الحراك الشبابي الفلسطيني في سوريا: ربيع أزهاره لم تتفتح بعد

بقلم: رجا ديب*

تعيش المجتمعات العربية حالة من الحراك الشعبي، غير مسبوق في تاريخها المعاصر، بعد أن حققت استقلالها الوطني بجلاء القوات الاستعمارية عن أراضيها بعد الحرب العالمية الثانية. هذا الحراك الشعبي الذي تفجر في تونس أواخر عام 2010، ما لبث حتى انتقل إلى العديد من البلدان العربية (مصر، ليبيا، اليمن، سورياومحتمل أن ينتقل إلى بلدان أخرى، وبات يُعرف بالربيع العربي، في مسعاه للتخلص من الأنظمة العربية السائدة، كونها أنظمة قائمة على الاستبداد والفساد ومُصادرة الحريات العامة، لصالح أنظمة ديمقراطية تحفظ لمواطنيها كرامتهم وتحقق العدالة في بينهم، وتفتح أبواب التطور.

الربيع العربي هو ربيع الشباب العربي، فهم محركه ووقوده، يُلونوه بميولهم السياسية والأيديولوجية وانتماءاتهم التنظيمية والفكرية، هو ما يجعله كأزهار الربيع متعددة الألوان والأشكال، وهو ربيعاً لأنه كذلك.

 فأين الشباب الفلسطيني في سوريا من هذا الربيع؟

سوف نستعرض فيما يلي بعض المحطات لهذا الحراك الشبابي في سوريا، المرتبطة بشكل ما بالربيع العربي أو له دوره فيها.

بدايات:

مع اندلاع الانتفاضة الثانية في أيلول/ 2000 شهد الشارع الفلسطيني في سوريا حراكاً واسعاً مؤيداً وداعماً لها، فبادر الشباب لتشكيل لجان لتقديم المساعدة لإخوتهم في الضفة،[1] فجمعوا التبرعات وتبرعوا بالدم..الخ، وكانوا في مقدمة المظاهرات التي خرجت في مختلف المخيمات في سوريا، وكذلك في دمشق، واعتصموا في مبنى الأمم المتحدة بدمشق وأضربوا عن الطعام.

شارك الشباب بفاعليه في هذا الحراك من مختلف ميولهم السياسية وانتماءاتهم الفصائلية، وهو الأول من نوعه منذ خروج قيادة منظمة التحرير الفلسطينية من دمشق عام 1983، وظهر أثناءه الحراك الشبابي المستقل، غير المنتمي للفصائل. وقد تميز أولاً بالربط ما بين دعمه للإنتفاضة ودفاعه عن حق العودة، وثانياً برفضه لاتفاق أوسلو وموقفه النقدي للنهج السياسي للقيادات الفلسطينية، خاصة تلك التي أيدت اتفاق أوسلو.

بتراجع الانتفاضة الثانية وفشلها في تحقيق أهدافها، تراجع الحراك الشبابي الذي واكبها، وكانت السبب المباشر له، ومع انتهائها استمرت بعض تشكيلاته المستقلة تحت عنوان الدفاع عن حق العودة، وكلجان لهذه الغاية، لكن لم يستطع معظمها الاستمرار والمحافظة على دور فاعل لها على هذا الصعيد، كما كان الحال في دعم الانتفاضة.

مسيرة العودة:

في الأجواء التي خلقها الربيع العربي، نشطت مجموعات شبابية فلسطينية من مختلف مناطق التواجد الفلسطيني للشروع بمسيرة باتجاه حدود فلسطين الـ 48، مستخدمة وسائل التواصل الاجتماعي فيما بينها، كأدوات تواصل وإعلان، وقد انضم العديد من الشباب الفلسطيني في سوريا لهذا النشاط، وكانت قد بدأت الأزمة السورية آنذاك.

 نجح الشباب في بلورة حراك شبابي في الشارع الفلسطيني في سوريا،[2] محوره هذا النشاط، حيث تعددت آراؤهم حوله، فبعضهم متحمس له وآخرون متحفظون عليه، من منطلق أنه سيخدم النظام السوري في أزمته التي يعيشها مع التحركات الشعبية التي عمت مختلف المناطق السورية التي تطالب بالديمقراطية والحرية. واحتدم هذا النقاش حول هذا الموضوع بعد تصريح رامي مخلوف الذي ربط فيه ما بين أمن سوريا وإسرائيل، حيث استنتج منه أن سماح النظام السوري بالمسيرة للحدود يأتي في هذا السياق. فانقسمت المجموعات الشبابية في سورية ما بين من استمر في التحضير والإعداد للمسيرة إلى الحدود في ذكرى النكبة الثالثة والستون (15/5/2011) كجزء من تحرك شبابي فلسطيني عام، وبين من انسحب من ذلك وعمل لوقفها، كونها ستستخدم كورقة من النظام السوري في أزمته الداخلية.

حقق من استمر في الإعداد والتحضير للمسيرة نجاحاً في ذلك، حيث توجه الآلاف من الفلسطينيين ومن مختلف مناطق تواجدهم في سوريا ومنذ صباح يوم 15 أيار إلى الحدود مقابل بلدة مجدل شمس في الجولان، وكانت المفاجأة عندما تمكن الشباب من اجتياز الحدود والاشتباك مع الجنود الإسرائيليين والدخول إلى بلدة مجدل شمس، والاستقبال الذي حظوا به من أهلها. هذا التطور في المسيرة غير المتوقع وغير المخطط له أعطى للشباب دعماً معنوياً ودفعاً كبيرين، رغم سقوط ثلاثة شهداء وعشرات الجرحى، فالتشييع للشهداء الثلاثة الذي جرى في مخيم اليرموك لا يمكن مقارنته بعظمة مراسم تشييع إلا تشييع أبو جهاد (خليل الوزير).

جاءت مسيرة العودة الثانية التي عمل الشباب من أجلها بعد عشرين يوماً عن الأولى في 5/6/2011، في ذكرى النكسة، كانت هذه الأيام الفاصلة بينهما مليئة بنشاط شبابي غير مسبوق، أقاموا الخيام وفتحوا المجالس لمناقشة نتائج مسيرة العودة الأولى والنقاش حول الثانية.

شكلت مسيرة العودة الثانية صدمة للشباب بنتائجها، سقوط حوالي 30 شهيداً ومئات الجرحى دون تحقيق أي انجاز، ولد هذا غضباً عندهم، عبروا عنه في تشييع الشهداء، الذي جرى يوم 6/6/2011 في المخيمات الفلسطينية. فحول الشباب التشييع إلى تظاهرة عبروا فيها عن سخطهم على النظام السوري والقيادات الفلسطينية على حد سواء، وهذا ما حال دون مشاركة أي مسؤول سوري أو فلسطيني في التشييع على غرار المسيرة الأولى. وعندما أصر عضو المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ومسؤولها في الخارج الدكتور ماهر الطاهر على الانضمام للتشييع عند دفن الشهداء في مقبرة الشهداء في مخيم اليرموك، طلب منه مجموعات من الشباب بالخروج لكنه رفض فضرب بالحجارة، فاضطر للمغادرة.

حادثة مبنى الخالصة/ مخيم اليرموك

سادت حالة من الغضب عند المجموعات الشبابية التي تشكلت في إطار مسيرة العودة، عبروا عنها بالهتافات والشعارات التي رفعوها في تشييع شهداء مسيرة العودة الثانية يوم 6/6/2011 في مخيم اليرموك تحديداً، حيث كانت هذه المجموعات الشبابية تهتف وترفع شعار "بدنا نحكي علمكشوف فصائل ما بدنا نشوف.. بدنا نحكي علمكشوف قيادات ما بدنا نشوف". ومن ثم وبعد دفن الشهداء توجهوا إلى مبنى الخالصة التابع للجبهة الشعبية/ القيادة العامة، وكان فيه معظم قياداتها، بمن فيهم أحمد جبريل أمينها العام، وكانوا قد حضروا إلى مخيم اليرموك للمشاركة في تشييع الشهداء، وقام المتظاهرون بمحاصرة المبنى ومحاولة الدخول إليه، فتصدى لهم الحراس وحاولوا تفريقهم/ لكن دون جدوى.

استمر حصار المجموعات الشبابية لمبنى الخالصة من الساعة الخامسة بعد ظهر يوم 6/6/2011 إلى ساعات الفجر الأولى من اليوم التالي، وقدر عددها ما بين 700 و 800 شاب، وفشلت جميع الجهود والمحاولات التي بذلت من جهات وشخصيات فلسطينية مختلفة، كي يفك الشباب حصارهم لمبنى الخالصة، وتمكين المحاصرين من الخروج. كان مطلب الشباب خروج أحمد جبريل إليهم، وعندما لم يستجب لطلبهم قاموا بإشعال النار في المبنى، فتوتر الوضع كثيراً، حيث باتت حياة الموجودين في المبنى مهددة، مما دفع قيادة الجبهة لاستدعاء قوات من معسكراتها على عجل، وقامت بفك الحصار عن المبنى وإخراج المحاصرين، وكان نتيجة ذلك سقوط عدد من الضحايا والجرحى من الجهتين.

الشباب الفلسطيني ما بين الإغاثة والمساعدة والتضامن والمشاركة:

تفاعل الشارع الفلسطيني في سوريا مع التحركات الشعبية السورية المطالبة بالحرية والديمقراطية بشكل تلقائي، نتيجة حالة الاندماج التي يعيشها الفلسطينيون في سوريا بالمجتمع السوري على مختلف الأصعدة، السياسية والاجتماعية والاقتصادية. وانعكس هذا التفاعل الإيجابي بنزوح آلاف العائلات السورية إلى المخيمات الفلسطينية، بعد تحول الصراع ما بين طرفي الأزمة في سوريا إلى صراع مسلح، فاستقبلوا من قبل أهالي المخيمات كأشقاء وإخوة أعزاء. بادر الشباب في هذه المخيمات بتشكيل هيئات إغاثة لتقديم العون والمساعدة لهم،[3] ففتحوا المدارس وقاموا بتجهيزها لتكون سكناً لهم، ونشطوا لجمع التبرعات لتقديمها لهم، للتخفيف من مأساتهم. فتطوع العشرات من الشبان ليكونوا في خدمة النازحين لمخيماتهم على مدار اليوم.

لقد عكس الشباب الفلسطيني في عملهم الدؤوب لخدمة النازحين إلى مخيماتهم مدى التلاحم والتآخي ما بين الشعبين السوري والفلسطيني، بعيداً عن أي حسابات سياسية. فمعظم ما يقدم للنازحين في المخيمات هو بجهد شبابي تطوعي. وقد تعرض هؤلاء الشبان للاعتقال والملاحقة ولكل أنواع المضايقات في عملهم الاغاثي، وسقط منهم شهداء. لكن كل هذا لم يثنيهم عن مواصلة عملهم الإنساني تجاه إخوتهم النازحين السوريين والاستمرار في بذل جهودهم لتقديم العون والمساعدة لهم.

مقابل هذا النشاط الشبابي كان برز نشاط آخر شبابي مواز له منذ تفجر الحراك الشعبي في سوريا في آذار 2011، أصحاب هذا النشاط يرون أن حالة الاندماج التي يعيشها الفلسطينيون في سوريا مع أشقاهم السوريين تجعلهم جزءا من الحراك الشعبي السوري ومعنيون به مثل أشقائهم السوريين، فلم يعودوا ضيوفاً في سوريا، وإنما جزء من المجتمع السوري والحياة السورية على جميع الأصعدة. فأصحاب هذا الرأي التحقوا بهذا الحراك وعملوا من خلاله، سواء كمجموعات فلسطينية،[4] أو مع التجمعات السورية لهذا الحراك، ولا يزالون مستمرين في عملهم هذا.

انفجار مخيم اليرموك 12و13/7/2012:  

لمخيم اليرموك مكانة خاصة على صعيد قضيتنا الوطنية، فعدا عن كونه أكبر مخيم في مناطق اللجوء الفلسطيني، إذ يقيم فيه حوالي 155 ألف فلسطيني، فهو بمنزلة عاصمتهم السياسية. ففيه يتركز وجود الفصائل، وهو المركز لأي نشاط سياسي فلسطيني، وفيه مقبرة الشهداء التي فيها رفاة أكثر القادة الذين استشهدوا، ولهذه الأسباب وغيرها له رمزيته السياسية والوطنية على الصعيد الفلسطيني.

شهد مخيم اليرموك عدة تظاهرات شبابية متفرقة وصغيرة تأييداً للحراك الشعبي السوري، والجو العام في الشارع الفلسطيني في البداية كان إلى جانب هذا الحراك في مطالبه. جاءت مظاهرة التنديد بمقتل مجموعة من مجندي جيش التحرير الفلسطيني من أبناء مخيمي النيرب وحندرات في حلب في تموز 2012 والمظاهرة الكبيرة في اليوم التالي لتفتح الباب امام الصدام مع قوات الامن؛ حيث سقط عدد من الجرحى والشهداء، الامر  الذي تلاه حالة من التوتر والقلق خصوصا بعد دخول قوات الأمن إلى شارع فلسطين لفرض الهدوء ولإنهاء التظاهر. نتيجة لذلك، ظهر الأمر وكأنه انخراط فلسطيني واسع في الحراك السوري وكصدام فلسطيني سوري. 

سيطرة المعارضة المسلحة على مخيم اليرموك وحصار النظام السوري له:

في الشهر الأخير من العام المنصرم دخلت تشكيلات مسلحة للمعارضة السورية مخيم اليرموك، وسيطرت عليه بكامله، بعد أن طردت قوات اللجان الشعبية التي شكلتها الجبهة الشعبية/ القيادة العامة لحماية المخيم. ونتيجة ذلك قام الطيران السوري بقصف المخيم إلى جانب قصفه بالمدفعية، فنزحت غالبية سكانه، ومن ثم فرض حصار عليه من قبل قوات النظام السوري، لمنع دخول المؤن إليه بكل أنواعها، وليتحكم بالدخول إليه والخروج منه. بالمقابل فقد قامت بعض التشكيلات العسكرية للمعارضة التي دخلت المخيم بأعمال السرقة والنهب للبيوت والمحلات التجارية في بعض حارات المخيم التي نزح سكانها.

هذه الأعمال لبعض التشكيلات المسلحة ولدت حالة من الرفض لوجودها وسيطرتها على المخيم والتحكم به واعتباره منطقة محررة من قبله. فتراجعت حالة التعاطف الشعبية ما بين الفلسطينيين مع المعارضة السورية، وظهر الخوف عندهم على مصيرهم ومستقبلهم في سوريا. وأعاد النظر الكثير من الشباب الفلسطيني في موقفهم الداعم للحراك الشعبي السوري ووقوفهم لجانبه ولتشكيلاته المسلحة، وبعضهم يعيش حالة من الصراع الداخلي، فهو يرفض ممارسات النظام تجاه المخيم بفرض حصار خانق عليه وبنفس الوقت يرفض ممارسات التشكيلات العسكرية الموجودة في المخيم.

الخلاصة:

ما أتينا على ذكره هو محطات متفرقة لحراك شبابي فلسطيني في سوريا في أجواء الربيع العربي، القراءة الأولية له تظهر أنه يغلب عليه العفوية والآنية أكثر من التأطير والتنظيم. كما أن لكل محطة تعبيراتها الشبابية الخاصة بها والمرتبطة بها، تنتهي مع الحدث الذي ولدت عنه. كما يغلب عليه استقلاليته على الصعيد السياسي، ورفضه لنهج القيادة الفلسطينية بكل تلاوينها، وكذلك رفضه للحالة الفصائلية، ويُرجع إليها حالة التراجع والتدهور التي تعيشها قضيتنا الوطنية.

وإذا كانت أداة الربيع العربي هم فئة الشباب، فإن الشباب الفلسطيني في مختلف مناطق وجوده يسعى ليكون ذلك في ربيع فلسطيني، ليعيد لقضيتنا الوطنية حضورها على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، وعلى أسس وأدوات نضالية جديدة، مبنية على وحدة الشعب الفلسطيني وأهدافه الوطنية. والمحطات التي أتينا على ذكرها تدلل على أن هناك تململاً في الوسط الشبابي للتعبير عن نفسه وأخذ دوره على صعيد قضية شعبه الوطنية. فهو يبادر في كل مناسبة ليكون له دوره المستقل والمميز فيها، ويظهر استعداه للتضحية من أجلها. يبقى السؤال متى نشهد تفتح هذه الأزهار؟ سؤال مرتبطة الإجابة عنه بتطور الوضع الفلسطيني وبأي اتجاه.

---------------

*رجا ديب: مجموعة عائدون/سوريا

[1]- مثل: اللجنة المستقلة لدعم الانتفاضة، لجان الأرض، رابطة العودة،......

[2]- مثل: الائتلاف الشبابي الفلسطيني، الحراك الشبابي المستقل

[3]- مثل مؤسسات بصمة وجفرا وإيثار ونسمة العودة وتواصل، بالإضافة إلى الشبان الذين نشطوا من خلال المؤسسات التابعة للفصائل الفلسطينية، مثل: جمعية فلسطين الخيرية (حركة حماس) والهيئة الخيرية لإغاثة الشعب الفلسطيني (حركة الجهاد الاسلامي).

[4]- مثل: تجمع أحرار مخيم اليرموك، تنسيقية مخيم اليرموك، التجمع الفلسطيني لنصرة الثورة السورية، شباب فلسطين لدعم الثورة السورية، بالإضافة إلى التحاق العديد من الشباب الفلسطيني بالجيش الحر وجبهة النصرة.