"الأقلية" العربية الفلسطينية في إسرائيل: قضية جوهرية في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي1

بقلم: دانا ديبيترو*

استطراد تاريخي:

هناك قرابة 1.5 مليون عربي فلسطيني مواطن في دولة اسرائيل، حيث يشكلون ما نسبته 20% من مجمل سكان الدولة، وقد بقي هؤلاء، أو أجدادهم وأباؤهم في داخل حدود دولة اسرائيل بعد نكبة الشعب الفلسطيني عام 1948. ولا يمكن بأي حال إغفال حقيقة ما يتمتعون به من صلات وروابط قومية، ودينية، ولغوية، واجتماعية، وثقافية مع غيرهم من الفلسطينيين الموجودين في الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية والشتات. وكمواطنين إسرائيليين،
أو لنقل مواطنين في دولة اسرائيل، فإنهم يتمتعون بالقدرة على استخدام اللغة العبرية، وهم أيضا على اتصال بشكل ما مع الدائرة الأوسع للمجتمع الإسرائيلي.

وعلى الرغم من إعطاء الأقلية العربية الفلسطينية في اسرائيل حقوق المواطنة بعد نشوء الدولة، الا أن هذه الفئة من الشعب الفلسطيني خضعت لأوامر الحكم العسكري الإسرائيلي في الفترة الواقعة ما بين عامي 1948 و1966. ومنذ ذلك الوقت، استمر التمييز القانوني ضدهم، وخصوصاً في حقوقهم السياسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية. اليوم، يعتبر وضع "الأقلية" العربية الفلسطينية في اسرائيل موازياً لمستوى المواطنة من الدرجة الثانية، أو حتى يمكن تسميتها مواطنة قيد الاختبار. وكذلك مطلب الاعتراف بـ، او الانقياد مع الطرح القائل بان اسرائيل دولة يهودية، يعتبر بمثابة رسالة تميزية واقصائية بشكل صارخ لكل من هو غير يهودي من مواطني اسرائيل. وإمعانا في التمييز ضد العرب واستهدافهم، فان المناصب الرئيسية في الحكومة والدولة تمنح للأشخاص الأكثر عدائية للعرب، والذين يدعون لتجريد الفلسطينيين من المواطنة ومجمل الحقوق المترتبة عليها، وكذلك ترحيلهم الجماعي الشامل والقسري باتجاه الأرض التي سيقوم عليها مستقبلاً مشروع دولة فلسطينية.2

وتتبدى التفرقة العنصرية بشكل جلي في تعريف اسرائيل لذتها، من خلالها كونها "دولة يهودية وديمقراطيةوكذلك غياب كلي لدستور تشريعي أو عهد حقوقي مكتوب. وبحسب القانون الإسرائيلي، فان اسرائيل دولة "ديمقراطية ويهودية" في آن معا،ً3الا ان بنية الدولة القائمة في اسرائيل اليوم تصنف كدولة يهودية قائمة لأجل خدمة صالح ومصالح الأغلبية اليهودية فيها حصرا، وتمييزهم وتفضيلهم على كل من هو غير يهودي في الدولة، عبر سياسات الدولة وأدواتها التشريعية والقانونية، وكذلك قرارات وصلاحيات محاكمها ومؤسساتها الرسمية. وعليه، فإن الطابع اليهودي للدولة مستمر وقائم في اسرائيل على حساب الطابع والهوية الديمقراطية المفترضة، وهو أمر يهدد واقع المواطنة والمساواة في الحقوق المدنية والسياسية في اسرائيل.

التمييز الاقتصادي

يمارس التمييز الاقتصادي ضد العرب الفلسطينيين من مواطني دولة اسرائيل بشكل دوري وسنوي، ويظهر هذا التمييز بشكل واضح عند إقرار ميزانية الدولة السنوية. سنوياً، يقوم مركز "مساواة" بتحليل ميزانية التنمية الإسرائيلية، التي تساهم في قطاعات المجتمع الهامة مثل الإسكان، والأرض، والبنية التحتية بما في ذلك المواصلات. وقد وجد "مساواة" في تحليله للميزانية المذكورة، أن النسبة المخصصة لصالح العرب الفلسطينيين في اسرائيل لم تتجاوز يوما ما نسبته 6% من إجمالي الميزانية التنموية في اسرائيل. وهذا التتبع التحليلي للميزانية التنموية الإسرائيلية يتم عبر فحص ما تحصل عليه المجتمعات اليهودية ومؤسساتها من ميزانيات، مثل المؤسسات الثقافية الإسرائيلية، والمتقاعدين من الخدمة العسكرية في اسرائيل، والذين في غالبيتهم من اليهود، في مقابل ما تحصل عليه المجتمعات العربية. علماً أن كلا الفئتين من المجتمعات منفصل عن الآخر، بل يصح القول ان قلنا ان المجتمعات العربية معزولة وليست فقط منفصلة عن غيرها من المجتمعات اليهودية. وهنا ندرج بعض المعلومات الإحصائية من تحليل ميزانية عام 2012 التنموية والتي تظهر الآتي:4

وزارة الداخلية:يوجد في هذه الوزارة دائرة تخطيط مسؤولة عن المصادقة على "الخطط الرئيسية" أو مخططات المدن في الدولة، إذ لديها 5 ملايين شيقل من أصل 120 مليون شيقل، أو ما يعادل 32 مليون دولار، مخصصة للتخطيط في التجمعات الفلسطينيةفي غضون ذلك، فان الوزارة لم توافق بعد على مخططات 48 مدينة قدمت من قبل المجالس المحلية العربية الفلسطينية. ان إقرار هذه الخطط، إلى جانب التمويل اللازم للتنفيذ، هما متطلبان أساسيان للتطبيق من أجل حل إشكاليات الإسكان والنمو في المجتمعات العربية الفلسطينية. ونظراً لعدم وجود موافقة على هذه الخطط، فقد تم بناء أكثر من  36.000 منزل فلسطيني في المجتمعات المحلية العربية دون الحصول على التصاريح اللازمة للبناء، و اليوم تعتبر هذه المباني غير قانونية ومعرضة للهدم في أي وقت. 

وزارة الإسكان: بحيث تخصص ما يزيد عن نصف موازنتها للقروض السكنية المقدمة لصالح المستوطنين في الضفة الغربية والمهاجرين الجدد إلى اسرائيل، والذين تدعم إسكانهم واستيطانهم في كل من النقب والجليل المعروفتان كمنطقتي التركيز الأكبر للعرب في داخل اسرائيل. إضافة إلى ذلك، فان 1.7 مليون شيقل (455.000$) مخصصة لقروض الإسكان المتعلقة بالجنود المتقاعدين من الخدمة العسكرية. في المقابل، فلا يقدم قروض إسكان لصالح الفلسطينيين من حملة المواطنة الإسرائيلية.

إدارة أراضي إسرائيل:تخصص هذه الدائرة 400.000 شيقل (107.000$) باتجاه تطبيق "مخطط برافروالتي صودق عليها من قبل الحكومة الإسرائيلية عام 2011، وتنص على إخلاء وترحيل 70.000 بدوي فلسطيني عن أرضهم في صحراء النقب،5حيث اعتبرتهم الدولة بمثابة معتدين على الأرض،6وتعاملت مع القرى التي يقطنون فيها على أنها قرى أو تجمعات غير معترف بها من قبل الدولة وأجهزتها. وهذه الميزانية ستخصص لتغطية تكاليف ترحيلهم القسري ومنحهم التعويضات المستحقة.    

وزارة المواصلات:تخصص ما قيمته 12% من إجمالي موازنتها السنوية لبناء وتأهيل شبكات طرق في مناطق التجمعات العربية. وفي الوقت عينه، لا زال هناك أكثر من 40 مجتمعا محليا فلسطينيا داخل إسرائيل فاقدا لأي شكل من الاتصال بشبكة الطرق العامة.

وكنتيجة للمراجعة السريعة لجانب من الميزانيات الرسمية غير المتساوية في دولة اسرائيل، يتضح، حتى لزائر عابر لإسرائيل، مدى التمييز القائم في هيكلية الموازنات الإسرائيلية. حيث يمكن ملاحظة  ما يعانيه العرب الفلسطينيون من اكتظاظ سكاني، هدم للمنازل، وطرق غير صالحة، وتدني مستوى خدمات الدولة وخدمات البنية التحتية لمستويات تقل كثيراً عما هي عليه في التجمعات والمناطق اليهودية. وليس من المستغرب أن تجد أكثر من نصف السكان العرب يعيشون تحت خط الفقر في اسرائيل، بينما تبلغ نسبة اليهود ممن يعيشون بمستوى معيشي دون هذا الخط 15% من مجموع السكان اليهود.7 

التمييز السياسي:

على الرغم من تمتع المواطنين العرب في اسرائيل بالحق في المشاركة السياسية بشكل قانوني، إلا أن المجتمع العربي في اسرائيل يواجه العديد من المعيقات والعقبات التي تحول دون تحقيق تمثيل سياسي متساوي له في الأجسام والتشكيلات السياسية. احد المعيقات الرئيسية ما يواجهه أعضاء العرب في الكنيست الإسرائيلي، سواء كان ذلك بالاعتداءات اللفظية، وأحيانا الجسدية، أو بكيل التهم القانونية بحقهم مثل ملاحقتهم بتهم فضفاضة من نوع الإرهاب والخيانة للدولة. شكل آخر من هذه المعيقات يتمثل في محاولة بعض القوى والأحزاب السياسية الرئيسية في اسرائيل منع مشاركة الأحزاب السياسية العربية وأعضاء الكنيست.

وزير الخارجية الإسرائيلي "افيغدور ليبرمانرئيس حزب "اسرائيل بيتناوالحاصل على اكبر عدد من مقاعد الكنيست في انتخابات 2013، بالتحالف مع حزب الليكود، معروف، بحملته العنصرية الواسعة ضد النواب العرب في الكنيست والمجتمع العربي ككل، بل يمكن القول ضد كل ما هو عربي أيضاً. في عام 2006، وخلال خطاب له في الكنيست، دعا "ليبرمان" لمحاكمة ثلاثة من الأعضاء العرب في الكنيست الذين قاموا بزيارة سورية، إذ صرح بأنه "يجب محاكمة هؤلاء المتعاونين مع العدو تماماً كما تم التعاطي مع مجرمي الحرب النازيين".8وخلال مؤتمر صحفي له في العام 2009، أعلن "ليبرمان" بأن أعضاء اثنين من أعضاء الكنيست العرب، أحمد الطبيي ومحمد بركة، يشكلون خطراً على إسرائيل