تجربة مؤسسة بديل في عشرة أعوام 1998 – 2007


دروس مستفــادة وتطلعـــات للمستقبـــل


انطلقت بدايات حركة العودة الشعبية مباشرة بعد توقيع اعلان المبادئ في اوسلو بين منظمة التحرير الفلسطينية وحكومة اسرائيل، في ايلول 1993م، وكانت الشرارة من فلسطين التاريخية أي الاراضي المحتلة عام 1967 و1948، كرد طبيعي من الفلسطينيين على  تهميش قضية اللاجئين الفلسطينيين في سياق عملية أوسلو؛ وقد توجت النشاطات التي قادها عدد من النشطاء بعقد مؤتمرات شعبية للاجئين في كل من الناصرة، الفارعة، مخيم الدهيشة وفي غزة بين الأعوام 1993 و 1996؛ وتزامنت مع حركة في المنافي الفلسطينية وخصوصا في لبنان واوروبا، والولايات المتحدة، تلك المؤتمرات واللقاء كانت قد طرحت جميع القضايا الصعبة التي يتعين معالجتها، كما أبرزت الحاجة المتزايدة إلى إستراتيجيات جديدة وجهات فاعلة جديدة من أجل حماية حق العودة، وحفظ الكرامة والعدالة للأجيال الفلسطينية المقبلة. ومما لا شك فيه، أنه بدون هذا الجهد الشعبي، لما كانت عملية تأسيس مركز بديل ممكنة بما هو عليه اليوم. ومع ذلك، وبعد عشر سنوات على تأسيسه، ويكننا القول بان تاسيس مركز بديل ساهم بصورة فعالة وديناميكية في استدامة الجهود الشعبية وتنميتها لتصل الى ما وصلت اليه اليوم، والتي تبقى بحاجة الى تنمية وتطوير في المستقبل.


عشر سنوات من العطاء: ما الذي تم انجازه؟

بناء "مجتمع حق العودة"

منذ انطلاقه رسميا في كانون ثاني 1998م، أصل مركز بديل عمله مباشرة في تجمعات اللاجئين، ضمن فهم مدروس مسبقا، معتمد على مبدأ الشراكة والتكاملية واستنفار الطاقات الكامنة واستثمار المصادر المحلية في قيام حملة متأصلة في اصحابها الحقيقيين ولضمان استدامة المركز كجزء لا يتجزأ من الحركة الشعبية الاهلية للاجئين انفسهم، ولتحويل قضية من قضية اللاجئين انفسهم الى هوية نضالية وطنية فلسطينية، قومية عربية، بمساندة قوى ولجان التضامن الدولية التي تتقاطع معنا في مبادئ الحرية والمساوة والعدالة على اساس الحقوق غير القابلة للتصرف.

وبهذا استطاع مركز بديل من خلال الشراكة المجتمعية المحلية، تطوير مفهوم للعمل الاهلي ينطلق من ان جذر المجتمع، فكانت اللجنة التاسيسية للمركز من البداية مكونة من نشطاء العمل الاهلي في المنظمات الاهلية في اوساط اللاجئين والمؤسسات الوطنية العامة، والتي تحولت فيما بعد الى الجمعية العامة للمركز وتوسعت لتشمل مزيد من النشطاء.

واعتمد المركز مبدأ الانتخابات الدورية لمجلس الادارة ولجنة الرقابة مباشرة في دورات الجمعية العامة المنتظمة كل عامين، حيث جرى نسج علاقة مهنية تكاملية ما بين مجلس الادارة المنتخب والطوعي والهيئة التنفيذية في المؤسسة بصورة خلاقة ومبدعة، بحيث لا يصبح مركز بديل منظمة غير حكومية "قائمة بذاتها" أو لـ"ذاتها"، بل منظمة اهلية لها "مجتمعــها"، مما سيكون له فائدة متبادلة للمركز والشعب الفلسطيني، ويعطيه مصداقية أعلى، وتكون في موقع أفضل يمكنها من تجنيد الشركاء، وتجنيد دعم الجمهور وتتمكن من التأثير العام. واستنادا إلى هذا الفهم؛ شرع مركز بديل في بناء علاقات تعاون وشراكة مع منظمات ومؤسسات المجتمع المحلي، ومع المهجرين الفلسطينيين في داخل فلسطين الانتدابية على جانبي الخط "الأخضر"، ومع اللاجئين الفلسطينيين في المنافي؛ وهذه الجهود التي استهدفت الوصول لمجتمع ومؤسسات اللاجئين وبناء علاقات التعاون والشراكة معها، لم تساهم في ولادة الائتلاف الفلسطيني لحق العودة فحسب، بل أيضا إلى تشكيل فريق الإسناد القانوني لمركز بديل ؛ وهو شبكة من الخبراء في القانون الدولي، البحث الأكاديمي وحقوق الإنسان، ويساهمون بفعالية في تنفيذ برنامج بديل منذ عام 2001.

ويعتمد برنامج بديل على المجتمع المحلي وعلى المنهج التشاركي، ومن ضمنه مشروع الطوارئ لخلق فرص عمل وإعادة بناء وتأهيل المساكن والبنية التحتية في مخيمات وتجمعات اللاجئين، وكذلك برامج تقديم الدعم المالي اللوجستي المحدود للمؤسسات والمبادرات المحلية للاجئين والمهجرين داخليا؛ والتي ساهمت في تعزيز علاقات المنظمات المحلية المستندة إلى المجتمع المحلي مع جمهورها، وكذلك تعزيز دورها كعنصر فاعل باعتبارها جزءا من مكونات المجتمع المدني الفلسطيني محليا وعلى مستوى الخارج.

واعترافا وتقديرا لنجاح عمل مركز بديل القائم على منهجية الشراكة والتعاون المجتمع المحلي، أوصى المقيمون الخارجيون الذين قاموا بتقييم برنامج بديل في عام 2006 بضرورة مساهمة بديل في التنمية المؤسسية للشركاء، حيث ورد في إحدى التوصيات:

"أن يقوم مركز بديل باستثمار تجربته الخاصة كمؤسسة، وتجربته الواسعة في دعم التطور التنظيمي للشركاء؛ وذلك من أجل تطوير إستراتيجية للتنمية المؤسسية وتقوية العمل المؤسسي للمؤسسات الفلسطينية، وكيفية تعزيز المشاركة التطوعية"

بناء وتعزيز نهج مهني قائم على أساس الحقوق لقضية اللاجئين الفلسطينيين

طور مركز بديل أجندته البحثية والدعاوية والإعلامية بالشركة مع الأوساط الشعبية؛ فيما تم الاتجاه تدريجيا نحو الدراسات الميدانية (مثال: زيارات تقصي الحقائق والتعلم من تجارب الآخرين لكل من البوسنة والهرسك، جنوب أفريقيا وقبرص بين عامي 2001 – 2003؛ الدراسة الرائدة حول التهجير القسري بفعل الجدار الإسرائيلي في القدس، 2006)، الحلقات الدراسية وورشات عمل الخبراء (مثال: منتدى الخبراء 2003-2004 حول المنهج القائم على أساس الحقوق لقضية اللاجئين الفلسطينيين)، والبحث الأكاديمي (مثال: الدراسات القانونية، الدراسات المقارنة لحالات اللجوء في أنحاء العالم، مسح بديل السنوي للاجئين والمهجرين الفلسطينيين، دليل حماية اللاجئين الفلسطينيين وغيرها). فجميع هذه البحوث والدراسات كانت قادرة على  ضمان أن حالة اللجوء الفلسطينية، وقضية اللاجئين الفلسطينيين، يمكن أن تعرض اليوم بطريقة مقنعه للسياسيين، وللأوساط القانونية والأكاديمية على حد سواء. وهكذا، وجد المقيمون الخارجيون بأن "قدرة مركز بديل على إنتاج بحوث ومعلومات عالية الجودة معترف بها على نطاق واسع"، وأشار المقيمون إلى:

"يتميز مركز بديل بانفراده في منهجية الربط بين مشاركة نشطاء من أوساط شعبية مع متطوعين محليين وخبراء دوليين، وربط ذلك بممثلي فعاليات اللاجئين في المنطقة ومناطق أخرى، هذا الربط مكن بديل من إبراز الارتباط بين جودة الأبحاث والمعلومات، والنشاط العملي الميداني".

تيسير التوعية الجماعية، العمل الدعاوي والحملات: إستراتيجية من القاعدة – للقمة من أجل التغيير السياسي

لقد استخدمت أبحاث مركز بديل كقاعدة للمعلومات وأدوات للعمل الدعاوي؛ حيث مهدت الأرضية لحملة حقوق اللاجئين المستندة للمجتمع، وبفهم وقناعة راسختين بأن الفعل الجماعي والمستند إلى المجتمع، هو الآلية الوحيدة الكفيلة بإيجاد الإرادة السياسية للمنهج القائم على أساس الحقوق لقضية اللاجئين الفلسطينيين في أوساط صناع القرار السياسي، وحدد مركز بديل دوره بصورة رئيسية كميسر ومحفز لمبادرات العمل الدعاوي والحملات، من خلال دعمه للحملات والمبادرات الجماعية المستندة للمجتمع، من خلال المعلومات والعمل الإعلامي (بيانات صحفية ومجلات باللغة العربية والانجليزية) وبالتشبيك والتنسيق بين مختلف الفعاليات الشعبية، وبالعمل الدعاوي المهني والضغط من أجل كسب التأييد والحشد والتأثير على الساحة الدولية (المؤتمرات الأكاديمية، التدخلات ضمن نظام الأمم المتحدة)، وقد أكد المقيمون الخارجيون على:

"كان مركز بديل قادر دوما على استخدام موارده المحدودة بطريقة فعالية الكلفة، وعملت بطريقة ملائمة كمفعل، ومن اجل حث أنشطة مؤسسات أخرى من خلال تقديم دعم منشط وإلهام عبر جودة الأبحاث، وعن طريق التنسيق للعديد من الفعاليات المشتركة لمجموعة واسعة من الأطراف الفاعلة".

النتائج والأثر (1998 – 2007)

    * حتى منتصف التسعينات: كانت قضية اللاجئين الفلسطينيين تعتبر على نطاق واسع كقضية سياسية فقط، لا علاقة لها بالحقوق، وقد نجح مركز بديل من خلال أبحاث محترفه أكاديميا وقانونيا ومهنيا والمعتمدة على الشراكة المجتمعية؛ في تقديم طرح مقنع بأن حقوق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين ليس قضية سياسة وحسب، وإنما هي أيضا حقوق إنسان، وبأن القانون الدولي يوفر إطار للعمل من أجل حمايتهم وحماية حقوقهم، وأساسها حق العودة إلى الديار الأصلية، واستعادة الممتلكات في سياق حل الصراع الفلسطيني - الصهيوني.
    * في صفوف الفلسطينيين: لقد تم تبنى إطار العمل القائم على أساس الحقوق؛ ليس من قبل مؤسسات مجتمع اللاجئين والمهجرين داخليا فقط، بل ومن قبل الشبكات الرئيسية لمنظمات المجتمع المدني الفلسطيني، كما أدى رواج هذا المنهج إلى تحفيز البحث الذي تجريه المؤسسات الأكاديمية والعامة  (كمثال: الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، كلية الحقوق/العيادة القانونية في جامعة القدس، ومركز دراسات الهجرة القسرية في الجامعة الأمريكية) كما جذب هذا الإطار القائم على أساس الحقوق اهتمام وسائل الإعلام العربية والفلسطينية.
    * على الساحة الدولية (الأمم المتحدة، حركات التضامن وحقوق الإنسان) تنامي نهج بديل القائم على أساس الحقوق من خلال الخبراء المتطوعين، أعضاء شبكة الاسناد القانوني لبديل، والتدخل الضاغط من خلال تعاقد بوقت جزئي في مقر الأمم المتحدة في جنيف (منذ عام 2007): "مؤسسة بديل طرف مهم في الحملات الأوروبية من أجل فلسطين، فهي تلعب دورا مهما لضمان أن تظل قضية اللاجئين الفلسطينيين جزء من أجندة الحملة. [...] وينظر الشركاء في أوروبا لبديل كمنظمة بارزة، وبشكل خاص؛ لأنها على مستوى رفيع من الاحتراف، وتوزع المعلومات بكفاءة وتستجيب بفعالية للرسائل والاستفسارات" (التقييم الخارجي، 2006).
    * التنامي المضطرد للإجماع الفلسطيني على أهمية احترام حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم، استعادة ممتلكاتهم والتعويض؛ ومن أجل حل عادل ودائم للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي: لقد رفضت بقوة كل المشاريع ومقترحات الحلول التي لا تستند على الحق (كمثال: خطة نسيبة-أيالون، مبادرة جنيف). وتستمر أنشطة إحياء الذكرى السنوية للنكبة في التنامي من حيث تنامي اتساع النطاق، وتزايد انخراط الشباب الفلسطينيين اللاجئين وغير اللاجئين، ومنظمات المجتمع المدني والمؤسسات الوطنية الرسمية في هذه الأنشطة. وفي عامي 2005-2006؛ قام مركز بديل وعدد من شركائه بتطوير فكرة "حملة  40/60" التي برهنت على أنها إستراتيجية فعالة لضمان رفع مستوى الوعي وتعميقه على المستويين المحلي والدولي، وبان النشاطات حول الذكرى الأربعينية للاحتلال الإسرائيلي في عام 2007 ستتواصل حتى الذكرى الستينية للنكبة عام 2008، وتتضمن التوعية بحق العودة واستعادة الممتلكات للاجئين والمهجرين الفلسطينيين. (من أجل المزيد من التفاصيل، أنظر/ي: "الحملة الستينية للنكبة" على الصفحة الإلكترونية لبديل www.badil.org).
    * انطلقت منذ عام 2001، ولأول مرة منذ عقود، مبادرات مستدامة من يهود-إسرائيليين لدراسة ودعم منهج قائم على أساس الحقوق من أجل اللاجئين الفلسطينيين. كما أظهرت منظمات المجتمع المدني في الخارج اهتماما ونشاطا متزايدا في طرح ودعم حقوق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين (بيانات وتصريحات صحفية، زيارات، مؤتمرات، جولات دراسية، المشاركة في إحياء ذكرى النكبة، برامج للمعونة والتنمية).
    * حملة المجتمع المدني الفلسطيني لمقاطعة اسرائيل، وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS)، والتي انطلقت عام 2005 من أجل تقوية وتعزيز جهود المجتمع المدني العالمي للضغط على الحكومات لفرض احترام إسرائيل للقانون الدولي. وتعطي مشاركة بديل وشركائها في الحملة المصداقية لمطلب احترام حق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين في العودة. كما يسرت انخراط منظمات شعبية وقطاعية في هذه الحملة، فبحلول عام 2007، لم تبق المشاركة في الحملة مقتصرة على الطلاب والكنائس، لجان التضامن والمنظمات غير الحكومية؛ فقد انضمت اتحادات نقابية رئيسية في جنوب أفريقيا، مثل مؤتمر جنوب أفريقيا للاتحادات النقابية (COSATO)، واتحاد موظفي القطاع العام في كندا(CUPE)، واتحاد نقابات المحاضرين والمدرسين في الجامعات والكليات البريطانية في بريطانيا (UNISON) وغيرها العديد من المنظمات المهنية في العالم.
    * ازدياد الوعي حول التهجير القسري الجاري للفلسطينيين في أوساط وكالات الأمم والمنظمات الدولية غير الحكومية، الأمر الذي أثار مناقشات حول نوعية الاستجابة الفعالة على أساس الحقوق لاحتياجات الحماية للمهجرين الفلسطينيين، ومن ضمنهم اللاجئين. والمؤشرات على هذا الاتجاه: توظيف وكالة الغوث "الأنروا" لمستشار خبير في الحماية (في عام 2006)، وكذلك التعاون المكثف مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين UNHCR؛ برامج جديدة لمنظمات غير حكومية لحماية اللاجئين، وبشكل خاص الأطفال (أوكسفام، انقاذ الطفل)، وإدراج "التهجير القسري" كبند منتظم على أجندة الرصد لمكتب تنسيق الشؤون الإنسانية التابع للسكرتير العام للأمم المتحدة في الأراضي الفلسطينية المحتلة OCHA؛ وتشكيل مجموعة العمل الفنية/ مسجل الأمم المتحدة للأضرار الناجمة عن الجدار في الأراضي الفلسطينية (عام 2007)؛ بالإضافة إلى العديد من التقارير، والملاحظات الختامية ومشاريع القرارات التي صدرت من قبل هيئات الأمم المتحدة المعنية بحقوق الإنسان في عامي 2006 و 2007 (المقررون الخاصون للأمم المتحدة، مجلس حقوق الإنسان، لجنة القضاء على جميع أشكال التمييز العنصري (CERD).

مشاكل وتحديات قائمة: ما هو الذي لم ينجح بعد؟


"حلم العودة" الفلسطيني:

بالرغم من أن المجتمع الفلسطيني، وبشكل خاص اللاجئون، قد أعربوا عن موقف حازم بشان الحل القائم على أساس الحقوق لقضية اللاجئين الفلسطينيين وركيزته الأساسية حق العودة؛ ولكن السبل والوسائل العملية للسير نحو التطبيق الفعلي لهذا المنهج لا زالت غير واضحة، ومنذ الانتفاضة الثانية بشكل خاص، فإن الهوة بين ما هو موجود، وما يجب أن يكون؟ يجري ملاحظتها يوميا، وقد زاد ذلك من مستوى الإحباط  والشعور بأن حق العودة هو "حلم" بعيد. ويتم تشجيع عملية إضعاف التمكين من قبل السياسيين ووسائل الإعلام، الذين يستمرون بالادعاء بان بأن تطبيق حق العودة هو خيار غير "عملي" وغير "واقعي".

الرعب اليهودي الإسرائيلي من "الحلم الفلسطيني":


مع وجود بعض الاستثناءات الطفيفة، فإن المجتمع المدني في إسرائيل يساند السياسات الحكومية الرامية لمنع عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم الأصلية، وذلك بسبب الخوف من أن عودتهم ستعني فقدان الأمن الفردي والجماعي، وفقدان اليهود الإسرائيليين للحقوق والامتيازات، و/أو لأن عودة اللاجئين من شأنها "تدمير الطابع اليهودي للدولة".

منهج التعامل بـ"فتور" مع اللاجئين الفلسطينيين من قبل المجتمع المدني العالمي


لا زالت قطاعات واسعة من المجتمع المدني العالمي، ومن ضمنه حركات التضامن، تتصور أن الأسباب الجذرية للصراع الفلسطيني الإسرائيلي تتمثل في الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية عام 1967، ويقوم العديد منهم بالترويج للحل القائم على خيار الدولتين الذي يعطي أهمية قليلة للاجئين الفلسطينيين ولحقهم في العودة.

السياسة الغربية في الشرق الأوسط ظلت محصنة ضد التغيير إلى حد كبير

بينما تبين الأحاديث الخاصة مع صانعي السياسة الأجانب اهتماما وتفهما للأسباب الجذرية للصراع ولحقوق اللاجئين الفلسطينيين، ولكن ذلك يظل بعيدا عن صناعة السياسات الرسمية لحكوماتهم، فالأخيرة بقيت في إطار "خارطة الطريق" الرباعية، وبدون أية تدابير لإنفاذ القانون الدولي بعد صدور الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية بشأن الجدار العنصري الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ووفقا لـ"خارطة الطريق"، فإن اللاجئين الفلسطينيين يجب أن يتم حل مشكلتهم من خلال إيجاد "حل واقعي، عادل، منصف ومتفق عليه"؛ وهذه الصياغة تعكس نفس المنهجية غير القائمة على أساس الحقوق، ونفس اللغة التي تم استخدامها من قبل الحكومات الغربية بعد انهيار أول مؤتمر للسلام بين العرب وإسرائيل في أوائل الخمسينات من القرن الماضي.

رفع مستوى الإستراتيجية: كيفية التقدم للأمام؟

لقد توصل مركز بديل والمقيمون الخارجيين في الفترة الماضية إلى استنتاج يتطلب ضرورة زيادة نطاق وأثر الحملات، فقد جاء في توصيات التقييم ما يلي:

"يجب أن تنتقل النشاطات الشعبية لمركز بديل من "رفع مستوى الوعي" إلى مجالات أكثر صعوبة تتعلق بتغيير الاتجاهات والسلوك، وهذه العملية تتطلب تفاعل لمدة أطول ومتابعة أكثر مع الفئات المستهدفة، كما تتطلب التركيز على قضايا تهم المستفيدين بصورة مباشرة ويمكن معالجتها عبر تأثيرهم" (التقييم الخارجي، 2006، مع إضافة التأكيد).

واستنادا على ما ورد أعلاه؛ فإن العمل الفلسطيني المستقبلي من أجل حقوق اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين، وبشكل خاص حقهم في العودة؛ يجب أن يوفر إجابات على السؤال الأساس:

كيف يصل العمل من أجل حق العودة إلى مجال التأثير العملي بحيث يؤثر في المواقف ويغير في السلوك؟ في البداية بين صفوف الفلسطينيين، وبعد ذلك في أوساط الشركاء والفئات المستهدفة؟ وبعبارة أخرى:

كيف يمكن تحويل "حلم العودة" إلى مسألة يتم تصورها كهدف عملي وملموس؟

الحاجة لوجود رؤية واضحة وشاملة للحل:

خلصت العديد من النقاشات الإستراتيجية، بين الأطراف الفاعلة في المجتمع الفلسطيني، وفي جميع أنحاء العالم؛ إلى أن حملات أكثر فعالية من أجل سلام عادل في فلسطين/إسرائيل تتطلب رؤية جديدة على أساس الحقوق، تكون سهلة الفهم وتمتلك أبعادا أخلاقية قوية ومتماسكة. وقد أكدت حلقات الخبراء والمجموعات الدراسية على الشعور المشترك؛ بأن حق العودة الموضوع في إطار يعزله باعتباره قضية منفردة وبمصطلحات قانونية بحتة؛ غير قادر على تفجير الطاقات الإبداعية للشعب، وهذا نابع من كون الخطاب القانوني والتعبئة من أجل حق العودة وحدهما لا يستجيبان لاحتياجات الناشطين لرؤية واضحة وأخلاقية للحل الشامل المرغوب (هذه الرؤية تشبه كمثال عليها: "شخص واحد، صوت واحد" خلال النضال ضد نظام الأبارتهايد في جنوب إفريقيا)، أي رؤية فلسطينية لحل الصراع، في القلب منها قضية اللاجئين الفلسطينيين، ومواطني إسرائيل الفلسطينيين، وكذلك لليهود الإسرائيليين، رؤية تقوم على أساس العدل والمساواة في الحقوق للجميع، فمثل هذه الرؤية يمكنها أن تثير خيال وابداع نشطاء السلام وحقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، كما يمكنها تعزيز حق العودة والحملات من أجله.

الحاجة لفهم النظام الإسرائيلي بوصفة صيغة للأبارتهايد

يتوجب تعزيز التحليل القانوني للنظام التمييزي والقمعي الإسرائيلي على جانبي "الخط الأخضر"، ويجب زيادة الجهود التعليمية ونشر الحقائق من أجل إقناع الأطراف الفاعلة على المستويين المحلي والعالمي بأن النظام الإسرائيلي هو نظام مشابه لنظام الأبارتهايد وربما أسوأ مما كان عليه الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، والأبارتهايد هو جريمة بموجب القانون الدولي، وتأطير النظام الإسرائيلي من خلال الحقائق الجلية على أرض الواقع باعتباره نظاما استعماريا عنصريا مدانا ويتوجب إنهاءه من وجهة نظر القانون الدولي والسلام العالمي،  سيكون له أثر كبير في تعزيز الحقوق الفلسطينية، بما في ذلك مطلب اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم الأصلية، كما يبرز التزامات الدول والأطراف الفاعلة في المجتمع المدني ويدفعها للعمل من اجل إنهاء مثل هذا النظام، بما في ذلك كشفه وافتضاحه للجمهور على أوسع نطاق، والمطالبة باتخاذ التدابير القانونية والدبلوماسية، وحملات المجتمع المدني من أجل مقاطعة نظام الابارتهايد الإسرائيلي، وسحب الاستثمارات منه فرض العقوبات عليه حتى تنصاع دولته لأحكام القانون الدولي.

الحاجة لتطوير ممارسة وثقافة العودة


الأنشطة المختلفة (مثل البيانات والشعارات، المسيرات والتدريب) والتي تقتصر على رفع مستوى الوعي والتأكيد على حق العودة؛ لا تستطيع وحدها بناء ثقة الجمهور في أن العودة ممكنة وعملية، ولهذا، فمن أجل مشاركة أوسع وأعمق لمجتمع اللاجئين الفلسطينيين والجماهير الفلسطينية عموما، ينبغي على برنامج مركز بديل أن يوفر فرصا للتواصل والتشابك الثقافي والفكري الواسع مع حق العودة وحركة العودة، وتشجيع المبادرات التي تستكشف الخيارات والأبعاد العملية لعودة اللاجئين، وبناء القدرات من أجل التنظيم العملي للمجتمع وللحملات التي تستهدف تنفيذ الحقوق (تحديد أصحاب المسؤوليات والواجبات لتحملها). إضافة لذلك، فإن النشاطات المعتمدة على المجتمع يجب أن تكون استباقية، مستدامة، وتحقق نتائج ملموسة ومرضية على المستوى الشخصي، ومعترف بها علنا من قبل الجمهور.

برنامج تدريب وتفعيل الشباب (منذ عام 2005/2006)، جائزة العودة السنوية (منذ عام 2006/2007)، وبرنامج بديل لدعم المبادرات المحلية للاجئين والمهجرين الفلسطينيين (منذ عام 1998)، فضلا عن حملة المجتمع المدني الفلسطيني لمقاطعة اسرائيل، وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (منذ عام 2005)؛ كل هذه البرامج تم تحديدها واعتمادها كمكونات أساسية من خطة بديل الثلاثية المقبلة لسنوات 2008 – 2010؛ وذلك استجابة للمستوى الاستراتيجي الجديد للمركز، النابعة من المتطلبات المذكورة أعلاه.

الفرص التي تدعم برنامج بديل الجديد

    * لقد أدى ترسيخ الاستعمار الإسرائيلي، وتكريس اسرائيل للحقائق على ارض الواقع الى تخبط في رؤية القيادة الفلسطينية وغموض في نظامها السياسي؛ حتى أصبح الحل التفاوضي على أساس الدولتين، بما يعنيه من حق تقرير المصير للفلسطينيين وإقامة دولة ذات سيادة غير منقوصة في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، ينظر إليه على نطاق واسع بأنه لم يعد خيارا عمليا. كما أن التدابير التي تتخذها إسرائيل على جانبي "الخط الأخضر"؛ تكشف عن طبيعة النظام الإسرائيلي الذي أصبح يفهم بصورة متزايدة كصيغة للأبارتهايد والاستعمار، وهذه النظرة للنظام الإسرائيلي لم تعد مقتصرة على الفلسطينيين وبعض المجموعات الصغيرة ذات الخبرة بين اليهود الإسرائيليين والأفارقة الجنوبيين، بل أصبحت تنتشر بين أعداد متزايدة من الصحفيين والدارسين، والساسة المتقاعدين في الغرب والمستشارين، وكذلك المهنيين المتخصصين في حقوق الإنسان وفي برامج دعم التنمية وحقوق الإنسان خارج وداخل نظام الأمم المتحدة، إضافة إلى أطراف فاعلة في المجتمع المدني الفلسطيني، اليهود الإسرائيليين وعلى المستوى العالمي؛ وجميع هؤلاء يتقاسمون ويشتركون في فكرة الالتزام بحقوق الإنسان وفقا لأحكام القانون الدولي كما هو قائم اليوم، وهكذا، ينخرطون بصورة مكتفة أكثر في البحث عن رؤية سياسية جديدة على أساس الحقوق؛ يمكنها أن توجه المساعي الرامية إلى تحقيق سلام عادل في فلسطين/إسرائيل.

    * الاستخدام الواسع النطاق لمفهوم نظام الفصل العنصري والاستعماري وتطبيقه على الصراع؛ مما يؤدي لتسهيل فهم آليات التهجير القسري للفلسطينيين، وبالتالي دعم حقوق اللاجئين والمهجرين داخليا في العودة واستعادة الأملاك، لأن مثل هذا الإطار المفاهيمي:

-     يركز على النظام التمييزي القانوني والسياسي الإسرائيلي؛ باعتباره السبب الأساسي للصراع وهذا يقود إلى العام 1948 وسبب النكبة الفلسطينية والمسئولية عنها؛

-          يخلق جدل أخلاقي وقانوني ساخن حول المساواة والحاجة لإنهاء جميع أشكال التمييز.

-     يمهد لاستعداد متزايد لدى المنظمات الدولية والهيئات المتفرعة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة؛ من أجل الاعتراف بالتهجير القسري للفلسطينيين، واتخاذ إجراءات وقائية لوقف التهجير الجاري، والعمل على معالجة نتائج التهجير السابق ووضح الحلول.

-     يولد توافق متزايد (إجماع) في الآراء بين الأطراف الفاعلة في المجتمع المدني الغربي  حول مشروعية الضغط من أجل عزل إسرائيل، وحول الحاجة إلى إنفاذ أحكام القانون الدولي (كمثال: حملة المقاطعة، سحب الاستثمارات وفرض العقوبات؛ وحملة القانون مناسب محليا وعالميا/ وضمن الولاية القانونية العالمية)؛

-     تعزيز عملية إعادة التفكير في سيناريوهات وطرق الحل (خيار الدولة الواحدة مقابل خيار الحل القائم على دولتين) والتفكير في العلاقة بين الفلسطينيين واليهود الإسرائيليين في فلسطين التاريخية (الانتدابية).

    * تعتبر الذكرى الستينية للنكبة في عام 2008 بيئة مناسبة لزيادة اهتمام الجمهور بقضية اللاجئين الفلسطينيين وحقهم في العودة، على المستويات المحلية والعربية والعالمية. سواء من حيث سعة ونطاق ونوعية المشاركة وحجم العمل التنظيمي المطلوب على جميع المستويات، مما يوفر فرصا لتوحيد الجهود وتطوير القدرات التنظيمية للمؤسسات والمبادرات المحلية عبر التفاعل طويل الأمد بين العديد من الأطراف الفاعلة والمجتمعات المحلية وترافقها مع البعد العالمي للحملة الستينية للنكبة.

وأخيرا فان مسيرة عشر سنوات من العمل المتواصل لمركز بديل لم تكن ممهدة بباقات الزهور، بل كانت عشر سنوات محفوفة بالمخاطر، مر فيها المركز بعواصف قاسية في مختلف المجالات منها الإداري والمهني والفكري والسياسي، وهذا أمر مفهوم ومستوعب وكان الصبر والتحلي بالنفس الطويل ومواصلة العمل ليل نهار للتغلب على تلك المعضلات سمة الفرد والجماعة في عمل مركز بديل.

أي ان مركز بديل خاض تجربة فريدة في المزج ما بين العمل الوطني العام ونشطاء من خلفيات سياسية وأيديولوجية مختلفة وموزعة على اطياف اللون السياسي الفلسطيني، فما بالكم عندما يضاف اليها البعد الاممي الذي ساهم في تأصيل عمل بديل المفصل أعلاه، إن هذا الخليط الكيميائي البشري ليس من السهل التعامل معه وصهره لصالح برنامج حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، إلا أن النتيجة التفاعلية لتلك الأطياف المختلفة أنتجت نموذج متقدم في القدرة الإبداع والتميز في العطاء.

والسؤال الأخير هل يستطيع مركز بديل ان ينشر ثقافة العودة ووضع أرجل لها في الميدان المحلي والعربي والدولي على مدار السنوات العشر القادمة، انطلاقا من الإستراتيجية الجديدة التي حددها لنفسه؟!!

الإجابة برسم الزمن.

______________________

إنغريد جاسنر جرادات هي مديرة بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين. محمد جرادات هو منسق وحدة حملة الدفاع عن حقوق اللاجئين في مركز بديل، ومحرر مشارك في جريدة "حق العودة". وهما عضوان مؤسسان في المركز.