الحقوق الفلسطينية في هيئة الأمم المتحدة ومنهج أوسلو: هل تستطيع القيادة الفلسطينية خوض معركة الحقوق على الساحة الدولية؟

بقلم: سالم أبو هواش*

لا شك أن عام 1991 شهد بداية تدهور جدي لمنظمة التحرير وقيادتها، واندحارها أمام العدو الصهيوني وحلفائه، ودخلت إسرائيل بداية عصرها الذهبي على الساحة الدولية. فما حدث في الأمم المتحدة – الجمعية العامة التي كانت منذ عام 1974 ساحة لكسب المعارك لصالح الشعب الفلسطيني وحلفائه، تحولت في أعقاب حرب الخليج الثانية إلى ساحة تهيمن عليها الولايات المتحدة وحلفاؤها. وفيما بعد، ساهمت مواقف السلطة الفلسطينية في تدهور دور الأمم المتحدة تجاه القضية الفلسطينية، حيث قامت البعثة أو الوفد الفلسطيني في محطات مفصلية بالتعبير عن مواقف غير متسقة في الدفاع عن حقوق الشعب الفلسطيني، وذلك بهدف الحفاظ على استمرار المفاوضات مع إسرائيل. لقد كان ذلك طبيعيا باعتبار أن بنية السلطة المؤثرة قامت وتشكلت على قاعدة الولاء السياسي، واعنت فيما بعد من المحسوبية والمحاصصة. وقد اثبتت التجربة أن هذا المنهج حصد فشلا ذريعا قل نظيره في تاريخ حركات التحرر في العالم. وباتت إسرائيل تريد تفصيل السلطة كما تشاء في خدمة مشروعها الإستعماري العنصري. وفي السنوات الأخيرة يوجد اجماع فلسطيني بأن هذا الاحتلال هو "أرخص احتلال في التاريخ"، والمغزى العملي لذلك ليس بحاجة إلى تفسير! ولا داعي لتعداد ما فعلته إسرائيل في طول البلاد وعرضها وعلى امتداد العالم تحت غطاء المفاوضات وعملية السلام. فالتقارير عن الاستيطان والتهويد والقهر والانتهاك اكثر من أن تحصى، وهي إنجازات إسرائيل في هذه المرحلة.
 

الهبوط من الموقف المبدئي الحقوقي والقانوني إلى المساومة السياسية:

بتاريخ 16كانون أول 1991 حققت إسرائيل والولايات المتحدة أول نصر تاريخي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، عندما إتخذت قراراً من جملة واحدة: " تقرر الجمعية العامة نبذ الحكم الوارد في قرارها رقم 3379"، وهو قرار سابق للجمعية للعامة صدر في 10 تشرين ثاني 1975، ومما جاء فيه " ان الجمعية العامة للأمم المتحدة تقرر ان الصهيونية شكل من أشكال العنصرية والتمييز العنصري". وفي حينه اعترضت 15 دولة عربية على قرار الإلغاء، وامتنعت سبع دول عربية عن التصويت. فيما لم تفعل منظمة التحرير الفلسطينية شيئا لتعبئة المواقف ضد إلغاء القرار، بل صدرت تلميحات غير مباشرة تحاول التمييز بين إسرائيل والصهيونية، وبأن هناك صهيونية شريرة واخرى حديثة... الخ. وتصريحات عن قادة فلسطينيين يبدعون حلولا سياسية من نوع فدرالية أو كونفدراية ثنائية او ثلاثية (الأردن – فلسطين – إسرائيل)، وعن إمكانية إلغاء الميثاق الوطني الفلسطيني أو تجاوزه، ومع وجود قنوات مفاوضات متعددة واتصالات غير تلك التي تتبع مسار مؤتمر مدريد؛ أي تطورات ومواقف وتصريحات وتلميحات خلقت البيئة المناسبة لأكبر هزيمة للنظام والقانون الدولي والأمم المتحدة في تعاملها مع القضية الفلسطينية، وتنفيذا لقرار الكونغرس الأمريكي الذي صدر بعيد صدور القرار 3379 عام 1975، الذي دعا لإلغاء قرار الجمعية العامة بكل صورة ممكنة. وليس القصد هنا العودة لتحليل تاريخي، بل الإشارة إلى ان هذا التاريخ مثل أول انعطافة كبيرة وهامة لها دلالاتها في عمل المنظمة الدولية.

وبعد توقيع اتفاقيات أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية، والتداخل والخلط بينها وبين منظمة التحرير الفلسطينية التي وقعت الاتفاقيات؛ أصبحت السلطة وقيادتها شريكا فاعلا في المزيد من تدهور وضع الحقوق الفلسطينية في المنظمة الدولية، وباتت المساومة السياسية تعلو فوق القانون والحقوق والواقع والحقائق. وجرى ذلك في ظل هيمنة سياسية كاملة للولايات المتحدة، فقد جرى في محطات هامة وحرجة جدا، أن اتخذت البعثة الفلسطينية مواقف متعاكسة مع المنهج القانوني والحقوقي الذي تحاول أن تسير فيه الجمعية العامة للأمم المتحدة، وحصل ذلك في ثلاثة محطات فارقة تماما ولها دلالات عميقة. الأولى عام 1997 عندما تقرر دعوة الدول المتعاقدة في اتفاقية جنيف الرابعة للبحث في خروقات إسرائيل للاتفاقية، وقبل موعد الاجتماع بوقت محدود، قدم الموفد الفلسطيني طلبا لإلغاء الجلسة. والثانية، في 23 كانون ثاني 2009 عندما التأمت دورة الجمعية الطارئة على أساس سابقة "متحدون من اجل السلام" لاتخاذ إجراءات لوقف الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، فاستبقها مجلس الأمن ليعلن عن اجتماعه قبل نصف ساعة من موعد اجتماعها. لكن، تمضي الجمعية العامة في اجتماعها بعد نقاشات حادة بين بعثتي فلسطين ومصر من جهة، مع بقايا مجموعة عدم الانحياز التي ترغب في اتخاذ حزمة قوية من الإجراءات، لكن موقف بعثتي السلطة/المنظمة ومصر جعل الجمعية تصدر قرارا ضعيفا سار على نفس لغة بيان مجلس الأمن الضعيفة. وكانت المرة الثالثة، وهي الأكثر شهرة، وهي طلب مبعوث السلطة/المنظمة تأجيل التصويت على تقرير بعثة "غولدستون" والمعارك التي تلتها معروفة. كما يوجد العديد من المواقف التفصيلية تتعلق بجداول الأعمال والتقارير، وموقع الأمم المتحدة وأرشيفها زاخر بالمعلومات والمحاضر، ويستطيع كل من يريد أن يطلع رسميا على حجم "البطولة" التي تجترحها الدبلوماسية الفلسطينية الرسمية على الساحة الدولية!


قيادة حماس والعمل الدبلوماسي:

لا نجافي الحقيقة إذا قلنا أننا لا نستطيع أن نقدر كفاءة حكومة غزة في هذا المجال، لأنه لا يوجد لها تمثيل رسمي سوى في بعض دول المنطقة المعروفة بتوجهاتها وأجندتها. وكل ما يبدر على هذا المستوى يشير أن القيادة الحمساوية تريد أن تحكم الشعب الفلسطيني ضمن أجندتها الفئوية، وكل ما فعلته على المستوى الدبلوماسي، هو توجيه الرسائل عبر وسطاء، وبصورة مبطنة أو معلنة؛ الرسائل الموجهة لإسرائيل والولايات المتحدة لكي تتفاوض معها أو حتى تفتح حواراً مبرزة قدرتها على ضبط الأوضاع أكثر من غيرها، ومبدية استعدادها للوصول إلى هدنة بعيدة المدى بدون أي مقابل. ويوحي ذلك بان مثل هذا المنهج ليس بمقدوره أن يرقى إلى الحد الأدنى من بطولات دبلوماسيينا الرسميين! فما أن تدخل في "شراكة" مع امريكيا حتى تلتزم بأوامر الشريك الأكبر، وعندما تكون تلك "الشراكة" فالعصا جاهزة لكي لا تخل بقواعد لعبة الشراكة.
 

لماذا لا تجري متابعة فتوى محكمة العدل الدولية؟
 

ولماذا الهروب للحديث عن اعترافات وعن خطوط هدنة 1949 كحدود للدولة الفلسطينية؟

ناهيكم عن كون قصة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على أقليمي الضفة الغربية وغزة المنفصلين جغرافيا والقدس، هي قصة تحتاج إلى الكثير من البحث، لكن لماذا لا يتم الحديث عن حق تقرير المصير وحق عودة اللاجئين، وعن متابعة فتوى المحكمة الدولية بشان الجدار العنصري؟ وهل يمكن لأحد في الكون منذ بدء الخليقة وحتى قيام الساعة أن يقايض سنتميتر واحد في القدس بمليون ميل في أي مكان آخر في الكون؟ المسألة ليست صفقة تجارية، ولا هي فهلوة تاجر عقارات يريد أن يكون أحد أغنياء الحروب؛ المسألة هنا ليست نسبا مئوية وأرقاما كما يحاول البعض أن يروّج.

أما "الحدود"، فأي "حدود"؟ وما هي مرجعيتها القانونية أو الحقوقية؟ في الوقت الذي إنطلقت فيه كل مكونات المقاومة الفلسطينية المعاصرة، وتأسيس منظمة التحرير الفلسطينية قبل سنوات من حرب 1967! ولا مبالغة إذا ما تدهورت المعايير وفقدت البوصلة أكثر مما جرى مقدار شعرة واحدة، أن تنحدر الأمور إلى كارثة لن تبق ولا تذر. فالحذر الحذر من هذا الفخ!
 

هل يمكن لقيادة السلطة/المنظمة وقيادة حماس خوض معركة ناجحة في المحافل الدولية؟

في المقالة السابقة عن الشرعية الدولية في ظل أوسلو، حذرنا من ردود الفعل والارتجالية في التعامل مع ملف القضية الفلسطينية، لكن يبدو أن لدينا من يعتقد انه "امبراطور" السياسة والدبلوماسية، وأن لدينا من يجيد خوض المعارك الخاسرة. فذهبنا لمجلس الأمن، فصفعتنا الولايات المتحدة، ولكن البلاغة انقذتنا فقد "حصدنا أربعة عشر صوتا مقابل صوت واحد فقط". ولماذا لا نسمي ذلك "انتصارا " كبيرا و"تاريخيا" في "أشرس" معركة تخوضها القيادة في تاريخها. ولعل في ذلك محاكاة لانتصارات قيادة حماس "الربانية" في قطاع غزة، وربما هو امتداد قزمي لنفس النظم العربية التي تتهاوي بسرعة اكثر من قدرتنا على مواكبة أخبارها.

لعل من نافل القول، التأكيد هنا بأن خطأ الطبيب قد يقتل شخصا، والمقاتل قد يقتل نفسه أو مجموعة من الناس، ولكن خطأ السياسي في موقع القيادة والمسؤولية يقتل الشعب برمته، ويتسبب في دمار له ولغيره من الدول. ومن نافل القول أيضا ان العمل الدبلوماسي والاشتباك التفاوضي والمعركة السياسية ...الخ من هذه الأشياء الكبيرة جدا، والتي تخص "الكبار" فقط؛ هي ليست قائمة بذاتها، وبالتحديد في حالة تمثيلها لنضال وطني تحرري لشعب يرزح تحت نير احتلال واستعمار اقتلاعي عنصري، وإنما هي امتداد لما ينجزه النضال وما يمثله وزن الشعب الفلسطيني في المعادلة، ويمثل مدى قدرة السلطات والجهات العاملة في الحيز العام على تحويل طاقات الشعب إلى وزن سياسي وقيمة دبلوماسية، فهناك فرق دوما بين سفير وسفير، ومسؤول ومسؤول، ومؤسسة ومؤسسة، وما يفرق هو البرنامج، السياسة والمنهج والمواقف، وليس الأشخاص بالضرورة، فيوجد سياسة ويوجد سياسة. وإذا كانت مراجعة سنوات أوسلو الطويلة تفيد أن ما يجري هو عكس هذه المعادلة، أي ضبط طاقات الشعب بمعنى محاصرتها، وتجاهل قوى الشعب في الداخل والخارج، بدلا من إطلاقها، إضافة إلى وجود سوابق مهمة لقيادة السلطة/المنظمة على الساحة الدولية تفيد بان هناك "شراكة" في تقويض دور القانون الدولي والمؤسسات الدولية لصالح هيمنة المسارات السياسية والتفاوضية.

إن مرور عشرين سنة من تعليق الأوهام على هذه المنهجية، يقود إلى نتيجة واحدة وهي: أن هذا المنهج يجب أن ينتهي، ولا يغضبن أحد، إذا ما قلنا أن الذين قادوه يجب أن يعترفوا وأن يعتذروا ويرتاحوا، فالوقت الذي قيل فيه أنه من "ذهب" وأنه "سيف قاطع"، هو وقت عشرة ملايين فلسطيني ومئات الملايين من حلفائهم على إمتداد العالم مضروبة في عشرين عاما في أيامها ولياليها وساعاتها...الخ. ومن الجيد أن يفعل كل هؤلاء الذين على صلة بهذا المنهج ما هو مطلوب منهم الآن، وأن يقوموا بإعادة الأمور إلى الشعب الآن، أو بالسرعة الممكنة، وإلا سيكون عليهم إذا ما أصروا على الاستمرار في زراعة الأوهام، بأن يعيدوا الوقت وأشياء أخرى لعشرة ملايين فلسطيني.

وأخيرا، وبدون ادنى شك، فإن التحدي الأبرز أمام عودة ملف الحقوق الفلسطينية لمكانته على الساحة الدولية ومنظمة الأمم المتحدة، ويكون ذلك فقط بإعادة السيادة للشعب؛ صاحب الحل والعقد وهو صاحب الانجازات والمفاجئات. وعليه، فإن كل الأشخاص، المنظمات، المؤسسات والحركات التي ترى في الشعب غايتها، وإنها إحدى ادواته التي تعتمد عليه وتخدمه وتعود إليه، تنمو وتترعرع، تتدهور وتموت، لكنه باق كما الأرض التي تنبت الكثير وتبتلع الكثير، إن كل هؤلاء مدعوون لمواصلة العمل وتطويره وابداع وسائل وطرق جديدة على قاعدة ومنهجية أساسهما الحقوق والقانون، وبدون انتظار المزيد من الأوهام، وبدون اعتبار لما يسمى بعملية المفاوضات والسلام. إن الثورات المشتعلة في وطننا العربي تشكل ملهما عظيما للولوج إلى مرحلة جديدة تعيد الاعتبار لحقوقنا وكرامتنا وإنسانيتنا، ليس على الساحة الدولية فحسب، بل وفي داخل الوطن والمنافي أيضا.

---------
* سالم ابو هواش: باحث وكاتب فلسطيني، ناشط في حركة العودة، رئيس سابق لمجلس إدارة بديل.