الفلسطينيون في لبنان: نحو نضال مشترك

بقلم: د. سعود المولى*

شكل اللاجئون الفلسطينيون في لبنان عام 1948 حوالي 13.8 % من مجموع اللاجئين الفلسطينيين، والذين قدر عددهم من قبل لجنة الأمم المتحدة الخاصة بفلسطين، والمعروفة باسم لجنة "كلاببحوالي 760 ألف لاجئ. وجاء ذلك في تقرير اللجنة المقدم للجمعية العمومية للأمم المتحدة عام 1949، وقد تبنت الأونروا عند مباشرة مهامها عام 1950 أرقام اللجنة المذكورة.

وبخصوص اللاجئين الفلسطينيين الى لبنان؛ أفاد تقرير لبعثة الشبكة الأوروبية المتوسطية لحقوق الإنسان أنه من شمال فلسطين (حيفا وعكا وصفد) لجأ قرابة 300.000 شخص إلى كل من سوريا ولبنان في الفترة من أبريل/ نيسان 1948 وحتى آب/ أغسطس 1948. وبحسب معلومات متضاربة استقيتها من مصادر فلسطينية ولبنانية مختلفة، تراوح عدد الذين نزحوا الى لبنان عام 1948 ما بين 100 ألف و130 ألف لاجىْ فلسطيني. قدموا من منطقة الجليل (عكا- بيسان- الحولة- صفد- الناصرة- طبريا- حيفاونزح قسم من مناطق يافا- اللد- الرملة مع أقلية نزحت من القدس وجوارها وقسم من الضفة الغربية (نابلس- جنين)، وان كانت نسبتهم قليلة. والسبب الرئيسي لتوجه هؤلاء إلى لبنان يعود الى قرب الحدود اللبنانية من قراهم ومناطق سكناهم، وهم كانوا يأملون أن تقوم الجيوش العربية بطرد العصابات الصهيونية خلال فترة قصيرة جداّ .كما ان حالة التزاوج والمصاهرة بين سكان الجليل وشمال فلسطين عموماّ واللبنانيين، كانت ظاهرة واضحة نجد خلفياتها في التواصل والتبادل التجاري بين عكا وصيدا في جنوب لبنان (يوم كانتا ولاية واحدة أيام الدولة العثمانية ).

 في حين كان يلجأ العديد من الفلسطينيين إلى لبنان للاصطياف، هذا عدا عن وجود الأسواق التجارية الحدودية التي كانت تجمع بين مواطني لبنان وفلسطين وسوريا. ويمكن القول إن الحدود بين فلسطين ولبنان تحت الانتدابين البريطاني والفرنسي لم تكن مغلقة أمام حركة المواطنين من البلدين، ويشهد على ذلك النسبة العالية من اللبنانيين الذين كانوا يعيشون في فلسطين. فقد كانت الجالية اللبنانية من أكبر الجاليات في فلسطين قياسا بغيرها من الجاليات العربية، حين كان ميناء حيفا وشركة النفط فيه وغيرها من الاماكن تشكل نقاط جذب للعمالة اللبنانية. كما إن التسامح الديني في أواسط الفلسطينيين شكل عامل اطمئنان لدى الكثير من اللبنانيين الذين لجأوا إلى فلسطين بسبب اضطرابات طائفية في مراحل سابقة لنكبة 1948. انعكاسا لهذه العلاقة المميزة بين لبنان وفلسطين، فقد كان في فلسطين ثلاث قنصليات لبنانية في كل من القدس، حيفا، ويافا، إضافة إلى وجود قنصل عام لتسيير أمور الجالية اللبنانية في فلسطين تحت الانتداب. وقد تبلورت أماكن انتشار المخيمات والتجمعات الفلسطينية على أساس قروي وعائلي (خصوصاً قرب بيروت وصور وصيدا وطرابلسأو على أساس الانتماء الديني (تبرعت الأوقاف الأورثوذكسية بأرض أقيم عليها مخيم مار إلياس غرب بيروت في حين سمح للاجئين الكاثوليك بالاقامة في منطقة ضبية شرق بيروت على أرض للوقف الكاثوليكي). وكان مخيم البص أول المخيمات التي استقبلت اللاجئين نظراً الى انه كان جاهزاً للعمل بسبب بنائه واستخدامه سابقاً لايواء اللاجئين الأرمن. وقد بقي عدد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان من الألغاز المحيرّة؛ إذ لا توجد أرقام نهائية لدى الجهات المختلفة؛ سواء أكانت الدولة اللبنانية أم المنظمات الدولية أم منظمة التحرير الفلسطينية.

 الارقام حول الفلسطينيين في لبنان هي قصة بحد ذاتها:

قدرت جمعية الهلال الأحمر الفلسطيني عام 1992 عدد فلسطينيي لبنان بـ 600 ألف لاجئ. ولأسباب مختلفة تماما، أهمها إظهار عدم قدرة لبنان على استيعاب أعداد وفيرة من الفلسطينيين، يميل الرسميون اللبنانيون الى تضخيم عدد الفلسطينيين اللاجئين في لبنان، حيث صرح الوزير اللبناني السابق المرحوم شوقي فاخوري (الذي كان عضوا في اللجنة الوزارية المكلفة بالحوار مع الفلسطينيين) بأن عددهم في لبنان يتراوح بين 400 ألف و 500 ألف نسمة. وكان المدير العام السابق لمديرية شؤون اللاجئين الفلسطينيين في وزارة الداخلية اللبنانية السيد يوسف صبرا اعتبر في آخر سنة 1982 ان العدد الإجمالي للفلسطينيين بلغ قبل الاجتياح “الإسرائيلي” حوالي 650 ألف. وبغية الإقلال من أهمية قضية اللاجئين بحد ذاتها يأخذ “الإسرائيليون” بالتقديرات الأكثر انخفاضاً. "موشي افرات" مثلا، خلص في مقالة خصصها لدحض ما يعتبره تضخيما لأعداد الفلسطينيين في لبنان الى أن عددهم سنة 1982 كان في حدود 203 ألف نسمة. أما وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الاونروا) فقد أفاد تقديرها لسنة 1992 أن عدد اللاجئين في لبنان المسجلين لديها بلغ 319.427 نسمة وأنه كان 127.600 نسمة سنة 1950 وقد بلغ عدد الفلسطينيين في لبنان حوالي 387 ألف نسمة بحسب احصاءات المسجلين لدى الاونروا نهاية العام 2003، يضاف اليهم حوالي 41000 نسمة وهم الفلسطينيون المقيمون في المخيمات وغير المسجلين لدى الاونروا، منهم 26000 نسمة حصلوا على وثيقة سفر من شؤون اللاجئين في وزارة الداخلية في لبنان، و 15000 فلسطيني ليس لديهم اي اوراق ثبوتية وهم محرومون من خدمات الاونروا (باستثناء التعليموبسبب عدم تجديدهم لاقاماتهم يتعرضون للملاحقة أو لغرامات كبيرة من قبل الدولة اللبنانية، رغم انهم دخلوا الى لبنان بطريقة مشروعة، وكان اتفاق القاهرة (1969) الذي قامت الدولة اللبنانية في ما بعد بالغائه من طرف واحد، قد نظّم وجودهم في لبنان.

أطفال مخيم عين الحلو في لبنان - مركز بديل، 2011

اللاجئون الفلسطينيون والوضع اللبناني:

لم يمض على استقلال لبنان أكثر من 5 سنوات، حتى كانت نكبة فلسطين زلزالاً على حدوده الجنوبية استمرت تداعياته الى يومنا هذا. ذلك ان البلد الصغير، الحديث التشكيل، المعقد التركيب، الدقيق التوازنات، وجد نفسه في خضم  أمواج عاتية لا قدرة له على خوض غمارها. ولم يكن الامر ليتعلق فقط بأفواج اللاجئين الهاربين الى جنوب لبنان من مجازر عصابات الصهاينة، وقد كان لبنان الرسمي والشعبي حريصاً على التضامن والتعاطف معهم. فحين وقعت النكبة ردد لبنان كله كلام وزير خارجيته حميد فرنجية وصرخته الإنسانية: "نستقبل في لبنان اللاجئين الفلسطينيين مهما كان عددهم ومهما طالت اقامتهم، ولا يمكن أن نحجز عنهم شيئاً ولا نتسامح بأقل امتهان يلحقهم دوننا، وما يصيبنا يصيبهم وسنقتسم في ما بيننا وبينهم آخر لقمة من الخبز". وبالفعل بادر لبنان حكومة وشعباً وعلى رأسه رموزه الكبيرة مثل رياض الصلح وبشارة الخوري وحميد فرنجية وكمال جنبلاط وصبرى حمادة وعادل عسيران وأحمد الأسعد ومعروف سعد، إلى تشكيل فرق الدعم والانقاذ التي عملت مع الصليب الأحمر ومع الجمعيات والهيئات الأهلية على إغاثة اللاجئين وتقديم العون لهم. وبلغ إجمالي ما صرفته الحكومة اللبنانية على المساعدات يومذاك 5،2 ملايين ليرة من أصل موازنة تقدر بسبعين مليون ليرة لبنانية.

وبلغ التضامن والتأييد اللبناني للفلسطينيين أن الجيش اللبناني شارك في المعارك ضد الاسرائيليين عام 1948 كما أن مئات المتطوعين اللبنانيين خاضوا المعارك بكل تضحية وشجاعة إلى جانب إخوانهم الفلسطينيين. ولم يتوان اللبنانيون عن فتح منازلهم للاجئين وتقديم كل ما أمكن تقديمه إليهم، وهذا ما فعلته المؤسسات الحكومية والمنظمات والجمعيات. لا بل ان هذا التعاطف استمر طوال الخمسينيات حيث كان اللبنانيون يرافقون المتسللين الفلسطينيين الى ديارهم المحتلة لتفقد منازلهم وأرزاقهم.

وبين آذار وأيار 1948، وصل نحو 52 ألف لاجىء فلسطيني إلى مناطق لبنان الجنوبية، وتلاهم نحو 15 ألفاً بين حزيران وتموز من العام نفسه. وفي صيف العام 1949 بلغ عدد اللاجئين الفلسطينيين إلى لبنان نحو 130 الف نسمة.

ولسنوات، عاش اللاجئون الفلسطينيون، مثلهم مثل كل العرب، على وهم قدرة الجيوش العربية على سحق "فلول العصابات الصهيونية". ورغم الهزيمة واتفاقت الهدنة، لم يفارق اللاجئون أمل وحلم العودة القريبة، وتشبثوا بالانتظار في خيام نصبت لهم خارج بيروت -وبعيداً عن المناطق المسيحية-. ولم تنشأ المخيمات حول بيروت في صبرا وشاتيلا وبرج البراجنة والضبية وتل الزعترالنبعة والمسلخ- الكرنتينا وغيرها، إلا في مرحلة متأخرة وبسبب احتياج الصناعة اللبنانية الفتية الى يد عاملة رخيصة تفتقر في الوقت نفسه الى حقوق أو ضمانات.

الا أن الأهم في منعطف 1948-1949 كان في افتتاح عصر جديد سمته الرئيسية الحرب الباردة بين الجبارين (موسكو وواشنطن) والتي كانت حرباً ساخنة في العالم الثالث (من كوريا وفيتنام الى افريقيا والشرق الاوسط). والسمة الثانية المميزة لذلك العصر كانت سمة الانقلابات العسكرية التي كانت البلاد العربية ساحتها الرئيسة وخصوصاً سوريا (منذ العام 1949). والسمة الثالثة النابعة من السمتين الاولى والثانية تمثلت في الانقسام العربي الذي تعاظم بعد انقلابات سوريا والعراق ثم بوصول العسكر الى الحكم في مصر(1952).

التأثير المباشر والاكثر أهمية لكل هذه التطورات أصاب اللاجئين الفلسطينيين في لبنان؛ فبعد سنوات قليلة من شهر العسل تفجرت الاورام على وقع دور فلسطيني في اغتيال الرئيس رياض الصلح (16 تموز 1951)، ثم الملك الاردني عبد الله الاول (20 تموز 1951) وأيضاً في المحاولة الانقلابية الفاشلة للقوميين السوريين (آخر عام 1961). وترافق ذلك مع بداية انتشار لحركة القومييين العرب في مخيمات لبنان (على يد جورج حبش ووديع حداد) ثم لحزب البعث العربي الاشتراكي، ومن بعدهما للكثير من المنظمات والحركات الثورية والقومية، بحيث صارت المخيمات مركزاً للنشاطات الراديكالية على أنواعها. وهكذا فان السلطات اللبنانية صارت تخشى من النتائج السياسية والأمنية والاقتصادية التي يمكن أن تعكسها قضية اللاجئين الفلسطينيين، خاصة بعد اتضاح حجم الكارثة التي سببها الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين وطرد سكانها، والدعم السياسي الذي كانت تتلقاه الدولة الصهيونية من الغرب. وفي تلك الآونة بدأت مشاريع ومخططات توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان تظهر من خلال ممارسات المنظمات الدولية، وهذا ما أقلق اللبنانيين على مستقبل المعادلة الطائفية في البلد، ودفع الدولة اللبنانية إلى التعاطي أمنيا مع قضية اللاجئين، حيث باتت الأجهزة الأمنية