الهوية الوطنية الفلسطينية بعد اتفاقية أوسلو: إشكالية التفكيك برسم النظام!

بقلم: وسام رفيدي*

مقدمة

يتجاوز تأثير اتفاق أوسلو للعام 1993 حدود العلاقة الصراعية بين الشعب الفلسطيني والمشروع الصهيوني فوق وطنه، ليطال مجمل النظام والحقل السياسيين ناهيك عن البنية الاجتماعية الفلسطينية على تنوع مركباتها وتجلياتها. إن من البداهة بمكان أن المرحلة الجديدة، وإذ طالت بتأثيراتها الحقل والنظام السياسيين وتركيبتيهما، فإنها، والحال هذا، ستطال بتأثيراتها أيضاً الهوية الفلسطينية كما تتجلى في المرحلة الاخيرة.
إن الورقة إذ تنطلق من حقيقة التأثير الذي طال الهوية الوطنية بعد أوسلو فإنها تسعى لإثبات أن هذا التأثير إنما تم بفعل طبيعة النظام السياسي الفلسطيني ما بعد اوسلو كنظام يستدعي نتيجة طبيعته مثل هذا التأثير: تأثير بلغ درجة تفعيل مقومات التفكك في الهوية الوطنية كنتيجة حتمية لمفاعيل وآليات فعل نظام الزبائنية الذي نشأ بعد العام 1994.

أولاً: الصراع كمحفز لتبلور الهوية الوطنية

لا تنقص الدلائل على أن تبلور الهوية الوطنية إنما تم عبر خوض الشعب الفلسطيني لصراعه الدامي مع المشروع الصهيوني والامبريالية البريطانية فوق وطنه. فرؤية الفلسطينيين لأنفسهم والتعبيرات السياسية/الكيانية المتناسبة مع هذه الهوية والداعمة لها إنما بدأت بالتبلور في خضم الصراع مع المشروع الصهيوني.
ففي مطلع القرن العشرين، برزت فوق ارض فلسطين متغيرات أساسية:
على المستوى السياسي،، فمن ناحية أولى، بدأ يتأكد على الأرض الخطر الحقيقي للغزو الصهيوني لفلسطين عبر تفعيل الاستيطان والهجرة اليهودية خاصة بعد ان اتخذت بريطانيا قرارها الاستعماري بالانتداب على فلسطين، الأمر الذي أشعر الفلسطينيون بخطر حقيقي يتهدد وطنهم ووجودهم.
ومن ناحية ثانية فقد وقعت فلسطين تحت الاستعمار البريطاني عبر مسماه الرسمي (الانتدابوبدأ، وإن بشكل تدريجي ضعيف على المستوى القيادي، الشعور بخطر هذا الاستعمار وحقيقة دعمه للمشروع الصهيوني.

أما من الناحية الثالثة فإن تفكك الدولة العثمانية كان قد فتح الطريق لطروحات عديدة تتناول بدائل السيادة السياسية لهذا التفكك الذي يعني بالنتيجة انتهاء السيادةالعثمانية التي دامت لقرون أربع. وقد كانت البدائل تلك تتراوح بين مشروع الاستقلالية اللامركزية ضمن الدولة العثمانية، مروراً بدولة مشرقية عربية واحدة كما في مشروع شريف مكة الحسين بن علي، وشعار فلسطين جزء من سوريا الطبيعية وصولاً إلى استقلال فلسطين. يمكن ببساطة ملاحظة التنقل بين هذه المشاريع وصولاً لتبلور المشروع الاخير على أجندة الحركة الوطنية منذ ما قبل الاحتلال البريطاني وصولاً للنكبة في العام 48.
من الضروري التنويه هنا أن الوصول، كما هو إجمالاً في الحقل السياسي والاجتماعي، لتبلور سياسي للهوية الوطنية، كشعور جمعي ومؤسسات كيانية لم يكن عملية ميكانيكة زمنياً: في سنة معينة ولحظة محددة! بل هي عملية تبلور، مخاض إن جاز التعبير، تدوم سنوات طويلة وتتشابك فيها عوامل كثيرة وأطراف عدة ومتغيرات مختلفة، حتى تنضج. وعليه فإن اعتبار مطلع القرن العشرين هو الزمن السياسي الذي تبلورت فيه الهوية الوطنية امر يعني مخاضا دام لسنوات عديدة، تصل لحدود النكبة الفلسطينية في العام 48 وما تلاها.

أما على الصعيد الاقتصادي/ الاجتماعي فقد تركت الإصلاحات العثمانية، الاقتصادية والاجتماعية والإدارية، أواسط القرن التاسع عشر (1859) تأثيراتها على فلسطين كما على مجمل المناطق العربية الخاضعة للاحتلال العثماني المباشر. إن قرار تسجيل الأراضي قد عنى تحويلها لملكية خاصة، وبالتالي سلَّعها، الأمر الذي قاد لعملية رسملة للريف الفلسطيني من جهة، وتبلور التركيب الطبقي بشكل أكثر فأكثر وضوحاً بين الفلاحين والاقطاع من جهة ثانية. وعلى جانب آخر، فإن الاحتلال البريطاني ومتطلبات عملياته العسكرية من جهة، ونهبه للمنتجات المحلية من جهة ثانية، والمتطلبات الإدارية/ الوظيفية لجهاز حكمه، كل ذلك أدى لبروز دور مديني/حضري ساحلي تمظهر بانتعاش مدن حيفا ويافا كمراكز اقتصادية تجارية، احتضنت لاحقاً ولادة التعبيرات الكيانية للهوية الوطنية. إن من أهم نتائج هذا الدور المديني هو بروز أنوية الفئات الاجتماعية المدينية الحديثة ( الفئات الوسطى والعمال والاجراء عامة).
ارتباطاً بذلك الصعيد الاقتصادي/ الاجتماعي، يمكن ملاحظة ولادة التعبيرات السياسية والاجتماعية عن الهوية في عشرينيات وثلاثينيات وأربعينيات القرن الماضي ( أحزاب، مؤسسات نقابية، اتحادات، جمعيات، صحافة وإعلام....). لذلك، يمكن فهم تحليل عزمي بشارة المعروف: النكبة دمرت نواة المدينة الحداثية وتعبيراتها في فلسطين.
ومع ذلك، فهذه الدلائل العديدة والتي يتفق عليها معظم الباحثين تجد منْ يحاججها. يرفض الكاتب زكريا محمد وجهة النظر السائدة بان تبلور الهوية الوطنية كان نتاج الاشتباك مع المشروع الصهيوني وحليفه الامبريالي البريطاني؛ بل يعود لحملة محمد علي باشا على بلاد الشام ليلحظ تبلور الهوية الوطنية من حينها: مطلع القرن التاسع عشر، وربما قبل ذلك.
إن اعتماد زكريا لتدعيم وجهة نظره ينحصر في اقتباس منقول عن محمد علي يستخدم فيه مصطلح "فلسطيني!!"معللاً، زكريا، أنه لولا استخدام الفلسطينيين أنفسهم للمصطلح لما استخدمه محمد علي... واستخدام المصطلح، باعتباره تعريف بالذات، يعني أنهم، أي الفلسطينييون، كانوا ينظرون لأنفسهم كهوية وطنية مستفلة!
إن ما يستخدمه محمد علي لا يعني بالضرورة أن يستخدمه الفلسطينييون. فعلي استخدم مثلاً شعار/ هدف بناء دولة موحدة للناطقين باللغة العربية تضم الجناحين: الغربي مصر والشرقي بلاد الشام، وجرد حملته على بلاد الشام لذلك السبب الامر الذي وقف الفلسطينييون، فلاحين واقطاع، ضده! أي أن استخدام محمد علي للشعار/ الهدف لم يعنِ بالضرورة استخدام والتفاف الفلسطينيين حوله. لقد كان طموح محمد علي ومشروعه السياسي في واد والفلسطينيين حينها في واد آخر، ولم يكن ليجمعهم وحدة مصطلح مع الطموح المصري البرجوازي. وليس نادراً في التاريخ أن يصف طرف ما الطرف الآخر بتعبير سياسي يختلف عما يصف به هذا الآخر نفسه. إسرائيل، مثلاً استخدمت، ولا زالت، مصطلح: "عرب إسرائيل"، وهو لا يدلل على موافقة الفلسطينيين عليه، بل بالعكس يرفضه الفلسطينييون داخل "إسرائيل" ويستخدمون بدلاً منه، أكثر فأكثر، فلسطينيو ال 48!

ثم لماذا الافتراض أن استخدام الفلسطينيين لهذا التوصيف لأنفسهم، إن جاز هذا الاستنتاج غير المدعم أصلاً، سيعني بالضرورة أن هويتهم متبلورة؟ إن الشعور بالذاتوتعريفها لا يكفي لإعلان تواجد هوية متبلورة: إن تبلور الكيانية السياسية/ المجتمعية عبر التعبيرات المختلفة أمر حاسم هنا... وقد تبلورت في مطلع القرن العشرين هذه الكيانية بالذات، فحفزت على تبلور الهوية المدعومة برؤية الفلسطينيين لأنفسهم! إن اقتباس محمد علي، الوحيد كشاهد تاريخي، وتحميله ما لا يحتمل، لم يعزز حجة زكريا بل بالعكس، أوهنها أكثر.
إن النقيصة الأساسية في فهم زكريا هي أنه في نقده للعلاقة بين تبلور الهوية الوطنية والمشروع الصهيوني يغيب الجانب الصراعي في العلاقة، معتبراً أن تبلور الهوية، حسب ماهر الشريف، ارتبط بالاستيطان الصهيوني! وكأنه لولا الاستيطان لما تبلورت الهوية! هكذا بميكانيكية غريبة عن نهج محمد الكتابي عموماً! معززاً هذا التسلسل الميكانيكي بسؤال حول انتفاء الهوية الوطنية للسوريين والعراقيين طالما لا يوجد استيطان صهيوني!
إن الصراع هو حاضنة تبلور الهوية الوطنية الفلسطينية، وليس من العلمية بمكان تناول العلاقة بين المشروعين: الهوية الوطنية والمشروع الاستيطاني خارج دائرة الصراع. وهذا ما نفهمه من فيصل دراج عندما يتحدث عن النص الآخر الذي يضيء الهوية، يحفزها للظهور، والآخر هنا النص الصهيوني حصراً الذي يشتبك مع النص الفلسطيني.
وعلى العموم، هناك في التاريخ الفلسطيني حدثان هامان يغريان باعتبار تبلور الهوية الوطنية إنما تم مطلع القرن التاسع عشر وما قبله: الأول حركة ظاهر العمر في القرن الثامن عشر للاستقلال بفلسطين عن الدولة العثمانية، والثاني تمرد الفلاحين الفلسطينيين ضد حملة محمد علي باشا للبلاد والتي قادها ابنه إبراهيم في ثلاثينيات القرن التاسع عشر. ليس في الحالتين، بتقديرنا، أية مظاهر داعمة لتبلور الهوية، بل على النقيض تماماً، كما يظهر أكثر في الحالة الثانية.
كان ظاهر العمر يحركه نزوع سلطوي للتحلل من السلطة العثمانية، أو في الحد الأدنى لتحسين موقعه ودوره وحصته من النهب العام، باعتباره جزء من السلطة لا نقيض لها، وهو في سبيل ذلك حاول تدعيم مكانته بتطوير مكانة الساحل الفلسطيني التجارية وبناء مرتكزات إدارية مستقلة لحكمه، ولكن لم يسجل في التاريخ أية نزوعات لعمر تشير لتبلور مشروع وطني استقلالي فلسطيني، على غرار