"أزمة سيناء" وأثرها على سيناريوهات تعديل اتفاقية السلام المصرية- الإسرائيلية
بقلم: أحمد بلال*
لم تكن الأوضاع الأمنية في سيناء في أفضل حال في عهد نظام مبارك، إلا أن التواجد الأمني المصري في سيناء، كان قد اختفى تقريبًا، بعد ثورة 25 يناير، وحالة الانفلات الأمني التي عرفتها مصر، الأمر الذي تحولت معه شبه الجزيرة إلى قاعدة انطلاق للجماعات المسلحة، سواء ضد الجيش الإسرائيلي، أو حتى الجيش والشرطة المصريين.
وساهم في ما سبق تقييد معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية لحق مصر في نشر قواتها في سيناء بشكل كبير، وتقسيمها سيناء إلى 3 أجزاء طولية، تقلص فيها تواجد القوات المسلحة المصرية في القسمين «أ» و«ب» بينما تحظره تمامًا في المنطقة «ج» الحدودية، على طول الحدود مع إسرائيل وقطاع غزة، وقصرت التواجد فيها على قوات شرطة مدنية، غير قادرة على التعامل مع المنطقة الحدودية لطبيعتها الجغرافية وديمغرافيتها القبلية.
تحول الوضع في سيناء إلى أزمة حقيقية، واختلفت طريقة إدارة كل من مصر وإسرائيل لما يمكن أن نطلق عليه «أزمة سيناء»، وهو ما من شأنه أن يؤثر ليس فقط على مستقبل معاهدة السلام، وإنما أيضًا على مستقبل سيناء نفسها.
ورغم إعلان القوات المسلحة والرئيس مرسي بصفته قائدًا أعلى لها، بدء العملية «نسر» لـ«تطهير سيناء»، إلا أن الأمر يزداد سوءًا، وهو ما تستغله إسرائيل لـ«شيطنة سيناء» أمام الرأي العام العالمي، ما يُمكنها بعد ذلك من التدخل العسكري فيها سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وما يمكنها أيضًا من الحصول على مكاسب في حال تعديل المعاهدة، بذريعة حقها في الدفاع عن نفسها.
مصر "الجماعة" والفرص الضائعة
تحولت سيناء بعد الثورة إلى معقل للعديد من المنظمات والجماعات الإرهابية والمسلحة، والتي قامت بالعديد من الهجمات، في ظل انسحاب كامل للأجهزة الأمنية للدولة، إن لم يكن للدولة بشكل عام، كان من بينها «هجمات إيلات» في أغسطس 2011، التي قتل فيها 6 إسرائيليين، وقتل 16 جنديًا مصريًا في رمضان الماضي، بالإضافة إلى الهجوم على مديرية أمن شمال سيناء ونقاط مراقبة أمنية في 16 سبتمبر باستخدام أسلحة ثقيلة نوعية.
أيضًا اقتحام عناصر مسلحة لمقر قوات حفظ السلام في طريق الجورة في شمال سيناء في 14 سبتمبر احتجاجًا على «الفيلم المسيء للرسول»، ما أسفر عن إصابة 3 جنود من كولومبيا، وإحراق عدة مركبات، والاستيلاء على معدات وأسلحة من الموقع.
إلى جانب تفجيرات خط الغاز الواصل لإسرائيل والأردن التي وصل عددها حوالي 15 تفجيرًا منذ بداية الثورة المصرية حتى 22 يوليو الماضي، وتكرار إطلاق الصواريخ من سيناء على أهداف داخل الحدود الإسرائيلية التي كان أبرزها في 17 يونيو و4 إبريل 2012.
سمحت إسرائيل بنشر كتيبتين، أي نحو 800 جندي في منطقة شرم الشيخ، بعد تدهور الأوضاع في سيناء، رغم منع اتفاقية السلام ذلك، وعلى الرغم من أن الجيش الإسرائيلي رفض في 6 فبراير 2011 طلبًا مصريًا ثانيًا بنشر المزيد من القوات، إلا أن إسرائيل وافقت في نهاية أغسطس 2011 على نشر 1500 جندي مصري في شمال وجنوب سيناء وفي رفح المصرية، في إطار ما عُرف باسم العملية "نسر". وفي 12 إبريل 2012 ذكرت صحيفة «هاآرتس» أن عدد الفرق التي أدخلتها السلطات المصرية إلى شبه جزيرة سيناء وصل إلى سبع.[1]
وعلى الرغم من سماح تل أبيب للقاهرة بإدخال قوات عسكرية إضافية لسيناء، وللمنطقة «ج»، على عكس ما تسمح به معاهدة السلام، إلا أن هذه القوات لم تتمكن حتى الآن من وقف العمليات المسلحة في شبه الجزيرة، أو منع وجود الجماعات الإرهابية، وهو ما أضاع على مصر فرصة طلب تعديل اتفاقية السلام، بعد تنصيب أول رئيس مصري بعد الثورة، وأضعف موقفها.
وقد حالت الاستحقاقات السياسية لبعض جماعات الإسلام السياسي التي تعتنق الفكر الجهادي، وأيدت الدكتور مرسي في الانتخابات الرئاسية، بين الرئيس، وهو نفسه القائد الأعلى للقوات المسلحة، وبين الحسم العسكري، وألزمته بالجلوس على مائدة المفاوضات مع هذه الجماعات في سيناء، باعتبار أن لها ظهيرًا سياسيًا في الوادي مازال متحالفًا سياسيًا مع الرئيس مرسي وجماعة الإخوان.
إسرائيل و"شيطنة" سيناء
على الجانب الآخر من الحدود، تناولت الصحف الإسرائيلية عددا من التقارير حول نشر كتيبة «كراكال»، ووحدة «ريمون»، وكتيبة استطلاع إضافية، ووحدة المستعربين، على الحدود مع مصر، بالإضافة إلى الإسراع في الانتهاء من السياج الحدودي الذي تقيمه إسرائيل على الحدود.
كما نشرت وزارة الدفاع الإسرائيلية الخطة «عوز» في 24 أغسطس 2011، والتي تتحسب لاحتمالات مواجهة عسكرية مع مصر بتأهيل القوات على اعتبار مصر جبهة مواجهات عسكرية، والاستعداد لنشر زوارق الصواريخ الجديدة «ساعر5» في البحر الأحمر لاستهداف قناة السويس، وتطوير منظومات التسلح، وزيادة الإنفاق العسكري.[2]
رفعت إسرائيل إنفاقها العسكري بعد الثورة المصرية أكثر من مرة، حيث كانت الميزانية المقررة للدفاع في عام 2011 تبلغ 53.5 مليار شيكل، إلا أنها وصلت إلى 60.7 مليار في ميزانية 2012، بعد الزيادات المتتالية، ثم تم إضافة مبلغ 1.67 مليار شيكل في 28 ديسمبر، بعد أسبوع واحد. وفي يونيو 2012 طلب الجيش ووزارة الدفاع من نتنياهو زيادة الميزانية العسكرية بمبلغ 15 مليار شيكل، أي ما يعادل ربع الميزانية.[3]
واتخذت إسرائيل أيضًا تدابير إضافية على حدودها مع مصر، ففي 5 نوفمبر 2011 قررت تغيير مسار طائراتها الحربية قرب الحدود المصرية، وفي 19 نوفمبر نشرت أجهزت استشعار عن بعد ترصد حتى 3 كيلومترات داخل سيناء.
إلى جانب ذلك، هدد القادة العسكريون الإسرائيليون في تصريحاتهم، بشكل واضح، باستخدام القوة العسكرية ضد مصر إذا اقتضى الأمر. في 15 فبراير 2011 أكد رئيس الأركان السابق، جابي أشكنازي على ضرورة «الإبقاء على مصر كحليف»، إلا أنه أكد أن «إسرائيل لديها خطة طوارئ حال قيام القاهرة بإلغاء معاهدة السلام». كما أعلن رئيس الأركان الحالي بني جانتس في 21 يونيو 2012، أن جيشه بات مستعدًا لتنفيذ عملية لوقف إطلاق الصواريخ وينتظر اللحظة التي يقرر فيها انطلاق العملية، وقال: «نحن على أتم الاستعداد للرد على أي اعتداء يهدد أمن إسرائيل، سواء من قطاع غزة أو الأراضي المصرية، التي باتت تشكل خطرًا أمنيًا كبيرًا».[4]
لجأت إسرائيل أيضًا إلى التهديد برد عسكري، يتخذ شكل العمليات النوعية. فبعد إطلاق صواريخ جراد على إيلات، في 5 إبريل 2012، قالت «هاآرتس» إن «إسرائيل أرسلت تهديدًا للقيادة المصرية أنها ستعمل بنفسها داخل سيناء، إذا لم تقم السلطات المصرية بكبح جماح الجماعات المسلحة هناك». وفي 15 إبريل 2012، كرر نتنياهو التهديد: «إننا نشاهد الآن سيناء قد تحولت إلى قاعدة للإرهاب، ونحن نعالج ذلك، ونقيم سياجًا أمنيًا، ولكنه لا يوقف الصواريخ، وسنجد حلًا لذلك أيضًا، سنستهدف أولئك الذين يعتدون علينا، لا يمكن منح حصانة للإرهاب ويجب أن نكافحه».[5]
عمل إسرائيل داخل سيناء أمر تعدى التهديد إلى الفعل على الأرض، حيث أوصى التقدير الاستراتيجي الصادر عن معهد أبحاث الأمن القومي الاسرائيلي، بالتعامل بحذر مع الأعمال التي تقوم بها إسرائيل في سيناء. وجاء في التقدير: «يجب أن تفهم إسرائيل أن كل عمل تقوم به في سيناء وقطاع غزة من شأنه أن يكون له تأثير كبير على العلاقات مع مصر، وأيضًا، عليها أن تدير سياسات حذرة جدًا تجاه التحديات الأمنية في كلتا الساحتين». وأضاف التقدير: «كل أنشطة إسرائيل تجاه مصر يجب أن تتم بالتنسيق الوثيق والتعاون مع الولايات المتحدة من أجل أن تساعد في التأثير على النظام المصري».[6]
"أزمة" سيناء واحتمالات تعديل الاتفاقية
تباينت الطريقة التي أدارت بها كل من مصر وإسرائيل «أزمة سيناء». فلجأ النظام المصري بقيادة الإخوان المسلمين إلى تغييب منطق الدولة في التعامل مع حالة الانفلات الأمني في سيناء، التي تحولت إلى وكر لجماعات إرهابية مسلحة، وغلبت منطق «الجماعة» التي ترتبط ببعض من هذه الجماعات باستحقاقات سياسية وانتخابية، وفضلت جماعة الإخوان الحاكمة التعامل مع هذه الجماعات من خلال الجلسات العرفية، عبر عدد من قيادات الإسلام السياسي، بدلًا من الحسم العسكري معها.
استغلت إسرائيل حالة الضعف التي يعاني منها النظام الحالي في مصر، في تعزيز قواتها في المنطقة الحدودية «د»، الواقعة على الجانب الإسرائيلي من الحدود، وعلى الرغم من أن كل هذه التعزيزات، التي تشير إلى استعداد إسرائيلي حقيقي للتدخل العسكري في سيناء، في انتظار الأمر فقط، كما قال بني جانتس، أو العمل داخل سيناء، يمثل انتهاكًا للمعاهدة إلا أن الحكومة المصرية لم تتحدث عن هذا الانتهاك، رغم مطالبة إسرائيل لمصر بسحب قوات إضافية أدخلتها سيناء دون موافقة وزير الدفاع الإسرائيلي، ويرجع الصمت المصري الرسمي إلى عوامل الضعف التي انتابت النظام في القاهرة، والتي حولتها إسرائيل إلى عوامل قوة في تعاملها معه.
نجحت إسرائيل في «شيطنة سيناء» أمام العالم، وأظهرتها أنها مصدر تهديد حقيقي على أمنها القومي، بسبب فشل النظام المصري في إدارة هذه الأزمة، وهو ما سيجعل موقفها أقوى في حال تعديل اتفاقية السلام، والتي ستتمسك بتضمينها موادًا تعزز التعاون الأمني مع مصر أكثر مما هو قائم.
عندما وضع الساسة الإسرائيليون شروطًا للانسحاب من هضبة الجولان كان من أهم هذه الشروط هو وضع أجهزة إنذار مبكر في الهضبة السورية المحتلة منذ عام 1967. وتسمح معاهدة السلام المصرية- الإسرائيلية لتل أبيب بوضع أجهزة إنذار مبكر في المنطقة «د»، وهي المنطقة الواقعة على الحدود مباشرة، فيما لا تسمح للقاهرة بوضع أجهزة الإنذار المبكر إلا في المنطقة «أ»، وهي المنطقة الواقعة على قناة السويس مباشرة، يفصل بينها وبين إسرائيل منطقتي «ب» و«ج».
ووضع أجهزة إنذار مبكر إسرائيلية في عمق سيناء قد يكون من أهم المطالب التي ستسعى إسرائيل لإضافتها في المعاهدة، في مقابل السماح بزيادة عدد جنود القوات المسلحة في سيناء.
أيضًا العمليات الإسرائيلية النوعية، والتي تقوم بها قوات إسرائيلية في سيناء، والتي يطالب الخبراء الأمنيون الإسرائيليون أجهزتهم الأمنية بالحذر من رد الفعل المصري عليها، قد تكون مطلبًا إسرائيليًا للسماح بتعديل المعاهدة، حيث يشمل التعديل اتفاقًا بأن يكون من حق إسرائيل ملاحقة من يقومون بالهجمات ضدها حتى لو داخل سيناء، وهو تعديل قد تدعمه الولايات المتحدة، باعتباره جزءا مما يسمى بـ«الحرب على الإرهاب» التي تقودها في العالم. وأيضًا اتفاقية دفاع مشترك إسرائيلية- مصرية ضد الجماعات «الإرهابية» في سيناء.
إن إدارة نظام الإخوان المسلمين لـ«أزمة سيناء» بعقلية الجماعة هو أمر لا يضعف فقط موقف مصر في قضية تعديل اتفاقية السلام المصرية- الإسرائيلية، وإنما أمر فيه خطورة على الأمن القومي المصري، حيث لا يتوقف الأمر على تحول سيناء إلى بؤرة إرهابية كبيرة فقط، وإنما يتعدى ذلك، إلى ما سيترتب على هذا الأمر من تداعيات، لا تقتصر أيضًا على إضعاف موقف مصر من تعديل اتفاقية السلام، ولكن تصل إلى استمرار قيام إسرائيل بعملياتها الاستخباراتية في سيناء، أو قد تصل إلى تدخل عسكري إسرائيلي في سيناء، قد يكون محدودًا أو موسعًا، وهو أمر صرحت به القيادات العسكرية صراحة.
على نظام الإخوان المسلمين أن يتعامل مع سيناء كقضية أمن قومي لا ورقة مساومة سياسية مع حلفاء سياسيين، وأن يعتمد الحسم العسكري ضد الجماعات الإرهابية، لا أن يعتمد على جلسات عرفية، والتزام باستحقاقات انتخابية، لمصلحة الجماعة لا الوطن، على نظام الإخوان أن يتعامل مع الأمر بمنطق الدولة لا منطق الجماعة.
أيضًا على هذا النظام أن يدرك أن تنمية سيناء ضرورة للأمن القومي المصري، والتعامل مع سيناء والتفكير فيها يجب أن يتم بمنطق المواطنة، لا بالمنطق الأمني، بمعنى أن هناك ضرورة لتواجد الدولة بكافة مؤسساتها التعليمية والصحية وغيرها في سيناء، وخاصة في المنطقة «ج»، وإعادة الاعتبار للمصريين أبناء سيناء، ودعمهم من أجل إقامة مشاريع تنموية تستوعبهم في شبه الجزيرة، لكونهم حائط الدفاع الأول عن الوطن، وتستوعب أيضًا أبناء الوادي الذين يجب أن يشاركوا جنبًا إلى جنب مع أشقائهم المصريين في سيناء في تعمير شبه الجزيرة واستغلال ثرواتها.
------------------------
*أحمد بلال: عضو المكتب السياسى لحزب التجمع الوطنى التقدمى الوحدوى ـ مصر، والمنسق العام لإتحاد الشباب الاشتراكى فى مصر [إئتلاف شبابى يضم الشباب الاشتراكى من التجمع ومن أحزاب أخرى ومستقلين]، صحفى بجريدة (المصرى اليوم) متخصص فى قضايا الصراع العربى الإسرائيلى.
[1]- المرجع السابق. ص 35.
[2]- محمد عبد الله يونس. حدود ومآلات التغير في العلاقات المصرية الإسرائيلية. المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية. القاهرة. http://rcssmideast.org
[3]- المرجع السابق. ص ص 48، 50.
[4]- المرجع السابق. ص ص 35، 45.
[5]- المرجع السابق. ص ص 50، 54.
[6]- שלמה ברום. מצרים אחרי ניצחון מחמד מורסי בבחירות. ערך אסטרטגי.כרך 15.גיליון 2.17 יולי2012.המכון למחקרי ביטחון לאומי.תל אביב.
شلومو باروم. مصر بعد فوز محمد مرسي في الانتخابات. تقدير استراتيجي. مجلد 15. عدد 2. 17 يوليو 2012. معهد أبحاث الأمن القومي. تل أبيب.