التصــوّر المستقبلــي للعــرب الفلسطينيّيــنِ فــي إسرائيــــل

بقلم:.د. أسعـــد غانـــم

تعتبر وثيقة "التصور المستقبلي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل" نتاج لمبادرة تقدم بها قبل ثلاث سنوات، السيد شوقي خطيب رئيس لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب في إسرائيل؛ حيث قام بدعوة حوالي 40 من المثقفين والسياسيين الذين يمثلون كل التيارات الفكرية في المجتمع العربي في إسرائيل، وحصل على بعض التمويل من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي (UNDP)، حيث حضرنا إلى القدس في أربع أو خمس عطل نهاية الأسبوع؛ وذلك من أجل مناقشة جميع القضايا.
وشوقي خطيب هو رئيس لجنة المتابعة العليا للعرب في إسرائيل، وهي أعلى سلطة تمثيلية موثوقة بالنسبة لهم، كما أنه رئيس اللجنة القطرية لرؤساء المجالس المحلية العربية في إسرائيل. وقد قام مؤخرا بنشر وثيقة "التصور المستقبلي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل"، وجذبت هذه الوثيقة اهتماما على المستويين الوطني والعالمي، كما انتزعت ردود فعل واسعة ومتنوعة جدا؛ من قبل الاتجاهات السياسية المختلفة اليهودية  والعربية وغيرها.

 
خلال الاجتماعات في القدس، تم مناقشة حياة الفلسطينيين في إسرائيل في المجالات المختلفة: السياسية، الاجتماعية، الاقتصادية، التعليم والثقافة؛ وقد نتج عن هذه المبادرة التقييم الذي يشير إلى  تدهور حياة الفلسطينيين في إسرائيل، في  ثلاثة مجالات؛ الأول علاقتهم مع الدولة، فمنذ تشرين أول 2000، وعلى المستوى الداخلي حيث أصبحت القضايا الاجتماعية أكثر تعقيدا، مع الأخذ بعين الاعتبار السياسة العشائرية. والثاني، السياسة المحلية ووضع المرأة (وهذا خارج الفصول الثمانية للوثيقة، حيث تم تكريس ستة فصول للقضايا الداخلية). والثالث؛ هو علاقاتنا بالحركة الوطنية الفلسطينية.

اتفقنا منذ البداية، وكتسوية لوجهات نظرنا المتنوعة؛ أننا سندعم إقامة دولة فلسطينية بجانب دولة إسرائيل، ولم نعد للوراء لهذه القضية، حيث توافقنا على أن إنشاء دولة فلسطينية يمكنه أن يحقق المطلب الفلسطيني في إقامة الدولة المستقلة وتقرير المصير، وبالتالي كرسنا طاقتنا في البحث عن قضايا ومشكلات ومستقبل الفلسطينيين في داخل إسرائيل.

وقد كانت القضية الأكثر إثارة للجدل؛ هي نفس القضية التي جذبت الانتباه الأكثر من قبل وسائل الإعلام اليهودية؛ هي الموضوع الذي يختص بعلاقتنا بالأغلبية اليهودية وبالدولة.  وقد كان واضحا لدينا مدى الحاجة إلى  إيضاح الوضع وتقديم البدائل، آخذين بالحسبان أننا نسعى لتغيير وضعنا من خلال الترويج لتغيير جذري في قاعدة النظام الإسرائيلي وأساس المواطنة.

من وجهة نظرنا لا يمكن تعريف إسرائيل على أنها دولة ديمقراطية، بل يمكن تعريفها كدولة إثنوقراطية (حكم العرق) مثل تركيا، سريلانكا، لاتفيا، ليتوانيا، استونيا (وكندا قبل أربعين عاما)؛ فكل هذه الدول أشركت الأقليات في سياساتها، وفي أوجه الحياة الاقتصادية والاجتماعية؛ ولكن بطريقة محدودة جدا وبدون مساواة، ويأتي ذلك في سياق سياسات سيطرة ورقابة صارمة ومتواصلة؛ من اجل ضمان هيمنة الأغلبية وتهميش الأقلية. تشتمل المبادئ التي يقوم عليها النظام الإثنوقراطي بالآتي:

أولا، سيطرة مجموعة عرقية على النظام الرسمي للدولة.

ثانيا، التركيز على الانتماء العرقي (والدين) وليس على المواطنة؛ وذلك كمبدأ أساسي لتوزيع الموارد والقدرات، وتضعف مكانة "الناس" (مواطنين بشكل عام).

ثالثا، سياسات متدرجة عرقيا على أساس طبقات مصنفة عرقيا.

وأخيرا، حالة عدم استقرار دائمة.

ويوفر منطق الحكم القائم على أساس السيطرة العرقية أدوات لـ "مجتمعات متفاهمة"، وهذه الأدوات تفضل  مجموعة محددة على المجموعات الأخرى؛ كما أنها تسيطر على محركات (ديناميات) العلاقة بين المجموعات العرقية المختلفة.

نحن نطالب أن تتوقف إسرائيل عن كونها  نظاما إثنوقراطيا، ويجب أن تتبنى نظاما قائما على أساس الديمقراطية الرضائية المتبادلة أو الإجماعية؛ أي نظام ديمقراطي يجسد وجود مجموعتين، اليهود والفلسطينيين، مثل هذا النظام يضمن مصدرا حقيقيا للمشاركة الفعلية في القيادة وصناعة القرار.

وفيما يخص وضعنا المستقبلي في دولة إسرائيل، نطالب بما يلي:

§ على الدولة أن تعترف بالعرب الفلسطينيين بصفتهم مجموعة  قومية أصلية (وكأقلية بحسب المعاهدات الدولية).

§ على دولة إسرائيل أن تقر بأنها وطن لكل من الفلسطينيين واليهود.

§ على دولة إسرائيل الإقرار بحقوق الأقليات وفقا للمعاهدات الدولية، ويجب عليها أن تعترف بأن للعرب الفلسطينيين في إسرائيل وضع خاص ضمن مؤسسات المجتمع الدولي، وأن يتم الاعتراف بهم بوصفهم مجموعة ثقافية قومية أصلية، ويتمتعون بالمواطنة الكاملة في إسرائيل.

§ يجب أن تمتنع إسرائيل عن تبني سياسات ومخططات لمصلحة الأغلبية اليهودية. وعلى إسرائيل أن تزيل كافة أشكال التفوق العرقي؛ سواء كان ذلك على صعيد الممارسة أو على المستويات الهيكلية والقانونية أو الرمزية. كما ويجب على إسرائيل أن تتبنى سياسات العدالة التصحيحية في جميع مجالات الحياة من أجل تعويض الأضرار التي أوقعت على العرب الفلسطينيين بسبب سياسات التمييز العرقي لصالح اليهود.

ولهذا الحد، فإن ردود الفعل على الوثيقة لم تتضمن أية مقترحات لبدائل معقولة لكيفية إشراك الفلسطينيين كنظراء مساوين لليهود في دولة إسرائيل. وأغلب الردود من الأغلبية اليهودية اتهمت الفلسطينيين في إسرائيل بتقويض أساسات إسرائيل كـ "دولة يهودية وديمقراطية". وفي الحقيقة، تجاهلت هذه الردود تماما ما يمثله النظام الحالي من انتهاك غير محدود لحقوق المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

إن رد الفعل اليهودي الذي يمثل الإجماع الصهيوني، تم التعبير عنه بعناية كل من الصحفي "تومي لبيد"، وأستاذ القانون "أمنون روبنشتاين"، والمؤرخ البروفيسور "أليكس جاكوبسن"؛ وجميعهم عرضوا الاستعداد القومي الشهير للاعتراف بحق تقرير المصير لمجموعة وحيدة في ظل واقع تعددي، وهو مطلب يرسو في أعماق القومية المتطرفة، التي مثلها وعبر عنها في القرن العشرين، كل من "فرانكو" في اسبانيا، "موسيليني" في ايطاليا، كما ظهرت في عدة بلدان أخرى، وكلها أدت، في النهاية، إلى كوارث ذات أبعاد تاريخية. هذا النموذج يتجاهل التسويات التي تم التوصل إليها في اسبانيا بعد "فرانكو"، في بلجيكا، وفي كندا منذ الثورة الهادئة، وفي العديد من الأمثلة الأخرى؛ التي وفر فيها الواقع التعددي حلولا مبنية على أساس الاعتراف المتبادل وحق تقرير المصير والحكم الذاتي لأكثر من مجموعة قومية أو عرقية ضمن إطار سياسي واحد.

في النهاية الأخرى لألوان الطيف السياسي في أوساط  فلسطينيي إسرائيل أنفسهم؛ يوجد مجموعة تقترح أرضية مختلفة للاتفاق بين العرب بدون الموافقة على الحاجة إلى تسوية يمكن إن تكون مقبولة على غالبية المواطنين الفلسطينيين، مثلما فعلت وثيقة التصور المستقبلي. وهناك ممثلون عن الحركة الإسلامية وجزء من حركة أبناء البلد، بالإضافة إلى بعض المثقفين الذين لم يكونوا مشاركين في إعداد الوثيقة الذين  يطالبون الآن بإلغاء الوثيقة، أو يصرون على اعتبارها "لا تمثل" — كما لو أن "التمثيل" يعني أن كل حزب وكل جهة يجب أن توافق عليها، أكثر من كونها أنجزت بالفعل. مع أن الوثيقة تم توقيعها ودعمها من قبل جسم قيادي وهو يقوم بحماية حقوق هؤلاء الذين يخالفون بعض جوانبها في التعبير انتقاداتهم.

وتجيب وثيقة التصور المستقبلي على كلا الطرفين من خلال أرضية وسطية؛ فهي تقدم بديلا للحق الإسرائيلي الذي يمثله بوضوح شديد وزير القضايا الاستراتيجية "أفيغدور ليبرمان"، وللقومية التي يمثلها. أعتقد، ولأجل توفير إمكانية لوجود عادل ضمن دولة ديمقراطية أن هذا هو البديل الوحيد  للحق المتطرف.

أعتقد أن هذه الوثيقة يمكن تعريفها  كحدث تاريخي في سجلات الفلسطينيين في إسرائيل، وفيما يخص علاقتهم بالأغلبية والمؤسسة اليهودية. فهذه هي المرة الأولى التي يقوم فيها جسم وطني تمثيلي للفلسطينيين في إسرائيل، بإعداد وإصدار ورقة أساسية تصف الوضع القائم والتغييرات المطلوبة في المجالات الأوسع لحياة العرب: العلاقات مع الأغلبية اليهودية، الوضع القانوني، الأرض، القضايا الاقتصادية والاجتماعية، حالة ومكانة المؤسسات السياسية والمدنية...الخ. حيث تمت صياغة الوثيقة من قبل نشطاء  يمثلون  مختلف الميول السياسية في أوساط الفلسطينيين في إسرائيل (بمن فيهم بعض الذين عارضوا مؤخرا المواقف التي تم تبنيها). كما أن الوثيقة حددت الانجازات الضرورية المطلوبة  من اجل تعريف العلاقة بين الأغلبية والأقلية في دولة إسرائيل.

في رأيي أن الوثيقة تستند إلى ثلاثة مبادئ نظرية؛ شكلت التطور الإنساني الاجتماعي والسياسي والثقافي على مدى قرنين على الأقل؛ الأول هو مبدأ حقوق الإنسان، فقد طرحت الوثيقة الحقوق الأساسية للفلسطينيين في إسرائيل كبشر لهم الحق في التنمية الاقتصادية والاجتماعية، حقوق المرأة وحقوق الطفل، الحق بالعيش في أمان ودون التعرض للعنف ...الخ، كما تطالب الوثيقة بإدراك هذه الحقوق وتحقيقها.

المبدأ الثاني هو مبدأ المساواة المدنية: الحق الديمقراطي الأساسي  في المساواة أمام القانون، والمطالبة بإبطال القوانين والهياكل والرموز التي تعزل مواطني إسرائيل الفلسطينيين وتلك القوانين التي تضمن التفوق اليهودي. والمبدأ الثالث هو حق الأقليات في تقرير المصير، بما في ذلك حق الاستقلال الذاتي في إدارة مجالات محددة من حياتها؛ مثل تعليمها الخاص وشؤونها الثقافية والدينية.

ومن أجل إدراك هذه الأسس؛ يطالب كاتبو الوثيقة بتطبيق نظام اتحادي في إسرائيل، يمكنه استبدال النظام الليبرالي الحالي الذي يتم استغلاله بصورة آلية من قبل الأغلبية اليهودية، وهذا في حقيقته يمثل "طغيان الأغلبية" الذي يتم باسم الديمقراطية الليبرالية؛ حيث تتخذ الأغلبية خطوات وحشية ضد الأقلية الفلسطينية وحقوقها الأساسية.


--------------------------

 د. أسعد غانم هو رئيس قسم الفلسفة السياسية  في كلية العلوم السياسية بجامعة حيفا. وهو رئيس مجلس إدارة جمعية ابن خلدون. لغانم العديد من الدراسات حول المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، كما شارك في تحضير وثيقة "التصور المستقبلي للعرب الفلسطينيين في إسرائيل"