، استراليا، الولايات المتحدة، البرازيل، النرويج، السويد وغيرها، الذين استجابوا وأيدوا نداء المقاطعة الثقافية و قاموا بإرسال رسالة واضحة لإسرائيل أن الاحتلال، والتمييز ضد الفلسطينيين غير مقبولين.
بعيداً عن مفهوم "التجرد من السياسة"، فإن الكثيرين من مثقفي العالم يعلمون أن المؤسسات الثقافية الإسرائيلية تلعب دوراً رئيسياً في حملات وزارة الخارجية الإسرائيلية المتلخصة في حملة "ماركة إسرائيل"، والتي تهدف إلى التغطية على الاحتلال وحرف الأنظار عنه وعن انتهاكات إسرائيل الأخرى لحقوق الشعب الفلسطيني وللقانون الدولي.
5. إطلاق فعاليات حملة المقاطعة الثقافية والأكاديمية والرياضية ضد إسرائيل وضد المؤسسات المتواطئة مع نظامها العنصري، على أن تشمل هذه النشاطات التماسات وتصريحات وحملات توعية لإبراز دور هذه المؤسسات في التخطيط لسياسات إسرائيل الاستعمارية والعنصرية وفي تبرير هذه السياسات وإدامتها.

إننا نحث كل الشركاء والناشطين على التركيز على التغطية الإعلامية للوصول إلى جمهور أوسع، عبر نشر مقالات الحملة، محلياً ودولياً، والتواصل مع الصاحفيين لنشر ملخصات الفعاليات، وتنظيم أنشطة مصممة لجذب الإعلام، كالتظاهرات في الأسواق التجارية، والقيام بإجراءات قانونية، وفضح المنتهكين، وتشجيع المناظرات العامة، واستخدام وسائل الإعلام البديلة، وتوثيق الأنشطة بشكل جيد.

إن الاستجابة لنداء المجتمع المدني الفلسطيني لمقاطعة إسرائيل، الصادر في 2005، تتسع بشكل ملحوظ وتضم العديد من أصحاب الضمائر الحية من نجوم، وكتاب حاصلين على جوائز عالمية، ومؤسسات مالية عالمية ، واتحادات نقابية رئيسية، وجماعات دينية، وأحزاب سياسية، وحتى بعض الحكومات المناصرة لشعبنا. فشاركونا الآن، معاً وسوياً نحقق أهدافنا العادلة والمشروعة.

بعد خمسة أعوام من إطلاق نداء المقاطعة، نستطيع أن نرى تخلخلاً حقيقياً في الدعم غير المشروط الذي يقدمه ما يسمى بـ"المجتمع الدولي" لإسرائيل لحمايتها من التنديد والعقوبات. إن حملة مقاطعة إسرائيل هي الطريق الأمثل لترجمة الأقوال إلى أفعال ولضمان إلزام إسرائيل باحترام القانون الدولي وحقوق شعبنا.

خلفية عن اليوم العالمي لمقاطعة إسرائيل - 30 آذار

أطلق اليوم العالمي لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها عبر ما يقارب الإجماع في المجتمع المدني الفلسطيني وبتأييد ساحق من المجتمع المدني العالمي عام 2009، وانعقد اليوم العالمي لأول مرة في الثلاثين من آذار من نفس العام، مزامناً ليوم الأرض الفلسطيني؛ هذا اليوم الذي يعتبر رمزاً للمقاومة والكفاح من أجل الأرض والحرية والحقوق.

يؤكد هذا النداء على أولوية وأهمية الحق في تقرير المصير، ويتناول الحقوق الرئيسية الثلاث للشعب الفلسطيني:
1. التحرر من الاحتلال والاستيطان في قطاع غزة والضفة الغربية (بما فيها القدس الشرقية).
2. إنهاء نظام التمييز العنصري الإسرائيلي ضد الفلسطينيين من مواطني 48.
3. تمكين اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين من ممارسة حقهم في العودة إلى ديارهم الأصلية وجبر كافة الأضرار التي لحقت بهم.

جاء هذا الإعلان في أعقاب 23 يوماً من العدوان الإسرائيل على قطاع غزة المسمى "عملية الرصاص المصبوب" والذي راح ضحيته أكثر من 1400 شهيداً، و5000 جريحاً فلسطينياً في القطاع المحتل والمحاصر. بعد عامين من ذلك الاعتداء، لا تزال إسرائيل تواصل حصارها الإجرامي وغير الأخلاقي على القطاع، مما يشكل انتهاكاً خطيراً للقانون الدولي، كما وتواصل الاحتلال العسكري والاستعمار في مناطق واسعة، وبشكل كثيف بهدف التطهير العرقي التدريجي للفلسطينيين الأصليين في النقب والقدس المحتلة وغور الأردن، وأجزاء أخرى عديدة من الضفة الغربية المحتلة. وتواصل إسرائيل أيضاً بناء الجدار الذي أفتت محكمة العدل الدولية عام 2004 بعدم شرعيته، وبقمع واعتقال نشطاء المقاومة الشعبية ضد الجدار والمستعمرات الذين يقومون عملياً بمحاولة إنفاذ قرار محكمة العدل الدولية في ضوء الفشل الذريع للمجتمع الدولي في تنفيذ هذا الرأي الاستشاري.

يجب النظر لانتهاكات القانون الدولي الجسيمة التي تقوم بها إسرائيل في سياقها الزمني الممتد لعقود من الحصانة والإفلات من المحاسبة والعقاب، الأمر الذي لا يمكن أن يستمر دون تواطؤ الحكومات الغربية، إضافة إلى الأمم المتحدة مؤخراً. منذ النكبة وإنشاء دولة إسرائيل على ركام المجتمع الفلسطيني وعبر التطهير العرقي المنظم الذي استهدف غالبية الشعب الفلسطيني، لا زالت اسرائيل تنكر حقوق أكثر من 6 ملايين لاجئ في العودة إلى ديارهم الأصلية. في ذات الوقت، تمكنت إسرائيل من الذهاب بعيداً في مأسسة وتقنين نظام الفصل العنصري الخاص بها، بما يتوافق مع تعريف الأبارتهايد بموجب الاتفاقية الدولية لعام 1976 لقمع ومعاقبة مرتكبي جريمة الفصل العنصري.

من أجل تحيق العدالة، الحرية، السلام، وحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني
ندعوكم للمشاركة في فعاليات اليوم العالمي لمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها في الثلاثين من آذار 2011.

للاستفسار حول كيفية المشاركة في هذا اليوم العالمي للفعاليات، وكيفية تطوير فعاليات الحملة في بلدكم، والانخراط في شبكة العمل، الرجاء الاتصال باللجنة الوطنية الفلسطينية لحملة المقاطعة، (BNC) على العنوان التالي: [email protected]
للاستفسار والمزيد من المعلومات، أنظر/ي: www.BDSmovement.net

البروفيسور فولك في الدورة 16 لمجلس حقوق الإنسان

بقلم: نورا عريقات*

افتتحت الدورة السادسة عشرة لمجلس حقوق الإنسان في الثامن والعشرين من شباط 2011، وتطمح هذه الدورة التي تستمر لأربعة أسابيع إلى تغطية سلسلة واسعة من قضايا حقوق الإنسان، بدءا من الاستعراض الدوري الشامل لحالة حقوق الإنسان في العديد من البلدان، وحتى أوضاع حرية الدين والمعتقد. ومن بين القضايا التي من المقرر نقاشها هو البند رقم 7، أو حالة حقوق الإنسان في فلسطين والأراضي العربية المحتلة الأخرى.

ومن المقرر أن تجري مناقشة البند السابع في يوم الاثنين 21 آذار، ويحتوى هذا البند على مناقشات حاسمة لقرارات المجلس الأخيرة، وهي S-9/1، S-12/1، 15/6، و13/9، التي يتناول كل قرار منها انتهاكات حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة بشكل عام، ولكنها تعطي اهتماما خاصا بالانتهاكات الإسرائيلية الناجمة عن العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة في شتاء 2008/2009، والمعروف بعملية "الرصاص المصبوب". وسيكون المجلس مسلحا للمرة الرابعة بالنتائج التي توصلت إليها بعثته لتقصي الحقائق، أي "تقرير غولدستون" منذ صدور التكليف للبعثة في كانون ثاني 2009.

ومثل مجلس حقوق الإنسان، فإن البروفيسور ريتشارد فولك، المقرر الخاص المعني بحالة حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، تم استنزافه طويلا في المغزى والآثار القانونية لعملية "الرصاص المصبوب" على حقوق الإنسان والقوانين الدولية الإنسانية، وذلك بعد أن عينه المجلس ليكون المقرر الخاص في آذار من عام 2008. والبروفيسور فولك هو خبير في القانون الدولي وعالم في العلاقات الدولية، وكان يمارس التدريس في جامعة برينستون لمدة أربعين عاما قبل أن يتم تعيينه مقررا خاصا لحقوق الإنسان. وفي مذكرته الثالثة للمجلس، يركز فولك مرة ثانية على قضايا القانون الدولي الرئيسية التي تطرحها عملية الرصاص المصبوب. ويكرر القول بأن "عدم قانونية الحصار أساسا، هي موضوع مستقل تماما عن آثاره الإنسانية، لأنه يشكل بحد ذاته عقوبة جماعية مستمرة، واضحة ومنهجية مفروضة على مجموعة كاملة من السكان المدنيين، وهي انتهاك مباشر للمادة 33 من اتفاقية جنيف الرابعة"، وهي بذلك "ترقى إلى جريمة ضد الإنسانية".

وبالإضافة إلى بحث الحصار على غزة، يركز فولك في مذكرته/تقريره للدورة السادسة عشرة على سياق عدم التعاون من جانب إسرائيل؛ عملية السلام؛ التوسع الاستيطاني الإسرائيلي، ضم القدس الشرقية بحكم الأمر الواقع؛ التواطؤ الدولي في تكريس واقع الاحتلال في وضع الطرق في الضفة الغربية؛ وإساءة معاملة الأطفال في الأرض المحتلة من قبل السلطات الإسرائيلية. وعلى الرغم من طرحه لقضايا جديدة في تقريره الحالي، فإن مذكراته اتسمت بتماسكها وتركيزها واتساقها. ففي جميع تقاريره المقدمة للدورة العاشرة، الثالثة عشرة، والآن للدورة السادسة عشرة، درس فولك عدم قانونية الحصار، إضافة إلى المسائل التي تثيرها العملية العسكرية ضد قطاع غزة؛ والأزمة الناجمة عن التوسع الاستيطاني المستمر؛ هذا إلى جانب عدم تعاون إسرائيل مع الأمم المتحدة.

ولسوء الحظ، لقد بعثت إسرائيل برسالتها إلى مجلس حقوق الإنسان بشأن عن عدم التعاون مبكرا، من خلال اعتقال السيد فولك وإبعاده من مطار "بن غوريون" في أول رحلة له للمنطقة باعتباره مقررا خاصا في 14 كانون أول، 2008. فعلى الرغم من النداءات الكثيرة المتكررة للسماح له بالدخول، لم تخفف إسرائيل سياستها، معلنة بأن تعيينه يظهر تحيز الأمم المتحدة ضد إسرائيل، وحسب ما قاله السفير الإسرائيلي لدى الأمم بعد ذلك، لأن فولك لا يمكن " ... اعتباره مستقلا، محايدا، أو موضوعيا". وفي الواقع، ورغم أن تعيينه تم بالإجماع بين أعضاء المجلس الـ47، قامت جماعات ضغط يهودية بممارسة ضغوط شديدة على كندا والاتحاد الأوروبي لمعارضة ترشيحه. وبالتالي اضطر المقرر الخاص أن يكتب تقاريره بدون الاستفادة من جمع المعلومات في أرض الواقع.

ومثل رفضها للمقرر الخاص، رفضت إسرائيل دخول بعثة تقصي الحقائق إلى غزة من أجل الوفاء بالتفويض الممنوح لها من الأمم المتحدة، وأجبرتها للبحث عن وسائل بديلة لجمع المعلومات، ومن بينها الدخول لغزة عبر معبر رفح على الحدود المصرية مع قطاع غزة. وفي سياق استمرار رفضها التعاون مع الهيئة الدولية متعددة الأطراف، رفضت حكومة إسرائيل أيضا التعاون مع البعثة الدولية لتقصي الحقائق حول حادثة الهجوم الإسرائيلي على قافلة الحرية للمعونات الإنسانية (مرمرة). وقام السيد فولك مرارا بلفت انتباه المجلس إلى عدم تعاون إسرائيل، وفي تقريره الحالي، يستشهد بالمادتين 104 و105 من ميثاق الأمم المتحدة لتأكيد وجهة نظره؛ بأن قبول إسرائيل كدولة عضو في الأمم المتحدة يلزمها بالتعاون مع الأمم المتحدة. ويؤكد فولك أيضا، على أن عدم تعاون إسرائيل يجب أن يجابه بجهود منسقة من جانب مجلس حقوق الإنسان، وجنبا إلى جنب مع الأمين العام للأمم المتحدة لبذل كل ما يمكن للوصول إلى تعاون إسرائيل.

وفي نقاشه للتوسع الاستيطاني، يشدد فولك على أن وقف إسرائيل للتوسع الاستيطاني لمدة عشرة أشهر لم يعن التوقف عن الاستيطان، ولكنه كان إبطاء معدل التوسع فقط. والأكثر إثارة للقلق أن وقف الاستيطان لم يشمل القدس الشرقية أبدا، وبدلا من ذلك، أصرت إسرائيل على أن القدس برمتها غير محتلة وهي عاصمة إسرائيل. ووفقا لرئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو:

القدس ليست مستوطنة، القدس هي عاصمة دولة إسرائيل. إسرائيل لم تقيد نفسها يوما فيما يتعلق بأي نوع من البناء في المدينة، التي هي وطن لحوالي 800,000 شخص – بمن فيهم من نقل للعيش فيها خلال فترة وقف البناء لعشرة شهور في الضفة الغربية. إسرائيل لا ترى أي علاقة بين عملية السلام وسياسة التخطيط والبناء في القدس، وهو شيء لم يتغير خلال الأربعين سنة الماضية.

ويخلص فولك بأن هذا الموقف لا يتحدى المجتمع الدولي فحسب، ولكنه أيضا " تعبير مهم عن موقف الدبلوماسية الإسرائيلية، ويلقي المزيد من الشكوك حول ما يمكن أن يتمخض من عملية التفاوض التي تحاول إسرائيل من خلالها قطع الطريق على حق فلسطيني أساسي في الحصول على الجزء من المحتل من القدس في عام 1967 باعتباره العاصمة الوطنية للشعب الفلسطيني".

بالإضافة إلى هذا الاتساق في رسالته، قدم فولك أيضا مساهمات كبيرة وفريدة من نوعها في كيفية سير المجلس في معالجة التقارير، وتجدر الإشارة هنا إلى ملاحظة خاصة في إصراره على استخدام اللغة المناسبة، احتمالية حدوث انتهاكات جديدة لحقوق الإنسان، وتأكيده على ضرورة إيجاد آليات فوق قانونية تهدف لتحقيق المساءلة.

في الفقرة السابعة من تقريره الحالي، يتفحص فولك أهمية استخدام اللغة في إفلات إسرائيل من العقاب على انتهاكات حقوق الإنسان المستمرة للنظام القانوني الدولي، وعلى وجه التحديد؛ يقول فولك، أنه من أجل فضح عملية "تسويغ" أنماط إسرائيل غير القانونية النافذة بإقرار من الولايات المتحدة الأمريكية عبر تميع المعاني في الصياغة والتوصيف، فان الأمر " يتطلب أقوى لغة تفسيرية من أجل فهم أفضل للاعتداءات السافرة على حقوق الفلسطينيين وعلى فرص إنفاذ حق تقرير مصير له معنى. وإزاء هذه الخلفية، فإن هذا التقرير يستخدم مصطلحات مثل "ضم"، "تطهير عرقي"، "أبارتهايد"، "استعمار"، و"إجرامية" باعتبارها اصطلاحات ملائمة أكثر للتعبير عن الطبيعة الحقيقية للوضع في الأرض الفلسطينية المحتلة. ويشدد فولك على دور اللغة في الصراع إلى جانب أن اختياراته حية تماما. وتظهر أهمية اللغة في عدم تردد فولك في استخدام إطار الترحيل/التهجير القسري، المعروف أيضا بالتطهير العرقي، لوصف السياسات الإسرائيلية في القدس الشرقية، وهذا يؤكد على فعالية واهمية استخدام الاصطلاحات الدقيقة عند التحليل القانوني، كما جاء في مذكرة مركز بديل حول الوضع في شرقي القدس، الأمر الذي تم وصفه في المذكرة الأخيرة المقدمة للمجلس في دورته السادسة عشرة.

إضافة إلى استخدامه لغة أكثر وضوحا لمجابهة محاولات إسرائيل إضفاء الشرعية على سياستها، يطرح البروفيسور فولك الأسئلة حول الانتهاكات الجديدة لحقوق الإنسان. ففي تقريره للدورة العاشرة لمجلس حقوق الإنسان، تساءل فولك عما إذا كان إغلاق إسرائيل لحدود قطاع غزة خلال عملية الرصاص المصبوب، وبالتالي منع السكان المدنيين من أن يتحولوا إلى لاجئي حرب، وما سماه "حظر اللجوء" يرقى إلى مستوى جريمة ضد الإنسانية. وكتب إن " الحرمان من اللجوء في مثل هذه الظروف من الاحتلال الخانق، هو مثال على "أفعال لا إنسانية، أخضع وعرض جميع السكان المدنيين في غزة خلالها إلى أخطار جسدية ونفسية ناجمة عن آلة حرب حديثة في مساحة ضيقة جدا من الأرض"، وبالتالي، ينبغي أن يفهم على أنه جريمة ضد الإنسانية حسب القانون الدولي.

يمكن تفسير منهج البروفيسور فولك الجريء والصريح في مجلس حقوق الإنسان بصورة أفضل من خلال إصراره على أن مساءلة إسرائيل تحتاج إلى آليات فوق- قانونية، آليات غير حكومية، وبالتحديد عن طريق استخدام حملة مقاطعة اسرائيل، وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها (BDS). ففي تقريره للدورة الثالثة عشرة، أوصى فولك بأن يقوم مجلس حقوق الإنسان بالنظر إلى حملة (BDS) باعتبارها تستخدم وسائل غير عنيفة وتهدف لتقليل انتهاكات حقوق الإنسان، كما أنه وفر لغة مناسبة لحملة من هذا القبيل. وقد جعل الحالة المتعلقة بحملة المقاطعة في الفقرة السابعة والثلاثين، حيث كتب: حملة الـ BDS "هي ساحة معركة مركزية في الحرب المشروعة التي تشن من قبل الفلسطينيين ونيابة عنهم... الحملة تمثل جهود التعبئة للمجتمع المدني العالمي لاستبدال نظام القوة بحكم القانون فيما يتعلق بالأرض الفلسطينية المحتلة".

ونظرا لإصرار البروفيسور فولك على معالجة القضايا القانونية المثيرة للجدل من خلال محركات القوة التي تدعم هذه الخلافات، فقد كسب غضب حكومات الولايات المتحدة، إسرائيل والفلسطينيين، على حد سواء. ومع ذلك، لا يزال يشكل نسيما منعشا لمنظمات حقوق الإنسان، التي تعمل جاهدة من أجل التغلب على العقبات السياسية الهائلة التي تعيق إنفاذ الحقوق الفلسطينية. وحتى لو لم يلتفت المجلس إلى دعواته لمنهجيات ذات بصيرة ورؤية واضحتين لمعالجة أزمات حقوق الإنسان في الأرض الفلسطينية المحتلة، فإن النظر إلى إرثه في الاتساق والتماسك، سوف يمكن مجتمع حقوق الإنسان أن يظل مطمئنا بأن البروفيسور فولك لن يتوقف عن طرح وإثارة أهم القضايا وأكثرها حساسية أمام المجلس حتى تتم الاستجابة لدعواته من أجل القيام بإجراءات ذات مغزى عملي.

--------------------------------

* نورا عريقات: منسقة وحدة الدعم القانوني في بديل، أستاذة جامعة في واشنطن الولايات المتحدة.

  1. http://unispal.un.org/unispal.nsf/98edce37e189625b85256c40005da81b/404e93e166533f828525754e00559e30?OpenDocument
  2. http://unispal.un.org/unispal.nsf/98edce37e189625b85256c40005da81b/13a7589213ce095b85257657004239a1?OpenDocument
  3. http://unispal.un.org/unispal.nsf/98edce37e189625b85256c40005da81b/e0f07b785ecd9984852577b900617f4e?OpenDocument
  4. http://unispal.un.org/unispal.nsf/98edce37e189625b85256c40005da81b/7d3f137e67d203ab8525770d005b7996?OpenDocument
  5. http://unispal.un.org/unispal.nsf/vCHRRes?OpenView&Start=1&Count=150&Expand=1#1
  6. http://fr.jpost.com/servlet/Satellite?cid=1206446111162&pagename=JPost/JPArticle/ShowFull
  7. http://fr.jpost.com/servlet/Satellite?cid=1206446111162&pagename=JPost/JPArticle/ShowFull
  8. http://www.forward.com/articles/13037/
  9. الفقرة 15
  10. نفس المرجع السابق
  11. بديل، "التغيير المتواصل للتركيبة السكانية في القدس: سياسة ترحيل للسكان ونظام الاستعمار والأبارتهايد"، مذكرة للدورة السادسة عشرة لمجلس حقوق الإنسان.
  12. A/HRC/10/20 (February 11, 2009) at Paragraph 19.
  13. http://geneva.usmission.gov/2010/06/14/falk-report-1967/
  14. http://wn.com/Richard_Falk_on_Palestine_and_Goldstone_report__07_Oct_09

حكاية عيلبون*

تحرير: رنين جريس** تجميع الشهادات: عمر إغبارية***

هي قرية عربية فلسطينية تقع في منطقة الجليل غرب بحيرة طبريا على الطرف الشمالي الشرقي لسهل البطوف. بلغ عدد سكانها عام 1949 حوالي 675 نسمة ليصل تعدادهم اليوم إلى نحو 5000 نسمة. غرفة التعليم الأولى بنيت في القرية بتمويل الكهنة الكاثوليكيين الألمان من كنسية الطابغة سنة 1899، حيث تعلم بها 24 طالبا من الذكور. وفي سنه 1905 بنيت غرفة تعليم مشابهة للبنات. وفي عام 1943 إبان الانتداب البريطاني، بنيت في القرية مدرسة ابتدائية رسمية مكونه من غرفتين لا زالتا موجودتان حتى يومنا هذا وتستعملان كغرف للتعليم. خلافاً لمئات القرى التي هجّر أهلها عام 1948، نجح سكان عيلبون في العودة إليها بعد فترة قصيرة من ترحيلهم، ليحكوا لنا اليوم تفاصيل تقشعر لها الأبدان عن مسلسل الموت الذي زرعه جنود "الهاجناه" على أرض قريتهم.

 

الحقوق الفلسطينية في هيئة الأمم المتحدة ومنهج أوسلو: هل تستطيع القيادة الفلسطينية خوض معركة الحقوق على الساحة الدولية؟

بقلم: سالم أبو هواش*

لا شك أن عام 1991 شهد بداية تدهور جدي لمنظمة التحرير وقيادتها، واندحارها أمام العدو الصهيوني وحلفائه، ودخلت إسرائيل بداية عصرها الذهبي على الساحة الدولية. فما حدث في الأمم المتحدة – الجمعية العامة التي كانت منذ عام 1974 ساحة لكسب المعارك لصالح الشعب الفلسطيني وحلفائه، تحولت في أعقاب حرب الخليج الثانية إلى ساحة تهيمن عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها. وفيما بعد، ساهمت مواقف السلطة الفلسطينية في تدهور دور الأمم المتحدة تجاه القضية الفلسطينية، حيث قامت البعثة أو الوفد الفلسطيني في محطات مفصلية بالتعبير عن مواقف غير متسقة في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وذلك بهدف الحفاظ على استمرار المفاوضات مع إسرائيل. لقد كان ذلك طبيعيا باعتبار أن بنية السلطة المؤثرة قامت وتشكلت على قاعدة الولاء السياسي، واعنت فيما بعد من المحسوبية والمحاصصة. وقد اثبتت التجربة أن هذا المنهج حصد فشلا ذريعا قل نظيره في تاريخ حركات التحرر في العالم. وباتت إسرائيل تريد تفصيل السلطة كما تشاء في خدمة مشروعها الإستعماري العنصري. وفي السنوات الأخيرة يوجد اجماع فلسطيني بأن هذا الاحتلال هو "أرخص احتلال في التاريخ"، والمغزى العملي لذلك ليس بحاجة إلى تفسير! ولا داعي لتعداد ما فعلته إسرائيل في طول البلاد وعرضها وعلى امتداد العالم تحت غطاء المفاوضات وعملية السلام. فالتقارير عن الاستيطان والتهويد والقهر والانتهاك اكثر من أن تحصى، وهي إنجازات إسرائيل في هذه المرحلة.
 

الهبوط من الموقف المبدئي الحقوقي والقانوني إلى المساومة السياسية:

بتاريخ 16كانون أول 1991 حققت إسرائيل والولايات المتحدة أول نصر تاريخي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما إتخذت قراراً من جملة واحدة: " تقرر الجمعية العامة نبذ الحكم الوارد في قرارها رقم 3379"، وهو قرار سابق للجمعية للعامة صدر في 10 تشرين ثاني 1975، ومما جاء فيه " ان الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرر ان الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري". وفي حينه اعترضت 15 دولة عربية على قرار الإلغاء، وامتنعت سبع دول عربية عن التصويت. فيما لم تفعل منظمة التحرير الفلسطينية شيئا لتعبئة المواقف ضد إلغاء القرار، بل صدرت تلميحات غير مباشرة تحاول التمييز بين إسرائيل والصهيونية، وبأن هناك صهيونية شريرة واخرى حديثة... الخ. وتصريحات عن قادة فلسطينيين يبدعون حلولا سياسية من نوع فدرالية أو كونفدراية ثنائية او ثلاثية (الأردن – فلسطين – إسرائيل)، وعن إمكانية إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني أو تجاوزه، ومع وجود قنوات مفاوضات متعددة واتصالات غير تلك التي تتبع مسار مؤتمر مدريد؛ أي تطورات ومواقف وتصريحات وتلميحات خلقت البيئة المناسبة لأكبر هزيمة للنظام والقانون الدولي والأمم المتحدة في تعاملها مع القضية الفلسطينية، وتنفيذا لقرار الكونغرس الأمريكي الذي صدر بعيد صدور القرار 3379 عام 1975، الذي دعا لإلغاء قرار الجمعية العامة بكل صورة ممكنة. وليس القصد هنا العودة لتحليل تاريخي، بل الإشارة إلى ان هذا التاريخ مثل أول انعطافة كبيرة وهامة لها دلالاتها في عمل المنظمة الدولية.

وبعد توقيع اتفاقيات أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية، والتداخل والخلط بينها وبين منظمة التحرير الفلسطينية التي وقعت الاتفاقيات؛ أصبحت السلطة وقيادتها شريكا فاعلا في المزيد من تدهور وضع الحقوق الفلسطينية في المنظمة الدولية، وباتت المساومة السياسية تعلو فوق القانون والحقوق والواقع والحقائق. وجرى ذلك في ظل هيمنة سياسية كاملة للولايات المتحدة، فقد جرى في محطات هامة وحرجة جدا، أن اتخذت البعثة الفلسطينية مواقف متعاكسة مع المنهج القانوني والحقوقي الذي تحاول أن تسير فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحصل ذلك في ثلاثة محطات فارقة تماما ولها دلالات عميقة. الأولى عام 1997 عندما تقرر دعوة الدول المتعاقدة في اتفاقية جنيف الرابعة للبحث في خروقات إسرائيل للاتفاقية، وقبل موعد الاجتماع بوقت محدود، قدم الموفد الفلسطيني طلبا لإلغاء الجلسة. والثانية، في 23 كانون ثاني 2009 عندما التأمت دورة الجمعية الطارئة على أساس سابقة "متحدون من اجل السلام" لاتخاذ إجراءات لوقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فاستبقها مجلس الأمن ليعلن عن اجتماعه قبل نصف ساعة من موعد اجتماعها. لكن، تمضي الجمعية العامة في اجتماعها بعد نقاشات حادة بين بعثتي فلسطين ومصر من جهة، مع بقايا مجموعة عدم الانحياز التي ترغب في اتخاذ حزمة قوية من الإجراءات، لكن موقف بعثتي السلطة/المنظمة ومصر جعل الجمعية تصدر قرارا ضعيفا سار على نفس لغة بيان مجلس الأمن الضعيفة. وكانت المرة الثالثة، وهي الأكثر شهرة، وهي طلب مبعوث السلطة/المنظمة تأجيل التصويت على تقرير بعثة "غولدستون" والمعارك التي تلتها معروفة. كما يوجد العديد من المواقف التفصيلية تتعلق بجداول الأعمال والتقارير، وموقع الأمم المتحدة وأرشيفها زاخر بالمعلومات والمحاضر، ويستطيع كل من يريد أن يطلع رسميا على حجم "البطولة" التي تجترحها الدبلوماسية الفلسطينية الرسمية على الساحة الدولية!


قيادة حماس والعمل الدبلوماسي:

لا نجافي الحقيقة إذا قلنا أننا لا نستطيع أن نقدر كفاءة حكومة غزة في هذا المجال، لأنه لا يوجد لها تمثيل رسمي سوى في بعض دول المنطقة المعروفة بتوجهاتها وأجندتها. وكل ما يبدر على هذا المستوى يشير أن القيادة الحمساوية تريد أن تحكم الشعب الفلسطيني ضمن أجندتها الفئوية، وكل ما فعلته على المستوى الدبلوماسي، هو توجيه الرسائل عبر وسطاء، وبصورة مبطنة أو معلنة؛ الرسائل الموجهة لإسرائيل والولايات المتحدة لكي تتفاوض معها أو حتى تفتح حواراً مبرزة قدرتها على ضبط الأوضاع أكثر من غيرها، ومبدية استعدادها للوصول إلى هدنة بعيدة المدى بدون أي مقابل. ويوحي ذلك بان مثل هذا المنهج ليس بمقدوره أن يرقى إلى الحد الأدنى من بطولات دبلوماسيينا الرسميين! فما أن تدخل في "شراكة" مع امريكيا حتى تلتزم بأوامر الشريك الأكبر، وعندما تكون تلك "الشراكة" فالعصا جاهزة لكي لا تخل بقواعد لعبة الشراكة.
 

لماذا لا تجري متابعة فتوى محكمة العدل الدولية؟
 

ولماذا الهروب للحديث عن اعترافات وعن خطوط هدنة 1949 كحدود للدولة الفلسطينية؟

ناهيكم عن كون قصة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على أقليمي الضفة الغربية وغزة المنفصلين جغرافيا والقدس، هي قصة تحتاج إلى الكثير من البحث، لكن لماذا لا يتم الحديث عن حق تقرير المصير وحق عودة اللاجئين، وعن متابعة فتوى المحكمة الدولية بشان الجدار العنصري؟ وهل يمكن لأحد في الكون منذ بدء الخليقة وحتى قيام الساعة أن يقايض سنتميتر واحد في القدس بمليون ميل في أي مكان آخر في الكون؟ المسألة ليست صفقة تجارية، ولا هي فهلوة تاجر عقارات يريد أن يكون أحد أغنياء الحروب؛ المسألة هنا ليست نسبا مئوية وأرقاما كما يحاول البعض أن يروّج.

أما "الحدود"، فأي "حدود"؟ وما هي مرجعيتها القانونية أو الحقوقية؟ في الوقت الذي إنطلقت فيه كل مكونات المقاومة الفلسطينية المعاصرة، وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية قبل سنوات من حرب 1967! ولا مبالغة إذا ما تدهورت المعايير وفقدت البوصلة أكثر مما جرى مقدار شعرة واحدة، أن تنحدر الأمور إلى كارثة لن تبق ولا تذر. فالحذر الحذر من هذا الفخ!
 

هل يمكن لقيادة السلطة/المنظمة وقيادة حماس خوض معركة ناجحة في المحافل الدولية؟

في المقالة السابقة عن الشرعية الدولية في ظل أوسلو، حذرنا من ردود الفعل والارتجالية في التعامل مع ملف القضية الفلسطينية، لكن يبدو أن لدينا من يعتقد انه "امبراطور" السياسة والدبلوماسية، وأن لدينا من يجيد خوض المعارك الخاسرة. فذهبنا لمجلس الأمن، فصفعتنا الولايات المتحدة، ولكن البلاغة انقذتنا فقد "حصدنا أربعة عشر صوتا مقابل صوت واحد فقط". ولماذا لا نسمي ذلك "انتصارا " كبيرا و"تاريخيا" في "أشرس" معركة تخوضها القيادة في تاريخها. ولعل في ذلك محاكاة لانتصارات قيادة حماس "الربانية" في قطاع غزة، وربما هو امتداد قزمي لنفس النظم العربية التي تتهاوي بسرعة اكثر من قدرتنا على مواكبة أخبارها.

لعل من نافل القول، التأكيد هنا بأن خطأ الطبيب قد يقتل شخصا، والمقاتل قد يقتل نفسه أو مجموعة من الناس، ولكن خطأ السياسي في موقع القيادة والمسؤولية يقتل الشعب برمته، ويتسبب في دمار له ولغيره من الدول. ومن نافل القول أيضا ان العمل الدبلوماسي والاشتباك التفاوضي والمعركة السياسية ...الخ من هذه الأشياء الكبيرة جدا، والتي تخص "الكبار" فقط؛ هي ليست قائمة بذاتها، وبالتحديد في حالة تمثيلها لنضال وطني تحرري لشعب يرزح تحت نير احتلال واستعمار اقتلاعي عنصري، وإنما هي امتداد لما ينجزه النضال وما يمثله وزن الشعب الفلسطيني في المعادلة، ويمثل مدى قدرة السلطات والجهات العاملة في الحيز العام على تحويل طاقات الشعب إلى وزن سياسي وقيمة دبلوماسية، فهناك فرق دوما بين سفير وسفير، ومسؤول ومسؤول، ومؤسسة ومؤسسة، وما يفرق هو البرنامج، السياسة والمنهج والمواقف، وليس الأشخاص بالضرورة، فيوجد سياسة ويوجد سياسة. وإذا كانت مراجعة سنوات أوسلو الطويلة تفيد أن ما يجري هو عكس هذه المعادلة، أي ضبط طاقات الشعب بمعنى محاصرتها، وتجاهل قوى الشعب في الداخل والخارج، بدلا من إطلاقها، إضافة إلى وجود سوابق مهمة لقيادة السلطة/المنظمة على الساحة الدولية تفيد بان هناك "شراكة" في تقويض دور القانون الدولي والمؤسسات الدولية لصالح هيمنة المسارات السياسية والتفاوضية.

إن مرور عشرين سنة من تعليق الأوهام على هذه المنهجية، يقود إلى نتيجة واحدة وهي: أن هذا المنهج يجب أن ينتهي، ولا يغضبن أحد، إذا ما قلنا أن الذين قادوه يجب أن يعترفوا وأن يعتذروا ويرتاحوا، فالوقت الذي قيل فيه أنه من "ذهب" وأنه "سيف قاطع"، هو وقت عشرة ملايين فلسطيني ومئات الملايين من حلفائهم على إمتداد العالم مضروبة في عشرين عاما في أيامها ولياليها وساعاتها...الخ. ومن الجيد أن يفعل كل هؤلاء الذين على صلة بهذا المنهج ما هو مطلوب منهم الآن، وأن يقوموا بإعادة الأمور إلى الشعب الآن، أو بالسرعة الممكنة، وإلا سيكون عليهم إذا ما أصروا على الاستمرار في زراعة الأوهام، بأن يعيدوا الوقت وأشياء أخرى لعشرة ملايين فلسطيني.

وأخيرا، وبدون ادنى شك، فإن التحدي الأبرز أمام عودة ملف الحقوق الفلسطينية لمكانته على الساحة الدولية ومنظمة الأمم المتحدة، ويكون ذلك فقط بإعادة السيادة للشعب؛ صاحب الحل والعقد وهو صاحب الانجازات والمفاجئات. وعليه، فإن كل الأشخاص، المنظمات، المؤسسات والحركات التي ترى في الشعب غايتها، وإنها إحدى ادواته التي تعتمد عليه وتخدمه وتعود إليه، تنمو وتترعرع، تتدهور وتموت، لكنه باق كما الأرض التي تنبت الكثير وتبتلع الكثير، إن كل هؤلاء مدعوون لمواصلة العمل وتطويره وابداع وسائل وطرق جديدة على قاعدة ومنهجية أساسهما الحقوق والقانون، وبدون انتظار المزيد من الأوهام، وبدون اعتبار لما يسمى بعملية المفاوضات والسلام. إن الثورات المشتعلة في وطننا العربي تشكل ملهما عظيما للولوج إلى مرحلة جديدة تعيد الاعتبار لحقوقنا وكرامتنا وإنسانيتنا، ليس على الساحة الدولية فحسب، بل وفي داخل الوطن والمنافي أيضا.

---------
* سالم ابو هواش: باحث وكاتب فلسطيني، ناشط في حركة العودة، رئيس سابق لمجلس إدارة بديل.