ازدواجية الموقف الإسرائيلي إزاء النكبة ما بين الإنكار والفضول

بقلم: ايتان برونشتاين*


جاءت الردود غاضبة على مقالتي في صحيفة "يدعوت هكيبوتس" حول الكيبوتسات والمستوطنات، ويعتقد البعض أنها كانت عنيفة جداً ومعادية للسامية، وحسب الطابور الخامس فإن المحرقة كانت جزءا من وظائف ونشاطات زوخروت. وقد جعلتني هذه الردود استحضر كلمات المتطرف القومي "شموئيل بلاتو شارون" في مقابلة له معي في برنامجه الإذاعي. وإضافة إلى ردود الفعل الغاضبة هذه، تلقيت بريداً الكترونياً من قبل رجل ولد في "كيبوتس نيرعام"؛ حيث قرأ ما كتبته عن أعضاء كيبوتسه عام 1948 وهم يحاولون إقناع بن غريون بعدم طرد جيرانهم الفلسطينيين من قريتا نجد ودمرة. وقد سألني عن مصادر معلوماتي وقد أخبرني بأنه يود انتهاز الفرصة ليشكرنا على مجهودات وعمل "زوخروت" ومن الأفضل عدم كشف اسمه.

في العام 2005 حدث أمر مماثل، حيث شاركت زوخرت في مسيرة العودة لقريتي هوشة وكساير اللتان دمرتا خلال النكبة. هذا وأجرت صحيفة "هكيبوتس" مقابلات مع بعض أعضاء الكيبوتس الذين كانوا من بين آلاف المشاركين في المسيرة، وكما أذكر فقد ورد إلى الجريدة ردود غاضبة من قبل أعضاء "كيبوتس يوحنان رمات" و"كيبوتس يوتشا" مع ذكر تفاصيل عن أحداث عنف من قبل مثيري شغب عرب ضد الكيبوتس خلال الحرب. وقد ادعوا أن كيبوتساتهم كانت ضحايا بريئة وأنهم سعداء بالقضاء على هذه القرى.

في الوقت ذاته وتحت المجهر، تلقينا طلبا مثيرا للاهتمام للحصول على المساعدة من قبل عضو "رمات يوحنان"، حيث قال أن لديه فضول لمعرفة تاريخ المعارك التي دارت بالقرب من كيبوتسه، وكذلك معرفة تاريخ القرى المجاورة. وبعد فترة طويلة استطعنا سماع القصص من قبل اللاجئين القرويين، وذكر ايتان في مقالته: "انه لمن الضروري سماع قصصهم والتعاطف الشديد معهم واحترام موقفهم بغض النظر عن ماهيته". وقد تحدثت معه وسعيت إلى عقد اجتماع بين أعضاء من الكيبوتس وعدد من اللاجئين من القرى المجاورة. ومن المثير للاهتمام أنه كان يبحث عن نازحين فلسطينيين يقطنون في صفا عارم، التي تقع على بعد بضعة كيلومترات فقط، وعلى ما يبدو فإن البعد الجغرافي بين الكيبوتس والنازحين الفلسطينيين هو أصغر بكثير من البعد المعرفي بينهم.

وقد استغرق الاجتماع الذي عقدناه ثلاث ساعات وكان في غاية الروعة، حيث كان هناك عشرة أشخاص من كل جانب بالإضافة إلى قلة ممن يتذكرون أحداث 1948 حيث كانوا صغارا في ذلك الوقت.

وقد روى كافة الرجال من أعضاء الكيبوتس أنه تم إطلاق النار عليهم من قبل القرى وأدعوا بأن القرويين وفرّوا ملاذاً لجيش التحرير العربي في القرى ليتمكن من مهاجمة الكيبوتسات.
أما الفلسطينيون الذين نزحوا فقد وصفوا صورة مغايرة جداً، وبحسب أقوالهم فقد عانوا من إصابات مختلفة من قبل أعضاء الكيبوتس، ومنذ طردهم تم منعهم من زيارة ما تبقى من قراهم الواقعة ضمن المناطق الزراعية الخاصة بالكيبوتس.

هذا وقد جرى الحوار بروح طيبة مع الرغبة إلى الاستماع للطرف الأخر، وفي النهاية طلب اللاجئون من أعضاء الكيبوتس اتخاذ الخطوات باتجاه السماح لهم بزيارة ما تبقى من قراهم.
ولم يعد أعضاء رمات يوحنان بأي شيء. وبعد الحوار توجهت إلى أعضاء من الكيبوتس واقترحت عليهم التعمق في معنى النزوح عام 1948، إلا أن الطرفين رفضا الاقتراح.
أعتقد بأن معظم الإسرائيليين من أعضاء الكيبوتسات يجدون صعوبة في الحوار الجدي والمفتوح مع اللاجئين الفلسطينيين الذين هجروا من سكنهم ولا يستطعون تجريب معنى أحداث1948 بعمق. إلا أنه وفي حقيقة الأمر، باستطاعة أعضاء الكيبوتس المسالمين والهادئين، الذين التقوا بالمهجرين الفلسطينيين للحديث عن الفترة السابقة، التغير في المستقبل.

ويظهر الموقف الإسرائيلي إزاء النكبة والمعرفة بها من خلال مستويين متوازيين: المتوى المعلن، ويبدو بالعادة من خلال هيمنة الإنكار والشعور بالتهديد كضحايا أبديين، وعلى المستوى الخفي الآخر فان هناك تردد في إرادة لمس الجراح التي خلفها التاريخ في هويتنا؛ هوية المحتل.

-------------------------

ايتان برونشطاين:أحد مؤسسي جمعية ذاكرات