أخبار بديــل

تعديل المنهاج الفلسطيني وإقرار نظام المصادر المفتوحة استجابة لشروط استمرار التمويل من الدول الاستعمارية وتدمير للهوية الوطنية
تعديل المنهاج الفلسطيني وإقرار نظام المصادر المفتوحة استجابة لشروط استمرار التمويل من الدول الاستعمارية وتدمير للهوية الوطنية

(بيت لحم، ٧ آب ٢٠٢٦)

 

لم يعد خافيا ان ما قامت به السلطة الفلسطينية من تعديلات متتالية على المنهاج الفلسطيني خلال آخر عشر سنوات جاءت استجابة لمطالب الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة ونظام الاستعمار والابرتهايد الإسرائيلي. وان قرار وزارة التربية والتعليم الفلسطينية بشأن تبني نظام المصادر المفتوحة، يجيء اليوم ليمثل حلقة أخرى في سلسلة الخضوع لشروط تمويل السلطة الفلسطينية، خصوصا تمويل الاتحاد الأوروبي. وإن ما يساق من تبريرات ودعاية كالرغبة في تطوير النظام التعليمي وعصرنته بهدف تسويق هذا البرنامج ما هي الا محاولة لإخفاء الخضوع للمطالب الاستعمارية. إن التجارب العالمية للشعوب المستعمرة تكشف ان عصرنة المناهج التعليمية بموجب المعايير الاستعمارية سياسة استعمارية تهدف الى تجهيل تلك الشعوب وتدمير هوياتها الوطنية، والسيطرة على وعيها لتكريس الهيمنة الاستعمارية. وصدق المناضل الجنوب افريقي ستيف بيكو عندما قال: " إن أخطر سلاح بيد المستعمِر هو السيطرة على وعي المستعمَر".

 

pal-schoolbookيجري بديل حاليا بحثا معمقا يرصد التغييرات (التعديلات) المدخلة على المنهاج الفلسطيني منذ اكتماله 2006-2007 حتى اليوم. ويجيئ هذا البحث لتتبع مسار الضغوط الاستعمارية على السلطة الفلسطينية وتنازل الأخيرة المتدرج الذي بلغ حد القبول بقائمة التعديلات المعدة اسرائيليا باعتبار ذلك جزء أساسي من عملية اصلاح السلطة ولقاء استمرار التمويل او اعتراف بعض دول العالم بدولة فلسطين كما في حالة فرنسا. ان استهداف المنهاج الفلسطيني ليس حديثا، وقد تناول ذلك بديل في ورقته التي تحمل العنوان: نظام التعليم الاسرائيلي القائم على الاستعمار والفصل العنصري: استعباد عقول الفلسطينيين واستبعاد حقوقهم والتي رصدت بعض التغييرات بناء على قائمة التغييرات التي تم اعدادها من قبل ما يسمى "معهد رصد السلام والتسامح الثقافي في التعليم المدرسي" – Impact- se وهي مؤسسة إسرائيلية صهيونية. وقائمة هذا المؤسسة تتضمن أكثر من 470 تغييرا يجب "تنقية" المنهاج الفلسطيني منها؛ وذلك بدعوى انها عنصرية، او تحرض على اللاسامية والعنف، ولا تروج للسلام، والتسامح والتعايش. وكان الاتحاد الأوروبي ودول غربية أخرى قد اخذت بالتقرير وضمنته في قرارتها وربط تمويل السلطة بشرط احداث التغييرات المطلوبة. ورغم تجاوب السلطة مع ذلك، حيث بدأت تظهر الاستجابة بوضوح منذ العام 2018، لقاء تلقيها بعض التمويل، الا ان التغييرات المدخلة لم تفِ بمتطلبات النظام الإسرائيلي والدول الاوربية المتواطئة. وقد وصل الامر مؤخرا الى استدخال فكرة نظام المصادر المفتوحة للصفوف التأسيسية لتجاوز عقبة احداث التغييرات جملة واحدة. كما ان صفحة التعليم الإلكتروني، حيث تدرج وزارة التربية والتعليم المواد الدراسية للصفوف من الخامس الى العاشر، لا تتضمن مباحث الدراسات الاجتماعية والتربية الإسلامية، وهما بالإضافة الى مادة اللغة العربية، صلب موضوع التعديلات الاستعمارية المفروضة. 

 

اما عن نظام المصادر المفتوحة، فهو يعفي السلطة الفلسطينية من إعداد منهاج تفصيلي موحد ومطبوع، وينقل عبء التعليم على الأساتذة والأهالي عبر ما يسمى بنظام الحزم المتسلسلة للصفوف التأسيسية الأربع الاولى. هذا الاعفاء يحجب مسؤولية السلطة عن التعديلات المدخلة على المنهاج (وهي تعديلات تمس الحقوق الفلسطينية وتحجب السياق الاستعماري والحقائق وتلغي كل ما يتعارض مع الرواية الصهيونية)، ويبرر تقصيرها أمام المانحين في احداث التغييرات على المنهاج وفق المعايير الاستعمارية. يضاف الى ذلك ان نظام المصادر المفتوحة يتطلب مستوى عال جدا من توافر واتاحة التقنيات والأدوات والوسائط الإلكترونية في المدارس وللأساتذة والطلبة والأهالي.

 

ولعل مراجعة تراجع عدد من الدول الاوربية مثل السويد والدنمارك عن نظام التعليم الالكتروني والمصادر المفتوحة بعد سنوات من اقراره وتطبيقه لخير دليل على عقم النظام تعليميا وتربويا، ناهيك عن عجز هذا النظام عن بناء هوية وثقافة وقيم وطنية مشتركة للشعوب المستعمَرة كشعبنا. إذا كانت السويد، الدولة المستقرة التي لا تعاني من استعمار احلالي، ولا استهداف منظم لوحدة شعبها وهويته وحقوقه الوطنية، والغنية والمتقدمة تقنيا والتي وفرت في مدارسها كل البنى التحتية اللازمة من شبكات وقاعات ومختبرات، وقدمت لطلابها وللأساتذة كل الأدوات والوسائط مجانا قد اقرت بفشل النظام وعادت الى طباعة المنهاج في كتب ورقية موحدة، فإنه من الاجدى للسلطة الفلسطينية ووزارة التربية والتعليم مراجعة قرارها.

 

إن الادعاء بان ما يجري هو مجرد عصرنة المنهاج الفلسطيني او تكييف له مع معايير اليونسكو، ما هو الا تضليل، خصوصا وانه يتم التعامل بطريقة انتقائية مع مبادئ اليونسكو دون اعتبار للسياق الخاص بكل حالة. ان اليونسكو ذاتها وإعلان استقلال الشعوب المستعمرة، لا يدعوان الى التسامح مع المستعمِر والتعايش معه، إنما يدعوان صراحة الى احترام حق الأجيال في الدول المستعمَرة الى التعلم عن تاريخهم وحقوقهم بما يعزز هوياتهم ويحقق استقلالهم.

 

يدعو مركز بديل، والشبكة العالمية للاجئين والمهجرين الفلسطينيين الى الغاء قرار اعتماد نظام المصادر المفتوحة، ووقف مسلسل تكييف المنهاج الفلسطيني على المقاس الإسرائيلي عبر ما يسمى التعديلات سواء بإلغاء بعض الدروس، او حذف بعض العبارات والآيات والصور، والرسومات. كما يدعو بديل والشبكة الهيئات والمؤسسات الوطنية والأهالي للدفاع عن حق أبنائنا في التعلم، بما في ذلك التعلم عن تاريخ فلسطين والنضال الفلسطيني وحقوق الانسان وحقوقهم الوطنية. المناهج الوطني الذي لا يتضمن النكبة، والتهجير واللاجئين، والجرائم الصهيونية، والاستعمار، والعنصرية، والجدار، وسير الشهداء والأسرى والبطولات والحق في النضال والعودة الى الديار الاصلية وتقرير المصير ... وغيرها، قد يجلب بعض التمويل مؤقتا ولكنه يدمر شعبا الى الابد.