ما قيمة الوطن بلا إنسان يحمله في ذاكرته وقلبه؟
بقلم: نورما مصرية
حكاية لم تتوقف.
ثمة حكاية مرحة يتناقلها أبناء الشعب الفلسطيني في كافة أماكن شتاتهم!
فماذا تقول الحكاية؟
إنه لو جمعت المساحات التي يروي فيها الأجداد والجدات عن "الفردوس المفقود"، بما يشمل من بيوت، وبيارات، وأراضٍ، التي كانت لعائلاتهم في فلسطين، لبلغت مساحة الوطن العربي كله!
بنية هذه الحكاية الداخلية تعكس أمرين من ضمن حركة الواقع والتاريخ:
الأمر الأول: استمرارية الثقافة العفوية لدى اللاجئين الفلسطينيين، وحتى الجيل الرابع اليوم، رغم مضي 65 عاماً على رحلة اللجوء والتشرد والنفي.
الأمر الثاني: تعميق الشعور بالاستمرارية الزمانية قبل النكبة وبعدها، عبر استحضار التاريخ المشترك، والتضامن الجمعي للاجئين، تحديداً في المخيمات؛ الأمر الذي تبلورت معه الذاكرة الجماعية التي عملت على إدامة سردية الهوية المتخيلة للاجئين طيلة رحلة النفي. فالوطن في مخيال المنفى أداة توحيد وحشد، في غمرة صراع الوجود، حتى يبقى، طالما ليس بإمكان اللاجئون قلب معادلة القهر والرضوخ التي يواجهون أينما وجدوا!
وباختصار، فإن حياة اللاجئين الفلسطينيين هي، نسخة لزمان ومكان آخرين: "واقع له سطوة الذاكرة والحلم والحنين، وواقع آخر خاضع لسطوة الراهن، بما هي هموم معاشة، بدءاً من لقمة العيش، وصولاً لاستحقاق المقاومة وتوازنات الجغرافيا السياسية"، وفقاً لما يقوله نصار إبراهيم.
وفي السيرورة التاريخية للاجئ الفلسطيني نجد أن ذاكرة التحدي تسكنه، أو ما أسماه ادوارد سعيد "منطق الأضداد"، بوصفها ذاكرة تنطلق من المكان المؤقت والآني القاسي، مخيم/موقع اللجوء، لتسافر عبر الحلم إلى المكان الأم والأول. فالحنين المستمر إلى الزمان والمكان الأوليين، يأتي عبر التداخل والاختلاط، وعبر النبش في التاريخ، وفي الذاكرة بين مكانيين وبين زمانيين، فإدامة الهوية المتخيلة للاجئين، وبمعنى آخر "تقديس ما كان "أصبح المصدر لخلق ذهنية عامة ووعي الذات والعلاقة مع الآخر. وتسير آلية خلق الهوية المتخيلة للاجئين وفق المنحى التالي:
1) يعرف الناس في المخيم أنفسهم استناداً إلى القرية المنشأ في فلسطين؛
2) أداة تكوين الذاكرة الجمعية الشعبية تكمن في الأحاديث والقصص الشفاهية عن القرية.
3) تصبح الهوية المتخيلة غير منفصمة عبر صورة القرية المنشأ، بل أن صورة فلسطين تنطلق أساساً من صورة المكان الذي ينتمي إليه هذا الفرد أو ذاك.
وحسب سيادة المفهوم، فانه إذا بقيت الجماعة، فإن الثقافة تظل مستمرة، رغم حواجز العوامل الجغرافية؛ فالرؤى واحدة، واللغة مشتركة، وذات علاقة بتحقيق الحقوق الوطنية والسياسية وعلى رأسها حقهم الشرعي بالعودة.
النكبة مستمرة...
النكبة ليست تاريخاً فقط، بل هي حاضر مستمر في الوعي الفلسطيني الفردي والجمعي، ما دام "حق العودة" ما زال مطلباً مرفوعاً لم يتحقق بعد، وما دام الوجود الإنساني الفلسطيني على أرض فلسطين مهددا، بل الوجود الفلسطيني كهوية على تلك الأرض، ليؤكد يوماً بعد يوم عمق المعركة التي نخوضها شعباً وأرضا!
إن قوى النفي والحنين لدى اللاجئين عبر أربعة أجيال، كانت وما زالت النبراس الذي يضيء الطريق للاجئين، لاستمرار نضالهم والتزامهم المزدوج بشأن تحقيق مطالبهم وحقوقهم السياسية في العودة وتقرير المصير للشعب الفلسطيني بأكمله، لاجئين وغير لاجئين، ومن هنا تتجلى الهوية الحقيقية للاجئين، الذين أثبتوا من خلال فعاليتهم أنهم القوى القائدة لكل نضال، وحيث وضعوا الأساس، من خلال الثقافة التي استحدثوها في المخيمات، لتغيير جذري، من حق العودة إلى تطوير صياغة قومية فلسطينية حقه، ومن حقوق جماعة تعيش التشتت بكل معانيه، إلى حركة وطنية ذات إصرار على الإرادة الجماعية الواسعة لشعب بأكمله، ومعها تم بلورة هوية اللاجئ الحقيقية، حيث بات الشعور بالشخصية المستقلة من أهم مكونات العمل السياسي الفلسطيني، ضمن تصورات إستراتيجية ومرحلية، تمثلت، أولاً، برفض مبدأ التوطين الذي لم يتغير منذ عام 1948 وحتى اليوم، وثانياً، تصدر تجمعات اللاجئين الدور الفاعل، خاصة الشباب والأطفال، العمل النضالي الفلسطيني بالداخل والخارج، في مواجهة التهديد الدائم لوجودهم، واستهداف إنهاء قضيتهم بأي شكل من الأشكال. ومعها طوّر اللاجئون في المخيمات إحساسا أو حساً باللادوامية أو المؤقتية التي أصبحت فيما بعد مؤشراً لنشأة الوعي الفلسطيني وتطوره.
وفي هذا السياق، نستطيع القول أن نبوءة مجلة الثأرفي عددها بتاريخ 28 تشرين الثاني، 1955، وهي المجلة الفلسطينية الأولى التي صدر أول أعدادها بعد النكبة في عام 1952، قد صدقت، والتي كتبت تقول:
"النازحون العرب تحت خيامهم البالية في مخيمات الشقاء يستطيعون، إن أرادوا، أن يصبحوا قوة فعالة في تقرير مصيرهم ومصير الوطن الذي سلبه اليهود... إن حوالي مليون نازح عربي، عندما يقودهم شباب مخلص قادر، يستطيعون أن يصبحوا قوة تفرض إرادتها وتساهم في رسم مستقبل شعبنا".
توريث الحكاية والحق...
إن التأثير الذي مارسته وما زالت تمارسه العائلة الفلسطينية كنظام، يعتبر جزءاً رئيسياً في التنشئة السياسية للأجيال المتعاقبة من اللاجئين من خلال "توريث الحكاية والحق". إن العائلة الفلسطينية كجزء من الثقافة الشرق أوسطية التي أثبتت "استحالة شرخها أو كسرها"، كانت الوسيلة والدافع، اللذين من خلالهما استطاع الفلسطينيون التجاوب مع ظروف نفيهم وأزمتهم، وبالتالي، الارتقاء بغرض بقائهم. فمن خلال هذا المجتمع العائلي المتماسك، استطاع الفلسطينيون، كما قال ادوارد سعيد البقاء أمام عملية تدمير تاريخنا، بأخطائه المأساوية، وبمحنته وبممارسات وسياسات إسرائيل المدمرة. فالعائلة الفلسطينية أتاحت المجال للحفاظ على، وحماية، الهوية الوطنية الفلسطينية/الحس الوطني الفلسطيني. لقد أصبح التعليم أو التشريك السياسي مسؤولية العائلة والتي تعتبر من أهم مؤسسات التنشئة السياسية.
لقد وصف عاموس ألون دهشة الجنود الإسرائيليين عند اكتشافهم قوة الروابط الاجتماعية القائمة بين اللاجئين بعد دخولهم لعدد من مخيمات اللاجئين في الضفة الغربية في حزيران 1967، فكتب يقول:
"فعند دخول أحد الجنود الشباب مخيماً للاجئين، اكتشف أن الساكنين ما زالوا ينظمون أنفسهم في مساكنهم، كحمائل صغيرة أو كجيران، حسب المدينة أو القرية أو حتى الشارع الذي عاشوا به قبل تشتيتهم في عام 1948، مثل بئر السبع، الفالوجة، المجدل...".
محاولات تطبيع حق العودة
ولا غرابة، أن نجد الاحتلال الإسرائيلي منذ الأيام الأولى ما بعد حزيران 1967، يعمل جاهداً على تطبيع حق العودة بين اللاجئين الفلسطينيين، خاصة في مخيمات قطاع غزة. فقد أراني بعض اللاجئين في مخيم الشاطئ، في قطاع غزة، هوياتهم الإسرائيلية مشيرين إلى أن بلدتهم الأصلية لم يرد ذكرها تحت مكان الولادة في الهوية الإسرائيلية، على الرغم من أن هذه المعلومة أعطيت لهم حين قاموا بالإحصاء السكاني عام 1967؛ وبدلا من ذلك وضعت كلمة "غير مسجل". كما حدثني مبحوثون آخرون، كيف قامت السلطات الإسرائيلية بتغيير أسماء المخاتير، فبدلاً من أن يحمل المختار اسم بلدته الأصلية، أصبح يحمل الحرف الهجائي لوحدات المخيم (Block A, B, C..)، حيث كانت هذه الوحدات قبل عام 1967 تحمل اسم القرية أو المدينة الأصلية في فلسطين، حسب تجمع السكان في كل وحدة. ولا يسعنا المجال هنا، للتطرق إلى التدمير الذي ألحقه الاحتلال الإسرائيلي بالمخيمات الكبيرة في قطاع غزة في بداية السبعينيات، وإعادة إسكانهم في مشاريع توطين أقامها الاحتلال في القطاع، بغية تشتيت اللاجئين ناحية، وضرب مقاومتهم من الناحية الأخرى؛ فحسب إحصاء وكالة الغوث (الاونروا) فقد تم هدم 10.794 غرفة، تأثرت من جرائها 3.941 عائلة، ما مجموعه 24.067 شخصاً.
ماذا بانتظار اللاجئين الفلسطينيين؟
مما تقدم، وحين نقرأ وقائع النهج الواحد والثابت في السياسية الإسرائيلية تجاه قضية اللاجئين الفلسطينيين وعودتهم منذ عام 1948 وحتى اليوم، يتجدد السؤال هنا، والذي ما يزال في ضمير المستقبل، حول مصير اللاجئين في الداخل والخارج. خاصة، في ظل النوايا التوسعية للجانب الإسرائيلي بعد أن ثبت أن إسرائيل تضلل العالم حول مفاوضات السلام، وتختلق الذرائع لتبرير تجميدها، فما الذي ينتظر قضية اللاجئين الفلسطينيين؟
وينقلنا هذا إلى سؤال محوري، ماذا سيكون عليه موقف اللاجئين الفلسطينيين من الطروحات الأخيرة؛ خاصة الاستراتيجيات التي تحاك في الخفاء لمحاولات إسقاط قرار 194 (11) من على قرارات الأمم المتحدة، وإعلان يهودية الدولة، وأخيراً موضوع تبادل الأراضي، والذي من شأنها جميعاً تقويض الحق الشرعي للاجئين بالعودة والحقوق الأخرى ذات العلاقة بهذا الحق؟
يضاف إلى ذلك، ما أتخذ من قرار سياسي في ديوان رئيس الحكومة ووزارة الخارجية في إسرائيل في أيلول الماضي، والذي يقضي بأن "يتم شمل قضية اللاجئين اليهود من الدول العربية كواحدة من قضايا الحل الدائم في المفاوضات مع الفلسطينيين، منذ الآن"، حسب ما أوردت صحيفة هآرتس بتاريخ 23 أيلول، 2012.
علينا أن ندرك، أن لا وجه للمقارنة بين قضية اللاجئين الفلسطينيين، وهجرة اليهود العرب لإسرائيل، بما تحمل كلا التجربتين من طرفي نقيض للتمثيل الكولينيالي لمشروع الإمبريالية في فلسطين والمنطقة.
الأمن الإسرائيلي أولاً!
فالمشروع الصهيوني الإسرائيلي استهدف فلسطين كقاعدة ارتكاز لمشروعه في مواجهة الأمة العربية، بحيث لا يسيطر على فلسطين فقط، بل على الأمة جميعها ويبقيها متخلفة وضعيفة ومتفككة أرضا لنهبها.
وهي تهدف من ذلك، كما لاحظ الكاتب اللبناني محمد السماك، إلى تحقيق أمرين أساسيين:
الأول:تحويل العالم العربي إلى سوق استهلاكية للاقتصاد الإسرائيلي بهدف بناء ما أسماه شمعون بيرس بـ "الشرق الأوسط الجديد"، زاعما بأن هذا المشروع سيؤدي إلى رفع مستوى معيشة الشعوب العربية، ومن ثم القضاء على ما يسميه "إرهاب الأصولية الإسلامية".
إن بيرس، في هذا الطرح، لم يقدم صيغة للاندماج الاقتصادي العادل في المنطقة، وإنما صيغة واضحة جداً محدد فيها طرفاها الأعلى والأسفل، دون توافر أية علاقات متكافئة مع دول المنطقة.
الثاني:محاولة ضرب الشعوب العربية بأنظمتها مستندة إلى إستراتيجية الأمن الإسرائيلي التي لا تقوم على التفوق العسكري، وحتى النووي، على الدول العربية مجتمعة وحسب، ولكنها تقوم على الأمن العربي أيضاً، أي على تمزيق المجتمعات العربية إلى مجموعات طائفية ومذهبية وإثنية متقاتلة على النحو الذي يجري في شمال العراق وجنوبه، والآن في سوريا، وفي البحرين وغيرها من الدول العربية.
وفي هذا الطرح، كما يقول ناصيف حتي، فانه "يجري القفز فوق الهوية الجامعة للنظام العربي، للتعامل مع "دول"، وليس ذلك بالصعب طالما أن أهل البيت هم من اسقطوا سياج الهوية”.
عسكرة الحياة والوعي للشعب الإسرائيلي!
هنا على أرض فلسطين، فان الماضي والحاضر والمستقبل قد جرى غزوهما وتوفيقهما، فعبر الخصخصة الإلهية لشرعية الاستيلاء على الأرض وطرد سكانها، توظف سلطة المعرفة، وليس قوة السلاح فقط، لتشكيل وجدان ووعي الشعب "اليهودي"/الإسرائيلي لإضفاء الشرعية على سرقة وطن بكامله وإزالة الشرعية عن الفلسطينيين، عبر عسكرة الحياة والعقل، فيتم تغييب طرد الفلسطينيين في الوعي الأسطوري الصهيوني. الأمر الذي لا يتوافق مع محصلة المعرفة في النهاية، ألا وهي إكساب وتوجيه المواطنين في هذا الكيان نحو "معرفة الصحيح وعمل الصحيح"، دون أي تضليل لإدراكهم الشعبي، وتزييف لوعيهم أو حتى لاوعيهم.
واللافت أن هذا التزييف لم ينتهي لليوم، رغم ما كشفه المؤرخون الجدد من الإسرائيليين، أمثال إيلان بابيه، أفي شليم، وغيرهم، من زيف الرواية الصهيونية/الإسرائيلية حول طرد الفلسطينيين، وما تعرضوا له من تطهير عرقي في عام 1948 وما بعده.
فكتب يرون لندن في صحيفة يديعوت احرونوت (18/5/2011) في مقالة بعنوان: "مهندسو الذاكرة.. أكاذيبنا وأكاذيبهم!؟" حول تعبئة الزيف هذا، وحول تنشئة اليهودي/ الإسرائيلي على ثقافة التناسي والصمت المتعمد، كتب في مقالته، قائلاً:
"نحن نفرض وعينا على ذاكرتنا، هذه حقيقة من يعترف بها، لا يحب أن يضعها قيد الاختبار... فالأكاذيب تسمم الدم، ونحن نحب أن يُكذب علينا. هذه حقيقة عليلة".
هذه الثقافة حصيلة سوداء لا تقل فداحتها عن جريمة الاستيلاء على أرض فلسطين، ببحرها وسماءها.
من هنا، يمكننا أن ندرك لماذا ترفض إسرائيل حكومة وشعباً الاعتراف بمسؤوليتهم الأخلاقية عن تشريد عرب فلسطين من ديارهم؛ والذين هم لاجئون أحياء في المنافي والمخيمات لليوم. وشواهد العجز الأخلاقي منذ النكبة ولليوم أكثر من أن تحصى، وبحيث استحقت إسرائيل أن تكون الدولة الأكثر إدانة في قرارات الأمم المتحدة، بواقع 500 مرة وأكثر، وللسخرية، أنها، أي اسرائيل، الدولة التي حصلت على أكبر عدد من حق النقض (الفيتو) من قبل مجلس الأمن، بما يفوق المائة مرة.
دعاوي، هروب، إنكار...
ومثلّت، وما زالت تمثّل الدعاوي الصهيونية/الإسرائيلية منذ عام 1948 وما قبله، مرتكز سياستها العنصرية ضد الآخر. فعلى سبيل المثال لا الحصر، فقد شملت إدعاءاتها:
1) الحق التاريخي والديني في فلسطين؛
2) دعوى الأرض الفارغة؛
3) دعوى تمدين فلسطين؛
4) دعوى احتكار صفة الضحية؛
5) دعوى أنها الديمقراطية الوحيدة في قلب الشرق الأوسط؛
6) ادعاءها أنها جزيرة صغيرة في وسط عربي وفلسطيني معاد، وهذا الإدعاء الأخير يتناقض مع واقع إسرائيل كترسانة عسكرية متقدمة، تمتلك القوة النووية من ناحية، كما يتناقض مع صورة الضحية التي تتبناها لنفسها، وخاصة في ظل خوضها لثمانية حروب!
فتبنى إسرائيل لهذه الدعاوي، ما هو إلا أسهل الحلول للهروب من تناقضات الإنكار ونفي الآخر، ليشترك اليسار واليمين والوسط في حلم واحد بأن يختفي الفلسطيني، ويتشاورون: هل نقوم بترحيله مباشرة؟ أم بطريقة غير مباشرة؟ أم نرحله بصمت؟ أم نستخدم الترحيل الهادئ بدلاً من الترحيل الصامت؟!
وفي تفسير لمحمود درويش حول ديمقراطية وحداثة إسرائيل، يقول:
"إنه جسد حداثة مشوه يغير إسمه وملامحه في كل لحظة".
فحداثة إسرائيل تتراوح ما بين سؤال ما بعد الحداثة، في مجتمع ما قبل الحداثة، باستثناء حداثة المؤسسة الأمنية.
في مرحلة ما قبل النكبة وما بعدها، نحن دائماً الفريق الثاني للحركة الصهيونية وإسرائيل ومؤيديها. الجانب الآخر للجانب الآخر. وفرادة إقامة الكيان الصهيوني، إنه صنع صنعاً وغرس في أرض فلسطين بمنطق "حق القوة" والذي تمثله إسرائيل في سلوك تجاوز كل الحدود، ووصل إلى حد ممارسة غطرسة القوة تجاه الآخر!
هذا هو المسار التاريخي المعكوس لقيام إسرائيل، فهو مجتمع مسبق الصنع، حيث المؤسسة العسكرية الأمنية سبقت تواجد المجتمع الإسرائيلي خلافاً لما يعلمنا إياه التاريخ، بأن الأرض والبشر هما البداية في نشأة المجتمع فالمؤسسات فالدولة.
إن الواقع والخطاب واللغة المزدوجة التي تعيشها إسرائيل حكومة وشعباً، جعلها في غفلة عن نظرية "الكيد المردود" لأفعالها ضد الآخر كما تقول حنه ارندت، الذي من شأنه أن ينتهي بإلحاق الضرر بها ككيان!
وتفيد التجارب التاريخية، بأن أية إستراتيجية قائمة على فرضية معاكسة تماماً ستؤدي في الإحتمال الأغلب إلى إعطاء نتائج أخرى. فمحاولات إسرائيل لأن تتعامل مع قضية اللاجئين الفلسطينيين عن طريق الحل الاقتصادي لا السياسي، واشتراطها التطبيع أساساً ومدخلاً إلى التسوية، سيقود حتماً إلى الفشل، كونه قفز عن الحقوق السياسية للفلسطينيين بشكل عام.
تجربة جمعية بامتياز
أمام هذه التحديات الإسرائيلية القديمة، الجديدة نقول ونؤكد، إننا قد انتصرنا على مشروع إخراجنا من التاريخ ومن الأرض. وإن عمل المحتل على تهويد الأسماء ومعالم المكان التاريخية والأثرية والحضارية والبيئية، لكي تعطي صورة لشعبها وللعالم بأنها من حولّت "الصحراء [فلسطين] إلى جنة"، فلا مكان للاجئين الفلسطينيين الذين طردوا منها، فقراهم هدمت، ومدنهم تغيّرت، فالديمغرافيا والجغرافيا التي كانت ولّت.
فهل استطاع المحتل الإسرائيلي اقتلاع الذاكرة الجماعية للشعب الفلسطيني؟
الإجابة؛ حتماً لا..
إن الذاكرة بطبعها عدو للقهر، وما من قوة بقادرة على قهر الذاكرة أو دحر الوجدان، فالتجربة الفلسطينية امتلكت خصائص تجربة جمعية بامتياز...
فالفلسطيني جاء من هذا المكان، وليس إليه، يقف فيه، وليس عليه، إنه إنسانها الحقيقي، القادر على أن يكون واحد في جماعة وجماعة في واحد، وحارساً لعلاقة لا تنفصم بين هويته وهوية الأرض.
يقلق ماضينا المحتل الإسرائيلي الذي يفضل آلا يواجه الحقيقة الساطعة! لهذا أقلقهم ادوارد سعيد حيث شن هجوم منتظم على المحتل بالكتابة عن الماضي، الذي يرفض مواجهة ذاكرة جماعية تأبى النسيان...
وفي السياق نفسه، فإن وجود مخيمات اللاجئين هنا على الأرض الفلسطينية وفي الشتات، هو بمثابة كابوس يحاصر الإسرائيلي في نهاره وليله، فهم المفسدون للحلم الصهيوني. وأصبح نجاح حلمهم مقروناً بالحاق المزيد من الانتهاكات ضد الفلسطيني على الأرض الفلسطينية، بداخل الخط الأخضر وفي الضفة الغربية وقطاع غزة على حد سواء، من مختلف الجوانب.
هل هناك سوء تقدير إسرائيلي؟
لقد وقع المشروع الصهيوني في الخطأ في عدم التقدير السليم للمقاومة الشعبية للاجئين وغير اللاجئين من الفلسطينيين. ليقول للآخر: إننا نحن أبناء هذا المكان منذ الأزل وستبقى هنا، ومن المستحيل أن لا نكون هنا في أي لحظة قادمة.
لم يرضَ الإسرائيلي بشروط اللعبة، "لسانا بلسان، لا طائرة ضد طائر" كما يقول درويش، وأيضاً لا دبابة ضد حجر، ورصاصة ضد مقلاع...
إن المأزق الذي يواجهه الإسرائيلي ليس أقل فداحة من النكبة التي حلت بنا. فهي أبعد من أن تكون "جنة عدن"، حسب اليوتوبيا التي وضعها هرتسل لهذا الكيان. هذا أن تفسخ المجتمع الإسرائيلي من الداخل وتعمق مظاهر التقاطب والتباين فيه، إضافة، للضريبة الكبيرة التي يدفعها الاحتلال أخلاقياً من جراء سياساته الاحتلالية ضد المجموع الفلسطيني فكراً وعملاً. لتؤكد ما قاله يوسي سريد: "اعتقدنا بأننا احتلينا المناطق. واكتشفنا فيما بعد أن المناطق هي التي احتلتنا وليس بالعكس".
في رفقة الأمل القسري!
ولعلنا ما نحتاج له في الذكرى الـ65 للنكبة، أكثر من معرفة أن لنا حقاً
"في الغد،
تمرداً على الحاضر،
ودفاعاً عن شرعية وجودنا في الماضي" بحسب درويش مرة أخرى.
فالفلسطيني منذ نكبته يسير إلى هدف واضح، ألا وهو تحرير وطنه وتحرير نفسه. لقد شهدت الـ 65 سنة الماضية ملاحم شعبية من الصمود والمقاومة وتعبئة الطاقات لإنهاء النكبة، لكي نوفر لأجيالنا القادمة حق الحياة بحرية وكرامة.
إن تسونامي التضامن الدولي وحركات المقاومة السلمية على مدار سنوات خلت تضامنا مع الشعب الفلسطيني، قد كشفت عن الوجه الحقيقي لإسرائيل، لتشكك الرأي العام الدولي حول مصداقية الدعاوى والأكاذيب والأساطير الصهيونية/ الإسرائيلية السابق ذكرها.
وجواب لماذا ينقض علينا هنا معلنا:
إن الفلسطيني أتعب الأمل بإصراره على أن ينتقل "من موضوع يُشفق عليه، إلى ذات تُحسد"، بانتظار حريته القادمة غدا لا محالة، لانحيازه للأمل والحب والحياة، حتى يكون ما يريد أن يكون، وليس ما يريد غيرنا أن نكون.
إن التاريخ لا يتكرر لكنه يقدم دروساً، إن كل طموحنا في الغد أن ينتهي واقعنا غير الطبيعي الذي نعيش على مدار 65 أيار و46 حزيران. نرى أرضا تقل وسكانها يكثرون. ونراهم يقلعون ونحن نزرع، هم يهدمون ونحن نبني، هم يستهدفون تجهيل الفلسطينيين ومعه وجودنا ونحن نتعلم ونصر على البقاء. ما زلنا صامدين، نرفض أن نقبل التساوي بين الجلاد والضحية!
في 26 أيار من كل عام يعبر كافة الأستراليون في "يوم الأسف" عن أسفهم وندمهم على سوء المعاملة التاريخية السيئة التي تعرض لها السكان الأصليين للبلاد، الأبورجنيز، وقاد "يوم الأسف" إلى قيام الحكومة الاسترالية، بإزالة ما تبقى من المواد الدستورية التي تحتوي على تميز عنصري. والتعبير عن الندم وتقديم الاعتذار إلى "الجيل المسروق". وبهذا، كما قال رئيس الوزراء كيفين رود، ان الاعتذار سوف "يزيل وصمة عار كبيرة من روح الأمة".
لقد حان الوقت ان تدرك إسرائيل هذا الدرس... وذلك، لأن التاريخ يتحرك، وأن ما يحدث الآن ليس هو الصحيح، وليس هو النهائي.
---------------------
*نورما مصرية: باحثة وأستاذة مشاركة في علم الاجتماع السياسي- جامعة بيت لحم.