مــن النكبــة الــى الدولــة الواحــدة

سجــن بئر السبع، قسم إيشيل

لعل ما يميز الذكرى السنوية الثامنة والخمسين للنكبة هي جملة المعطيات والتحولات الكبرى التي أفرزها الواقع لدى الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي على حد السواء. فلسطينيا حدثت انتخابات تشريعية هي الثانية من نوعها، بعد تلك التي أجريت في العام 1996. هذه الانتخابات الثانية أدت الى تحول غير متوقع في النظام السياسي برمته، ففوز حماس شكل ضربة موجعة لكل دعاة التسوية عبر إمكانية إقامة دولتين لشعبين، وأعطت شرعية لخيار المقاومة، وشكلت ضربة لكل من أساء استخدام السلطة طوال العشر سنوات الماضية. ولكنها في ذات الوقت، وضعت حركة حماس أمام جملة من الأسئلة المحرجة التي لم تجب عليها لغاية اللحظة بل تحاول الالتفاف عليها كلما طرحت، وأهمها كيفية إدارة المقاومة والسلطة في آن، وما هو مشروعها المرحلي، وموقفها الواضح والصريح من الاتفاقيات الموقعة مع إسرائيل، وهل هي حقا قادرة على الالتزام بكافة متطلبات السلطة في الوقت الذي يشتد الحصار عليها يوما بعد يوم.

على الجانب الأسرائيلي هناك انقلاب آخر لا يقل أهمية عن الانقلاب الحاصل في الساحة الفلسطينية. ويتلخص هذا التحول الكبير في ظهور الوسط الجديد ( كاديما) كمجموعة سياسية جديدة، وكحزب (قومي) ليس مؤقت أو طارئ بل من المؤكد انه جاء استجابة واقعية للأسئلة التي بدأت تثار لدى الاسرائيليين طوال العشر سنوات الأخيرة. وبالتأكيد جاء هذا الوسط الجديد / كاديما لتحقيق حل على الأرض للصراع دون دفع الثمن السياسي المطلوب، ويحرك هذا الوسط الجديد جملة من التخوفات من الخطر الديمغرافي ومن احتمال قيام دولة واحدة على أرض فلسطين التاريخية ( ديمقراطية/ ثنائية القومية ). من هنا كانت الرؤيا للفصل كحل ضد تطور الأمور باتجاه الدولة الواحدة، وحشر الفلسطينيين على أصغر بقعة من الأرض  وضم ونهب أكبر مساحة (مستوطنات، غور الأردن، القدس ومحيطها، الآبار) لتصبح خارج الجدار العنصري/ ليسهل ضمها لإسرائيل عندما يحين وقت ترسيم الحدود على الطريقة الشارونية / الأولمرتية، وهنا ستسهل اسرائيل قيام دولة فلسطينية محدودة السيادة، مجزأة، محدودة الصلاحيات، مستباحة أمنيا، وستصبح مهمة سلطة هذه الدولة فقط القيام بالأمور الداخلية من خدمات وصحة ومجاري  وشؤون اجتماعية.

مــوت حــل الدولتيـن

أمام هذه الإجراءات الإسرائيلية من جدار عنصري وضم ونهب للأراضي وعزل للسكان وإقامة المعازل والكنتونات – البانتوستانات على الطريقة الجنوب أفريقية في مرحلة الأبارتهايد، لا أفق أمام حل الدولتين كخيار لحل الصراع على أرض فلسطين التاريخية، بل ان الإجراءات الإسرائيلية تؤكد نظريتنا التي لطالما تبنيناها من كون النكبة كحدث تاريخي لا زال مستمرا. ولعل الخطير حاليا هو أن الجدار العنصري اليوم في احدى نتائجه وتمظهراته خلق حالة لجوء جديدة، لكن هذا اللجوء لا زال مسكوتا عنه،  فنحن نتحدث اليوم عن فصل مجموعة ضخمة من البشر عن مصادر رزقهم – الأرض، وبدأنا نتتحدث عن مفاهيم كفلاح بلا فلاحة، ومواطن بلا أرض، ولا أحد يدرك ما ستفرزه هذه النكبة الجديدة- المستمرة من نتائج كارثية وآلام وأحقاد لن تخمد.

على الفلسطيني أن يدرك ولو متأخراً بأن فكرة حل الدولتين لشعبين قد ماتت.  ودق المسمار الأخير في نعش هذا الحل على يد بوش بوعده الجديد الذي أعلن فيه أن خطوط وقف إطلاق النار في العام 1948 أصبحت لاغية. إن هذا الوعد الجديد هو من أعطى الدافعية الكبرى لشارون لكي يخطو خطوات كبيرة نحو الانسحاب من جانب واحد، وترسيم الحدود، والابتعاد عن فكرة الشريك التفاوضي، بل بناء جدار يحمي الاجراءات أحادية الجانب وبغطاء أمريكي.

الأفــق وحــل الدولـة الواحــدة   

كأي دراما تاريخية، نسترجع بنوع من الحزن فكرة قديمة ناضلنا من أجلها سنوات ولكننا نسيناها ( حل الدولة الواحدة)، ونعود اليها اليوم لننفض الغبار عنها، ونعيدها الى الصدارة كحل هو الأكثر واقعية أمام استحالة تطبيق حل الدولتين. وكلاجئ فلسطيني لطالما فكرت واعتقدت أن حل الدولتين سيتم افشاله اسرائيليا، وأننا سنعود الى نقطة البدايات، دولة واحدة سواء كانت ديمقراطية - علمانية أم ثنائية القومية، وهذا الحل بكل تأكيد ينسجم مع كون فلسطين كمكان وموقع وجغرافيا واقتصاد وتاريخ غير قابل للقسمة على اثنين، ولعل فشل أوسلو كحل في تحقيق دولة فلسطينية قادرة على الحياة والاستمرار سيؤدي حتماً إلى المحاولة في البحث من قبل جموع الفلسطينيين لايجاد حل يوحد طاقة كل الفلسطينيين وامكانياتهم وبكل تأكيد لن يخرج هذا الجهد عن  فكرة الدولة الواحدة، وهذا الحل سيعني حتماً ممارسة كل الفلسطينيين لحقهم في تقرير المصير سواء كان في أراضي 48 أو الضفة وغزة أو الشتات، وأيضا هذا الحل سيضع حدا لتشتت الشعب الفلسطيني وسيعود الفلسطينيون ليطورا هويتهم الجماعية بعد كل ما عانوه من بعد وشتات ومحاولات يائسة للتذويب والتجنيس، وسيشكل حل الدولة الواحدة الخطوة الأكثر أهمية لافشال البانتوستانات الصهيونية.

حركــة العــودة والدولــة الواحــدة

هذا الحل سيعزز من صمود حركة العودة وسيمثل مدخلا واقعيا لحل قضية اللاجئين على أساس الحقوق وبدون أي مقايضات سياسية او تنازلات، وأننا كلاجئين وكفلسطينيين بشكل عام أمام هذا التحدي التاريخي الكبير مطالبين بالتفكير الجدي والبحث عن رؤية موحدة تستند لهذا الخيار الذي أصبح ممكنا وواقعيا أمام انهيار حل الدولتين. وبكل تأكيد هذا الحل لا زال بحاجة الى العمل عليه من الناحية المفاهيمية، والأكاديمية، لأنه ما كتب حول هذا الموضوع يظل شحيحا، ومطلوب من حركة العودة وناشطيها ومفكريها صياغة رؤى حول كيفية ممارسة اللاجئ لحقه من خلال هذا الحل، وعلى حركة العودة أن تترجل وتعلن عن تبنيها لهذا الخيار، خصوصا وان حركة العودة قد تأخرت في طرح رؤيتها للحل السياسي للصراع، وبكل جدية آن الأوان لحركة العودة أن تنخرط بشكل فعلي في عملية الفعل السياسي وعدم الاكتفاء بالهوامش الذي كانت تضع نفسها فيه.

--------------------------------------------------------------------------------

حسام خضر: هو عضو سابق في المجلس التشريعي. وهو رئيس لجنة الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين، اعتقل على يد قوات الاحتلال الإسرائيلي من منزله في مخيم بلاطة نابلس بتاريخ 17 أذار 2003 ولا يزال رهن الأسر لغاية اليوم.