بقلم: رنين جريس*
تقع البروة على بعد عشرة كيلومترات شرقي مدينه حيفا. سكنها حتى عام 1945 ما يقارب ال (1460) نسمة، هجّروا قسرا إلى القرى المجاورة وبعضهم الآخر إلى لبنان. هي قرية الراحل محمود درويش وقرية شاعرات وشعراء آخرين ولدوا وكبروا في أزقتها وتحت ظلالها.
عن حكاية القرية وترحيل أهلها حدثنا عبد الرحمن محمد احمد كيال- أبو فهيم (مواليد 1930)، مهجّر من البروة ويسكن في قرية جديدة في الجليل الأسفل.
"انشاالله راح نرجع نبني الكنسية ونبني جامع جنبها":

"البروة قضاء عكا، في قضاء عكا كان في حوالي 54 بلد. البروة موجودة على موقع عال. سكن فيها مسيحيين ومسلمين. بالبروة كان 3 مخاتير. اثنين من الإسلام، محمد صالح المختار أجا محل أبوه بزمن الانجليز، وواحد اسمه حسن الدرويش (أبو نظيم). مختار المسيحية كان جاد الرضوان، أبو كريّم سكس.
المسجد والكنيسة كانوا ع زمن تركيا، بذكر المؤذن وإمام للجامع صالح الخطيب كيال، كان يقبض مدّ قمح من كل بيت. لما أجت اليهود نسفوا الكنيسة والجامع. المسجد نسفوه مع الدور لأنه ما كان عليه قبة. بس مثلا معصرة دار الإدلبي خلوها لأنه كانت على شكل قبة وفكروها مكان مقدس. بالبروة في مقامات مقدسه، مثل مقام سيدي كيال. إحنا جدنا أجا من سوريا من حلب. أساسنا من هناك. قبل كام سنه أجا الأب عطاالله حنا وحط صليب وين كان موقع الكنيسة وقال: "انشاالله راح نرجع نبني الكنسية ونبني جامع جنبها". ومن وحي هاي الزيارة كتبت هاي القصيدة:

إذا قِدروا المنازل يهدموها
وأهاليها لفترة يهاجروها
الفترة بتقدر تكون فترة
طويلة أو قصيرة، فترة
الأرض إلنا وما فيهم بالنهاية يقيموها
اجو من كل دوله ومن كل ولاية
وبالفلوس الرجال استأجروها
وأعطوها رصاص ومدافع كفاية
وعنا مآمراتهم نفذوها
التفاهم لو أنه تم من البداية
مع الناس اللي غدروا (قدروا) يفرقوها
ما غدروا (قدروا) يهدموا عتبه بنايه
ولا صارلهم حصيرة يفرشوها"

"إذا ما بتقرأوا راح تنسوا"

في عام (1882) أسس العثمانيون في القرية مدرسة للبنين، وفي العام الدراسي (1942-1943) أقيمت مدرسة للبنات.
عن التعليم في القرية حدثني أبو فهيم:
"كان عنا مدرسة اللي هي غرفه واحده ويتعلموا فيها من صف أول لصف رابع، بعدين بنوا غرفتين ونقلوا المدرسة برا البلد والغرفتين هدول بعدهم قائمات لليوم وأهل مستوطنه اح يهود بحطوا فيهم البقر. اللي شهادته كانت تكون منيحة كانوا أهله يبعثوه على كفر ياسيف أو عكا حتى يكمل تعليمه. بس الناس كانت تفضل انه أولادها يشتغلوا بالأرض ويسرحوا بالمواشي. التعليم وقتها ما كان إلزامي والمدرسة كانت بس للأولاد. كان يجي عنا معلم من عكا اسمه أبو عصمان، بذكر كان يجي على البوسكليت. فرصه المدرسة كانت تكون 75 يوم. أنا دخلت المدرسة بال 37 وخلصت صف رابع. بعدها أجا خيري ابن إبراهيم حبيشي من عكا وصار يعلّم اللغة الانجليزية للأولاد اللي بخلصوا صف رابع. أنا رحت تعلمت عنده وصرت اعرف اكتب واقرأ انجليزي. لما طلعنا من البروة قالنا المعلم: "وانتو طالعين، أي ورقه بتلاقوها بالطريق اقرؤوها، إذا ما بتقرأوا راح تنسوا ".

"النسوان بهديك الأيام كانت تشتغل زي الزلام":

استمدت القرية مياه الشرب من نبع البئر الغربية التي استقى منها أيضا السكان المجاورون لها، أما سكان المنطقة الشرقية والجنوبية فاستقوا من بئر "المغيّر" الواقعة في أراضي قرية شعب.

كان في عنا بير اسمه بير المغيّر بين البروة وشعبحدثني أبو فهيم. "البير كان يخدم البلدين. أهل شعب كانوا يجو عليه ويجيبوا طرشهم وينشلوا منه ويسقوا الطرش. بالشتاء كانت المرأة تنزل تحمل الجرة على راسها وتعبي من البير. كان عنا نبع اسمه النبع الغربي قريب من تل البروة وكانوا يستعملوه للطرش والشرب. وكان كل بيت تقريبا عنده بير جمع من مية الشتاء وكان كمان يُستعمل للشرب والطرش والغسيل. النسوان بهديك الأيام كانت تشتغل زي الزلام، كانوا أقوى من نسوان اليوم، كانوا يروحوا يجيبوا الحطب يحملوهم على رأسهم ويمشوا فيه. أمي كانت تروح تجيب جرة ألمي على راسها وتروح الصبح على الحطب ووقت الحَليش تروح تحلش مع الزلمه وتحصد ايدها وايده وبالبيت كانت كمان تشتغل كتير. بشهر تشرين كنا نروح نجيب أرامي -حطب- للشتوية ونولع فيهم الكانون بالبيت. كان عنا نساء لبّانات، كانوا يطلعوا من الفجر يحملوا دست اللبن على رأسهم من البروة لعكا حتى يبيعوه بعكا. يعني إحنا بالشتاء كنا نزرع والصيف نروح نحصد. بذكر انه صرنا بآخر ال 40 نستأجر آلات حراثه على الخيل اللي ريّحت الناس. كان في عنا تراكتور أبو جنزير، كمان هو نستعمله للحراث. كان بالبلد دكاكين وصاحب الدكانه كان يكون عنده حماره أو حمارين وينزل على الحسبه –السوق- بعكا ويجيب أغراض اللي مش موجودة عنا ويبيعها، مثل باذنجان، فلفل، سكر، ملح، حلاوة، عجوة وغيره. بياع القماش بالبلد كان اسمه برجاوي، وكان يلف على البيوت والنسوان تشتري منه قماش. كان في كمان شخص من عكا يجي يبيع بوظة عنا بالبروة.

واقعة الصبر:

أبلى أهل القرية بلاء حسناً ضد قوات الانتداب البريطاني في ثورة 1936 وعن هذا حدثني أبو فهيم قائلاً:

الثوار بالبروة حطّوا لغم بين تل البروة بالطريق لشفا عمرو وبين الجبل. اللغم فقع بالمصفحة الانجليزية وانقتل حوالي 12 جندي. بعد الانفجار اجو الإنجليز وطوّقوا البروة وجمعوا رجال من البروة والدامون وشعب وأخذوهم على منطقه فيها صبر وصاروا بالمناكيش يقطّعوا الصبر والناس قاعدين تحته عشان يوقع عليهم، لليوم إحنا منقلها "واقعه الصبر". وفرضوا بعد هيك على البلد تدفع 500 ليرة غرامه. الله لا يورجيكي شو عملوا فينا الانجليز. مره كانت طيارة للانجليز تلحق الثوار. أبوي يومها كان معه البقرات سارح فيهم. لما الطيارة ضربت، تخبى أبوي بمغارة بس اجت رصاصه بعلول، كان عنا علول اسود عبد. بذكر شفته كله دم، وبعد فترة بعناه ب 160 قرش. أنا عندي أسماء كل البراونه- أهل البروة- اللي انقتلوا في فترة الانجليز، ومنهم جارتنا لبيبه السمري، أم مصطفى، كانت جاي عنا لما طوّقوا البلد، نهروا عليها الانجليز "come on, come on" ما ردت عليهم واللا طخّوها على باب دارنا. جبنا سلم وحطوها عليه وروّحوها ع البيت ودفنوها بعدين. الانجليز كمان كانوا يهدموا بيوت ناس اللي تتهمهم انهم شاركوا بالثورة.

الهجوم الأول:

حسب قرار التقسيم رقم (181) الصادر عن الأمم المتحدة عام 1947، فإن شارع البروة-عبلين يفصل بين الدولة اليهودية والدولة العربية. عن احتلال البروة ومقتل اخته فاطمه، حدثني أبو فهيم:

إحنا بلشنا نحسّ بالخطر بس راحت حيفا. الخطر قرّب علينا. أبوي يقول للختياريه ما تطلعوا من البلد بس ما تقاوموا لأنه ما منقدرلهم. الناس ما ردّت عليه وقالوله بدنا نقاوم. الباروده كانوا يشتروها بنص ليره. البروة هاجموها مرتين. الهجوم الأول كان ب 10\6\1948، ليلة وحدة قبل إعلان الهدنة الأولى اللي أقرتها الأمم المتحدة. اللي أجو علينا 9 مصفحات نصف جنزير، ثلاثة راحوا على شارع صفد وثلاثة وقفوا على شارع شفا عمرو وثلاثة من الجهه الشرقية. وبلشوا بالرشاشات يطخوا علينا وخلولنا جهه وحدة من البلد نقدر نهرب منها. الثوار عنا صاروا يطخوا بالبارود... يعني هاي المقاومه... مش حرام بشربه ميّ نترك البلد مع سهولها وجبالها ووعرها وشجرها.
بعد الهجوم الأول هربت على زيتون شعب ومجد الكروم وبقي بالبلد حوالي 45 شخص اللي اختبأوا بالكنسية مع الخوري جبران. بس بعد وقت قصير صارت الناس ترجع ع البلد بشكل تدريجي وتشتغل بالأرض.
بيتنا طلع بالهجوم الأول. يومها أخذت البقرات وسكرت البيت وأخذت المفتاح وطلعت، وحده من أخواتي حملت تنكه المي وأختي التانيه حملت تنكة زيت وهذا اللي أطلعناه. أطلعنا معنا كام فرشه وكام لحاف على الحمارتين وركبنا على الفرس وطلعنا على شعب، قعدنا تحت الزيتون بشعب وبعدين نقلنا على زيتون مجد الكروم لحتى تشرين ثاني. حالة الناس كانت صعبة كتير، كان كل شجرة في تحتها عائلة. أنا كنت اسرح بالبقر كل الوقت وقضيناها نوكل خبز وحليب. يعني في ناس كانت تبعت أولادها عند جيش الإنقاذ وتوخد الطبيخ اللي ببقى من وراهم.


الهجوم الثاني ومقتل فاطمة كيّال وجميلة هوّاش:

في صباح 23 حزيران اجتمع بالبلد أكثر من 200 رجل وإمرأه من أهالي البروة والقرى المجاورة وكان بينهم حوالي 96 رجل مسلح بقيادة أبو