الجدار ضمن سياسة العزل العنصري الاسرائيلية

بقلم:د. جاد اسحق
في شهر حزيران من العام2002 شرعت
سلطات الاحتلال بتنفيذ سياسة الفصل أحادية الجانب بين إسرائيل
والأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، من خلال إيجاد منطقة عزل تمتد
على طول الخط الاخضر من شمال الضفة الغربية الى جنوبها، مغتصبة أكثر
الأراضي الزراعية خصوبة، وعازلة العديد من التجمعات الفلسطينية ضمن
معازل كثيرة، ومقوضة بذلك أية إمكانية لقيام دولة فلسطينية مستقلة
ومتصلة جغرافيا ومستدامة اقتصاديا.
يتم إطلاق اسم جدار العزل والفصل العنصري على ما تقوم إسرائيل بتنفيذه
في الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ حيث يأخذ الجدار إحدى البنيتين
التاليتين: أولهما، وهو الشكل السائد في معظم المناطق التي يخترقها
الجدار، وهو الأسوأ، حيث يتكون من سياج صلب ذي طبقتين بعرض يتراوح ما
بين 40-100 مترا. ويحتوي على أسلاك شائكة، وخنادق، وطرق عسكرية و
مسارات لكشف آثار الأقدام، بالإضافة إلى سياج معدني كهربائي ارتفاعه
بين 4-5 أمتار محصنا بكاميرات الكترونية للمراقبة. أما الشكل الأخر، و
هو الشكل السائد في المناطق العمرانية و تلك القريبة من الخط الأخضر،
فإن الجدار العازل يتشكل من قواطع إسمنتية بعرض يتراوح ما بين 30-40
مترا ، وارتفاع يتراوح ما بين8-12 أمتار، و تتوسطه أبراج مراقبة
عسكرية يبعد الواحد منها عن الآخر مسافة
250 مترا.
وفي خضم محاولة اسرائيل إضفاء الشرعية على مسار جدار العزل العنصري في
الضفة الغربية، وفي ظل سياستها المتمادية في تجاهل القرار الاستشاري
لمحكمة العدل الدولية، أقدمت إسرائيل على إجراء تعديلات طفيفة "بدوافع
إنسانية" مشكوك في أمرها على مسار الجدار في الضفة الغربية بدلا من أن
تلتزم بتفكيك ما تم بناءه و تعويض المتضررين منه حسب ما جاء في القرار
الاستشاري لمحكمة العدل الدولية الصادر بتاريخ 9 تموز عام 2004. و كان
أخر تعديل قامت به، ما أعلن عنه بتاريخ 30/04/2006, حيث تركزت
التعديلات الجديدة على مسار الجدار في مناطق أثارت معضلات جغرافية
لمسار الجدار في الضفة الغربية حيث ارتكزت على حل مشاكل اعتبرت عثرة
أمام سعي إسرائيل الاستمرار في بناء الجدار. هذا و قد أجريت عدة
تعديلات على مسار الجدار في الضفة الغربية منذ البدء في بنائه.
و يمتد جدار العزل العنصري كما جاء في التعديل الأخير (30 نيسان من
عام 2006 ) الذي تم نشره على صفحة وزارة الدفاع الإسرائيلية مسافة 703
كيلومترا على طول الضفة الغربية، من الشمال إلى الجنوب، منها 128
كيلومترا فقط ، أي ما نسبته 18.2% من الطول الكلي للجدار يقع على خط
الهدنة (الخط الأخضر). وعند استكمال بناءه، سيعزل الجدار ما مساحته
555 كيلومترا مربعا من الأراضي الفلسطينية (أي ما نسبته 9.8% من
المساحة الكلية للضفة الغربية (5661 كم²)). بالإضافة إلى ذلك، فإن
الجدار سيضم 103 مستعمرة إسرائيلية يقطنها 408000 ألف مستوطن بما فيها
مستعمرات القدس الشرقية، أي ما نسبته 85% من عدد المستعمرين المقيمين
في الضفة الغربية؛ فيما سوف يعزل ما يقارب 59 تجمعا فلسطينيا يقطنها
ما يقارب 90000 فلسطيني.
المنطقة الامنة
في شهر أيلول من عام 2004، أصدرت وزارة الدفاع الإسرائيلية أوامر
عسكرية جديدة تنص على إيجاد منطقة عازلة بعمق يتراوح ما بين 150-200
مترا على الجانب الشرقي للجدار من الجهة الفلسطينية فقط بحيث يمنع
فيها إقامة أي بناء جديد؛ الأمر الذي سينجم عنه منع الفلسطينيين من
الدخول إلى مساحات إضافية أخرى تبلغ في مجموعها 252 كيلومترا مربعا،
أي ما نسبته 4.4% من المساحة الكلية للضفة الغربية (5661 كم²).
"منطقة الحرام/التماس"
وكجزء من سياسة الإغلاق والحصار، أصدر الجيش الإسرائيلي في الثاني من
شهر تشرين أول من عام 2003، أمرا عسكريا لتنظيم دخول الفلسطينيين داخل
خط المنطقة (المعزولة) التي أصبحت تسمى إسرائيليا ب ” منطقة (SEAM
ZONE) حرام، أو المنطقة المعزولة أو منطقة التماس؛ و هي المنطقة
الواقعة بين الجدار العازل وبين خط الهدنة (الخط الأخضر) و تحويلها
إلى مناطق عسكرية مغلقة. ويقضي الأمر الذي أصدره الجيش الإسرائيلي
بمنع دخول الفلسطينيين الذين تجاوزوا 16 عاما من عمرهم إلى تلك
المناطق منعا باتا، فيما عدا من كان مكان سكناه الدائم في منطقة
التماس، شريطة أن يحمل تصريح خطي من الجيش الإسرائيلي يسمح له بموجبه
دخول تلك المنطقة.
منطقة العزل الشرقية
عمدت إسرائيل إلى عزل منطقة الأغوار من خلال الحواجز العسكرية التي
أقامتها على المداخل الرئيسة التي تصل منطقة الأغوار بمحافظات الضفة
الغربية وعلى المداخل الفرعية التي تربط التجمعات الفلسطينية داخل
منطقة الأغوار بعضها ببعض، والتي يصل عددها حتى هذا اليوم إلى 25 حاجز
عسكري ما بين رئيسي و ثانوي. و تأتي سياسة الإغلاق، وإقامة الحواجز
العسكرية الإسرائيلية في منطقة الأغوار مكملة لسياسة الفصل العنصري
التي تنتهجها إسرائيل وذلك لتضييق الخناق على المواطنين وإجبارهم على
الرحيل، تمهيداً للاستيلاء الكامل على المنطقة وجعلها تحت السيطرة
الإسرائيلية بضمان بقائها متصلة مع منطقة العزل الغربية عبر ممرات
تربط ما بينهما.
وتشكل منطقة الأغوار (منطقة العزل الشرقية) ما نسبته 27.5% من المساحة
الإجمالية للضفة الغربية (5661 كم²). وتضم هذه المنطقة 43 مستعمرة
إسرائيلية يقطنها ما يزيد عن 12000 مستعمر إسرائيلي بمساحة إجمالية
مقدارها 38 كم2 (2.3% من المساحة الإجمالية لمنطقة العزل الشرقية –
1555 كم²، وبزيادة قدرها 4 كم² عن المساحة الإجمالية للمستعمرات
في عام 2002. هذا بالإضافة إلى بناء القواعد العسكرية الإسرائيلية
التي أصبحت جزءا لا يتجزأ من منطقة الأغوار. و تجدر الإشارة الى أن ما
يزيد عن 52000 فلسطيني يقطنون الأغوار الفلسطينية موزعين على 42 تجمع
فلسطيني.
الطرق الالتفافية الإسرائيلية و الطرق البديلة
المقترحة
كثفت إسرائيل من نشاطاتها الاستعمارية في الضفة الغربية وقطاع غزة
خلال عقود الاحتلال المستمر؛ حيث تم الاستيلاء على ما يقارب أل 80 كم²
(1.4%) من أراضي الضفة الغربية لبناء شبكة من الطرق الالتفافية، أي ما
يقارب 795 كم، لربط المستعمرات الإسرائيلية بعضها ببعض، و مع إسرائيل،
مما أسهم في عزل التجمعات الفلسطينية عن بعضها البعض و قطع أوصالها. و
تجدر الإشارة بأن الخطر الحقيقي للطرق الالتفافية يكمن في ما يعرف
"حرم الشارع" أو (Buffer Zone) التي يفرضها الجيش الإسرائيلي على طول
امتداد تلك الطرق والتي عادة ما تكون 75 متر على جانبي الشارع.
تمثل الطرق الالتفافية الإسرائيلية جزءاً من خطة العزل العنصرية التي
تسعى إسرائيل إلى فرضها في الأراضي المحتلة. فمنذ بداية الانتفاضة
الأولى في عام 1987، وحتى يومنا هذا، شددت إسرائيل من إجراءاتها
العسكرية بحق المدنيين الفلسطينيين و فرضت قيودا على حرية تنقل السكان
الفلسطينيين في تطبيق واضح لسياسة العقوبات الجماعية المحظورة بحسب
القانون الدولي سواء كان عن طريق فرض إغلاق شامل على جميع الأراضي
المحتلة، ومنع دخول الفلسطينيين إلى إسرائيل للعمل؛ إلا إذا توفر
لديهم تصريح خاص صادر من الإدارة المدينة، أوعن طريق فرض حظر تجول على
بلدة أو قرية معينة وهو الأكثر شدة حيث يمنع الفلسطينيين من الخروج من
بيوتهم، أو إغلاق الطرق المؤدية لبلدة أو قرية معينة بواسطة الحواجز
الحديدية أو الكتل ألإسمنتية والحواجز الترابية أو الخنادق منتهكة
بذلك جميع الحقوق و الأعراف الدولية التي تشرع حق الفلسطينيين في
التنقل بحرية من مكان إلى آخر.
الطرق البديلة المقترحة
وفي إطار تعزيز السيطرة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، كشفت إسرائيل
28/10/ 2004 عن مخططها الموسع لإحكام ربط المستعمرات الإسرائيلية
بعضها ببعض و تعزيز الوجود الإسرائيلي في الضفة الغربية، من خلال بناء
شبكة من الطرق البديلة مخصصة للفلسطينيين؛ وهي طرق ثانوية ذات مواصفات
متدنية من حيث السعة المرورية المحدودة بطول 500 كم، موزعة بشكل يحرم
الفلسطينيين من استخدام الطرق الالتفافية الإسرائيلية المقامة حاليا
على الأراضي الفلسطينية. حيث تعتبر هذه الطرق جزء من تكريس خطة الفصل
الإسرائيلية الأحادية الجانب وذلك بحجة حماية المستعمرين
الإسرائيليين؛ هذا بالإضافة إلى بناء 18 نفقا و ممرا تحت الأرض. وتبلغ
تكلفة إقامة الطرق البديلة والإنفاق، كما عرضتها الحكومة الإسرائيلية،
1581 مليون دولار أمريكي. وتسعى إسرائيل جاهدة مستغلة هذه الدعاية
"الطرق الفلسطينية" إلى حشد الدعم الدولي خصوصا من الاتحاد
الأوروبي و الولايات المتحدة الأمريكية، لتمويل رؤيتها الجديدة في
الأراضي الفلسطينية والأهم من ذلك، لإضفاء شرعية دولية على ما تقوم به
في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
و استكمالا لخطط العزل في الضفة الغربية، أصدرت قوات الاحتلال
الإسرائيلي في الخامس عشر من شهر كانون أول من عام 2005 أمرا عسكريا
(أمر بشأن مناطق مغلقة – يهودا و السامرة (رقم 34) 5727-1967)، تحظر
بموجبه على "غير الإسرائيليين" من الضفة الغربية الدخول إلى إسرائيل
أو الخروج منها إلا عبر نقاط العبور الحدودية، والتي تعمل إسرائيل
حاليا على بنائها في الأراضي الفلسطينية المحتلة، والتي دشنت عددا
منها خلال العام المنصرم.
جدار العزل العنصري في ظل القانوني الدولي
قامت محكمة العدل الدولية في لاهاي في شهر تموز من عام 2004 بتقديم
المشورة فيما يتعلق بالتبعات القانونية المترتبة على إقامة جدار العزل
العنصري في الضفة الغربية. و قد استندت محكمة العدل العليا في مشورتها
إلى القانون الدولي و ميثاق جنيف الرابع و نصوص معاهدة لاهاي و العديد
من المعاهدات الدولية التابعة لحقوق الإنسان و قرارات مجلس الأمن
التابع للأمم المتحدة بما فيها " قرار مجلس الأمن رقم 446 (عام
1979) و الذي "يقرر أن السياسات والإجراءات الإسرائيلية بإقامة
مستوطنات على الأراضي الفلسطينية المحتلة وأراض عربية أخرى محتلة منذ
1967 لا تستند إلى أي أساس قانوني وتشكل عائقا خطيرا تجاه عملية تحقيق
سلام شامل وعادل ودائم في الشرق الأوسط" . كذلك قرار مجلس الأمن رقم
452 (عام 1979)، والذي يدعو " حكومة وشعب إسرائيل، على وجه
السرعة، إلى وقف أنشاء وتشييد وتخطيط المستعمرات في الأراضي العربية
المحتلة منذ 1967، بما في ذلك القدس".
و يعتبر جدار العزل العنصري انتهاكا لحقوق الإنسان و خاصة حق تقرير
المصير، والحق في حرية الحركة والتنقل، والحق في العمل ،
والحق في الصحة، و الحق في التعليم، و الحق في التمتع بمستوى
معيشي ملائم ، والحق في زيارة الأماكن المقدسة. إن القرار
الاستشاري لمحكمة العدل الدولية يحث الفلسطينيين على التمسك بحقوقهم
وخصوصا حق تقريرا لمصير، الحق الذي حرموا من ممارسته بسبب ما يسببه
جدار العزل من قطع لأوصال الفلسطينيين و وحدتهم. ولذلك؛ لا يحق
لإسرائيل أن تستخدم مصطلحات: " الدفاع عن النفس"، أو
"ضرورة أمنية" ، كتبرير لما تقوم به من انتهاكات لحقوق
الفلسطينيين و القوانين والأعراف الدولية؛ بل عليها أن تتوقف فورا عن
بناء الجدار، وعلى كل الدول الأخرى أيضا أن ترفض مساندة إسرائيل في
الاستمرار في بنائه.
بالإضافة إلى ذلك، فإن إنشاء المنطقة العازلة العنصرية هو انتهاك
لجميع اتفاقيات السلام الموقعة بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وخرقا
لاتفاقية أوسلو المؤقتة التي تنص على أنه "لا يحق لأي من
الطرفين أن يبادر إلى أو يقوم بخطوات قد تحدث تغييرا على وضعية الضفة
الغربية وقطاع غزة لحين الانتهاء من مفاوضات الوضع النهائي ." (المادة
31، الفقرة 7).
________________
د. جاد إسحاق هو المدير العام لمعهد الأبحاث التطبيقية (أريج) – القدس
.