مركــز بديـل: رؤيــة إستراتيجيــة ومنهجيــة عمليـــة


الهدف البعيد المدى الذي وضعه مركز بديل له هو "تطبيق حل دائم لقضية اللاجئين الفلسطينيين وفق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 والقوانين الدولية ذات العلاقة يقبل بها اللاجئون أنفسهم ويرون فيه حلاً عادلاً ومجدياً". بالتالي فإن إستراتيجيته مبنية على دعم وتعزيز مبادرات اللاجئين المطالبة بحق العودة، وذلك من خلال البحث العلمي وتعزيز الشراكة المجتمعية من جهة، والعمل من مع منظمات المجتمع المدني لتبني حق العودة كحل لقضية اللاجئين الفلسطينيين من جهة أخرى.

وإذا رأت هيئة التحرير في جريدة حق العودة، والطاقم التنفيذي في مركز بديل في الذكرى العاشرة لتأسيس المركز مناسبة من أجل تقييم عشر سنوات من عمله، فإن السؤال الذي يُطرح هو: أين المركز من هدفه وما الذي حققه من خطته الإستراتيجية للوصول إليه؟  

ينفذ مركز بديل إستراتيجيته العامة، التي أشرنا  إلى عناوينها أعلاه، من خلال وحدتي عمل رئيسيتين؛ وحدة حملة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين ووحدة الأبحاث والمعلومات والإسناد القانوني. بالتالي فهو مركز أبحاث ودراسات فيما يتعلق بقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقوقهم، وبنفس الوقت مركز لجمع الهيئات الناشطة في مجال حقوق  هؤلاء اللاجئين، وتقديم الدعم لهم لتمكينهم من الدفاع عن حقهم في العودة.  

حملــة الدفــاع عـن حقــوق اللاجئيــن

أطلق مركز بديل هذه الحملة في العام 2000 كمبادرة شعبية مستقلة، بعد أن أقام علاقات تعاون مع العديد من الهيئات الأهلية الفلسطينية، المتواجدة في فلسطين التاريخية والشتات. وعلى ضوء التوصيات والنتائج لسلسلة من ورش العمل التي أشرف على تنظيمها، وضع أهداف هذه الحملة ومبادئها التنظيمية وبرنامجها (ورقة رقم 3 أيار 2000).

من أهداف هذه الحملة بناء شبكة دولية قوية للدفاع عن حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة واستعادة أملاكهم، وتعزيز المناصرة لحقوقهم، ودعوة منظمات المجتمع المدني والهيئات الدولية المعنية بقضية اللاجئين الفلسطينيين لتبني أسلوباً قائماً على الحقوق في معالجة هذه القضية. وهذا ما ساعده على أن يكون مستشاراً وخبيراً في هذا المجال. حيث قام بمراجعة الأوراق السياسية للعشرات من المنظمات غير الحكومية الدولية والمبادرات الطوعية، وقد شارك المركز أيضاً في مؤتمرات وحلقات بحث نظمتها تلك المؤسسات.

ومن أهداف الحملة أيضاً تقديم العون للمبادرات الشعبية للاجئين، فالبند الأول في برنامج هذه الحملة تقوية وتدعيم المجتمع المحلي للاجئين، ورفع مستوى الوعي فيه، وذلك عن طريق تعريفهم بحقوقهم المشروعة، وعلى وجه التحديد حقهم في العودة إلى بيوتهم الأصلية وممتلكاتهم، وتشجيعهم على إطلاق مبادراتهم لتعبير عن تمسكهم بهذا الحق، وأنه خيارهم في حل قضيتهم كلاجئين. ونفذ ذلك من خلال مشاريع مختلفة، مثل مشروع التدريب المجتمعي وإسناد مبادرات بناء الشبكات وحملات رفع مستوى التوعية والتأييد والمناصرة لمنظمات وتجمعات اللاجئين والمهجرين، وتوحيد الخطاب الفلسطيني حول حقوق اللاجئين وإشراك المجتمع المدني المحلي والدولي.

الأبحــاث والمعلومــات والإسنــاد القانونــي

إن غاية البرنامج الخاص بالأبحاث والمعلومات والإسناد القانوني هي المساهمة في تعزيز دور القانون الدولي وإقامة آليات فاعلة من أجل الحماية والحلول الدائمة لقضية اللاجئين الفلسطينيين والمهجرين، وتقديم الدعم لحملة الدفاع عن حقوق اللاجئين لتجذير وتعزيز حقوق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين في العودة إلى بيوتهم واستعادة الممتلكات، وينفذ هذا البرنامج بالتعاون مع شبكة مركز بديل للدعم القانوني.

أنتج مركز بديل دراسات/أبحاث وتحليلات قانونية هامة ومتميزة، صدر بعضها ضمن سلسلة كتب، مثل كتاب "إدارة فلسطين: تاريخ من التشريع اليهودي-الإسرائيلي لمصادرة الأراضي والبيوت في فلسطين" وكتاب "جسر الهوة في توفير الحماية: حماية  اللاجئين الفلسطينيين في الدول الموقعة على اتفاقية اللاجئين لعام 1951" وكتاب "الحلول الدائمة لقضية اللاجئين الفلسطينيين" وغيرها.

كما صدرت بعض الدراسات تحت عنوان أوراق عمل يقدمها مركز بديل للنقاش مثل: "إعادة قراءة حقوق اللاجئين الفلسطينيين وتفسيرها وفقاً للقانون الدولي وطرح حلول ناجعة لها- ورقة رقم 1 آذار 2000" و "الحماية المؤقتة وانطباقها على قضية اللاجئين الفلسطينيين- ورقة رقم 4 آب 2000" و "لجنة الأمم المتحدة للتوفيق حول فلسطين / الحماية والحل الدائم للاجئين الفلسطينيين- ورقة رقم 5 آب 2000" و "اللاجئون الفلسطينيون وحق العودة/ دراسة في القانون الدولي- ورقة رقم 8 كانون الثاني 2001".

كما صدرت دراسات أخرى ضمن نشرات مركز بديل غير الدورية، التي تهدف إلى توفير المعلومات الموجزة والهامة حول تلك المواضيع المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين، مثل: "الحماية الدولية" (نشرة رقم 1)؛ "حق العودة وما يعنيه خيار اللاجئين" (نشرة رقم 4)؛ "تحليل للموقف الإسرائيلي حول حق العودة للاجئين (نشرة رقم 5)؛ "حقوق اللاجئين الفلسطينيين والحل القائم على أساس الدولتين" (نشرة رقم 9)؛ "مبادئ وآليات الحل الدائم لقضية اللاجئين الفلسطينيين" (نشرة رقم 10) وغيرها.

تقييـم عمــل المركــز

لتقييم عمل مركز بديل بعد مرور عشر سنوات على تأسيسه، وللإجابة عن السؤال الذي طرحناه في البداية: أين المركز من هدفه وما الذي حققه من خطته الإستراتيجية للوصول إليه؟

ساهم مركز بديل في إعادة قراءة حقوق اللاجئين الفلسطينيين وتفسيرها وفقاً للقانون الدولي وطرح حلول ناجعة لها، وقام بهذه القراءة مختصون في القانون الدولي وخبراء بقضايا اللاجئين، من شبكة الدعم القانوني التي أنشأها، بهدف استخدام القوانين الدولية الخاصة باللاجئين أداة فاعلة لحماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين، بما فيها حماية دولية ضمن حل دائم يعتمد تنفيذ عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بيوتهم وممتلكاتهم.

 وأهمية هذه القراءة القانونية الجديدة تعود لأن للاجئين الفلسطينيين وضع فريد طبقاً للقانون الدولي للاجئين، فهم يتميزون عن سواهم من مجموعات اللاجئين في العالم، بمعاملة استثنائية في معظم المواثيق والاتفاقيات القانونية الدولية التي تحدد حقوق الدول وواجباتها تجاه اللاجئين، ولهذا لم يحظوا بحقوق الحماية التي كفلها القانون الدولي للاجئين بصفة عامة.

اعتمد مركز بديل في معالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين على نهج قائم على أساس الحقوق، فقدم دراسات تحليلية في القانون الدولي، للتأكيد على حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وتبيان مسؤولية المجتمع الدولي في توفير الظروف الملائمة لتمكينهم من ممارسة هذا الحق. وأن الحل الدائم لقضية اللاجئين الفلسطينيين، هو الحل الذي يبنى على خيارهم الحر، الذي كان أساس التوصيات التي رفعها وسيط الأمم المتحدة في فلسطين، السيد فولك برنادوت، للتوصل لحل دائم لقضية اللاجئين الفلسطينيين. فكما جاء في تقريره الذي رفعه إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في أيلول 1948 أن الخيار الحر حق غير مشروط ويجب احترامه، وأن يتمتع به اللاجئون الفلسطينيون، وقد ظهر هذا في النص الوارد في الفقرة 11 من قرار الجمعية العمة رقم 194 بتاريخ 11 كانون الأول 1948: "تقرر وجوب السمح بالعودة، في أقرب وقت ممكن، للاجئين الراغبين في العودة إلى ديارهم...".

كما أن مركز بديل كان المبادر إلى جمع هيئات ولجان مجتمعية فلسطينية ناشطة في مجال حقوق اللاجئين في قبرص أيلول 2000 الذي أسس لتشكيل "الائتلاف الفلسطيني لحق العودة". فهذا الائتلاف شبكة فلسطينية عالمية، ويقوم المركز بدور المنسق لهذا الائتلاف، ويلتقي أعضاؤه سنوياً من أجل تنسيق الجهود في مجال الدفاع عن حقوق اللاجئين، وفي مقدمتها حق العودة.

يمكن القول أن المركز قد حقق انجازات ملموسة ونجاحات هامة، وقطع شوطاً مقبولاً، باتجاه هدفه البعيد المدى، الذي يشاركه فيه العديد من المنظمات الأهلية الفلسطينية. ووفر مادة قانونية وسياسية كان الناشطون بحاجتها في مجال الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين في عملهم من أجل هذه الحقوق، كما كان المبادر للتشبيك والتواصل فيما بين المنظمات الأهلية فلسطينية.

تحديــات مستقبليــة

الآن وعلى ضوء الانجازات المميزة التي حققها مركز بديل، خلال السنوات العشر الماضية، التي أشرنا إلى بعضها، ما التحديات المستقبلية التي تواجهه؟

من العوامل التي كان لها دور رئيس في الانجازات والنجاحات التي حققها مركز بديل، التي توقفنا عند بعضها، البنية المؤسساتية للمركز ونوع العلاقة بين إدارته وهيئته التنفيذية. فالبنية المؤسساتية لأي مؤسسة لها دور هام في تمكين هذه المؤسسة من القيام بمهامها أو إخفاقها. بالتالي فإن التحدي المستقبلي الذي يواجه مركز بديل هو كيف يطور بنيته المؤسساتية على ضوء المهام المستقبلية التي سيقوم بها، خاصة وأن المكانة التي نجح في الوصول إليها على صعيد قضية اللاجئين الفلسطينيين، سواء على المستوى المحلي أو المستوى الدولي، تجعله هدفاً لأصحاب مشاريع تصفية حقوق اللاجئين الفلسطينيين، وتحديداً حق العودة.

كما أن نجاح أي مؤسسة يفتح المجال لنوع من الاختلافات في هيئاتها والعاملين فيها، ما تلبث أن تتحول إلى صراع على المؤسسة، النتيجة تكون الانشغال في صراع داخلي يؤدي إلى تراجع المؤسسة وتصدعها، مما يفقدها المكانة التي وصلت إليها، وعجزها عن مواصلة الدور الذي تقوم به، والأمثلة كثيرة على ذلك.

وعليه؛ فإن التحدي المستقبلي والدائم الذي يواجه مركز بديل، وكغيره من المؤسسات، هو بناء علاقة صحيحة ومتينة ما بين هيئاته والعاملين فيه، تمكنه من مواصلة السير على الطريق الذي اختاره.

وفي النهاية، فإن مركز بديل وعلى ضوء ما قدمه من دعم للاجئين الفلسطينيين وقضيتهم، على المستويين المحلي والدولي يستحق أن يكرّم من قبلهم، وهذا مطلوب منهم في الذكرى العاشرة لتأسيسه، وهو ما نفكر فيه، ونأمل أن يكون كذلك بالنسبة للهيئات العاملة في مجال الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين.           

___________

الدكتور رجا ديب هو منسق مجموعة عائدون/ سورية وأحد مؤسسي المجموعة في العام 2000. لديب مقالات وأبحاث عدة حول القضية الفلسطينية. للمزيد حول مجموعة عائدون: www.aidoun.com