بقلم:جيف هاندميكر، المحرر الضيف

لدى مطالعة موضوعات هذا العدد من "حق العودة" حول "الأبارتهايد"؛ يختبر المرء مجموعة متناقضة من العواطف؛ فبينما تعرض معظم المقالات بالتفصيل الحقيقة الوحشية لسياسات الأبارتهايد الإسرائيلي؛ توجد مساهمات أخرى تترك لدى المرء إحساس بالتفاؤل بأن مثل هذا النظام لن يصمد إلى الأبد. وبالتأكيد كانت هذه هي الحالة بالنسبة لنظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

فما الذي أدى إلى فناء نظام الأبارتهايد الجنوب أفريقي؟
رؤية توحيدية وتعبئة جماهيرية

كما يوضح المخضرمان في مناهضة الأبارتهايد، بنغاني نجيليزا، وأدري نيوهاف، أن التحرر من قرون من الاستعمار والتمييز العنصري الأوروبي؛ لم يتم بسرعة أو بسهولة؛ فالمؤتمر الوطني الأفريقي (ANC) نظم نفسه في مرحلة مبكرة من القرن العشرين في ائتلاف واسع له هدف مشترك، هو إنهاء السياسات العنصرية لحكومة جنوب أفريقيا. وقد جاءت لحظة محورية في الخمسينيات من القرن الماضي عندما جرى تنظيم سلسلة من حملات المواجهة، تم من خلالها تعبئة مقاومة جماهيرية مدنية صدمت وزعزعت الحكومة والصناعة. في حين كان رد نظام الأبارتهايد على تلك الحملات وحشيا وعديم الرحمة. وتم تكرار إستراتيجية المقاومة الجماهيرية المدنية المرة تلو الأخرى،  وفي النهاية، تشكلت الحركة الشعبية الديمقراطية في الثمانينات والتي أجبرت نظام الفصل العنصري على الدخول في مفاوضات سياسية مع الحركة التحررية، حيث قادت تلك المفوضات إلى نقل سلمي للسلطة عبر انتخابات ديمقراطية. وكانت هذه الحركات مدعومة من حركات تضامن معادية للأبارتهايد في جميع أنحاء العالم والتي حركت ونظمت المقاطعة الدولية ضد نظام جنوب أفريقيا. كل من الأفارقة الجنوبيين ومجموعات التضامن؛ وجدوا إلهاما في ميثاق الحرية؛ ذلك البيان من أجل التغيير الذي أصبح الرؤية التوحيدية لكل الحركات، وأخيرا، قاعدة للدستور الديمقراطي لجنوب أفريقيا.

ولكن ما هي الصلة بين حركة مناهضة الأبارتهايد الجنوب-أفريقية وبين الوضع في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة؟ الجواب هو، أن المقالات في هذا العدد من "حق العودة" تبين وجود سببين -على الأقل- لإجراء مثل هذه المقارنة: الأول، من اجل فهم كامل لطبيعة النظام الإسرائيلي، ومن اجل كشف عنصريته المتأصلة بالمقارنة بنظام الأبارتهايد السيئ السمعة في جنوب أفريقيا والذي تمت إدانته عالميا. والثاني، من اجل غرس الأمل من خلال التعرف على تجارب حركات مناهضة الأبارتهايد الجنوب الأفريقية.

الأبارتهايد الإسرائيلي أسوأ من أبارتهايد جنوب أفريقيا

مثلما يوضح جون دوغارد، المقرر الخاص في الأراضي الفلسطينية لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة ، إذ يقول أنه من الأهمية بمكان إن نكون واضحين في إجراء المقارنات بين الأبارتهايد الجنوب أفريقي وبين الأبارتهايد الإسرائيلي، بين استعمار جنوب أفريقيا واستعمار فلسطين. دوغارد، المتكلم الهادئ، والمثقف المبدئي القوي، أنتج خلال السنوات؛ العديد من التقارير التي ساهمت مساهمة كبيرة لتفهم الشعوب الحقائق على أرض الواقع، وفهم حقيقة اضطهاد إسرائيل المستمر للفلسطينيين، كما يوضح "دوغارد"، أيضا، معنى تطبيق القانون الدولي، ونتائج الانتهاكات الإسرائيلية لهذا القانون، ليس بالنسبة لإسرائيل فقط، بل بالنسبة لكل الدول. في هذا العدد؛ يؤكد "دوغارد" بعبارات يقينية: " التدمير الواسع النطاق للبيوت، تجريف وتسوية الأراضي الزراعية، الهجمات العسكرية واستهدافاتها غير الشرعية ...الخ كلها ممارسات تتجاوز كثيرا أية ممارسات مماثلة لنظام أبارتهايد جنوب أفريقيا".

ترددت هذه الرسالة المتجهمة لـ"دوغارد"،  في مقالات المساهمين في هذا العدد.
                             
التفرقة العنصرية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967

لقد كتب الكثير في أماكن أخرى حول الأعمال الوحشية في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، بما ذلك منظمات إسرائيلية مثل "بيتسيلم" و"هموكيد" (مكتب الشكاوي)، كما في الكتاب الأخير لـ"جيمي كارتر" "فلسطين: السلام وليس الأبارتهايد"،  حيث أضاف الرئيس الأمريكي السابق  صوته للنقاش، ليشترك مع الكثيرين، بمن فيهم المساهمين في هذا العدد من جريدة "حق العودة"؛ الذين جادلوا لمدة طويلة بأن اضطهاد وتمييز إسرائيل المنتظم ضد الفلسطينيين يضاهي الأبارتهايد؛ الذي يعتبر جريمة ضد الإنسانية من وجهة نظر القانون الدولي.

في هذا العدد من "حق العودة"، نجد معهد الأبحاث التطبيقية (أريج)/القدس، يفسر أثر جدار الفصل العنصري الذي ينتهك العديد من الحريات والحقوق الأساسية للإنسان، ويناقش معهد "أريج" بأن مبررات الجدار العنصري هي أبعد بكثير من هذه الانتهاكات، فهذه كذبة كبيرة لإخفاء وتغطية الهدف الحقيقي لإسرائيل المتمثل في القضاء على أية فرصة لإقامة دولة مستقبلية فلسطينية مستقلة.

هناك وجهة نظر من غزة في مقالة للدكتور عصام يونس، مدير مركز الميزان لحقوق الإنسان في قطاع غزة، حيث يوضح يونس "كذبة كبيرة" أخرى للحكومة الإسرائيلية، تتعلق بما يسمى بـ"الانسحاب" الإسرائيلي من قطاع غزة. ويجادل يونس بأن "الانسحاب" فشل في تغيير المنزلة القانونية لقطاع غزة كأرض محتلة، وهو نفس الشيء الذي أكده "دوغارد"، على سبيل المصادفة، في تقارير عديدة. وبدلا عن ذلك، سرعت إسرائيل تمييزها وعدوانها ضد الفلسطينيين الذين يعيشون في قطاع غزة، حيث عززت إغلاق القطاع ومنعته من إمكانية الوصول للاحتياجات الأساسية، كما ترتكب إسرائيل الأعمال الوحشية التي ترقى إلى الحد الذي يوجب اعتبارها جرائم ضد الإنسانية.

نظام التمييز العنصري في إسرائيل

لقد باتت ممارسة الفصل العنصري في الأراضي الفلسطينية المحتلة أمرا مألوفا، وسوف تواصل هذه الممارسات نموها وتصاعدها. لكن ما يجري الحديث عنه بصورة اقل؛ هو وضع الأبارتهايد الموجود أيضا في داخل إسرائيل نفسها، بما ذلك إنكار حق عودة اللاجئين الفلسطينيين.

تبرهن "فرجينيا تيلي"  في مساهمتها، أن فكرة الحل القائم على أساس دولتين هو الذي قاد إلى  الفوضى الحالية؛ حيث بناء الجدار و"الانسحاب" المزيف من قطاع غزة، كلها تستند إلى الأكاذيب. وتقول "تيلي" أن إسرائيل لم تظهر يوما رغبتها في تطبيق أية خطة تستهدف إقامة دولة فلسطينية، فعلى النقيض من ذلك؛ واصلت إسرائيل تعزيز استعمارها للضفة الغربية وضم المزيد من أرض الفلسطينيين. إضافة لذلك، فإن الحفاظ على مقولة حل الدولتين قد مكن إسرائيل من التنصل من تحمل مسئوليتها عن ذبح مواطنيها.

ويعمق نضال العزة، من مركز بديل، النقاش في مواجهة ركيزة سياسات الأبارتهايد الإسرائيلي، وبالتحديد دور الأيديولوجيا الصهيونية. ويوضح العزة كيف أصبحت الصهيونية، التي اعتبرتها الأمم المتحدة شكلا من أشكال العنصرية، كيف صارت هذه الأيديولوجيا الصهيونية العنصرية القوة الدافعة وراء استعمار إسرائيل للمنطقة، وكيف حافظت على السياسات العنصرية التي تضطهد وتميز ضد الفلسطينيين بصور منتظمة. وعوضا عن ذلك، يظهر العزة كيف قامت الحركة الصهيونية على امتداد العالم بتعبئة الدول الغربية لدعم إسرائيل بدون شروط، وعزل الفلسطينيين وكذلك الحكومات العربية،  وفي الحقيقة، عزل أي شخص ينتقد دولة إسرائيل وسياساتها علانية.

أمثلة أخرى  على الأبارتهايد الإسرائيلي تم توثيقها في مكان آخر؛ من قبل جمعية حقوق الإنسان في الناصرة، ومن قبل جمعية الدفاع عن حقوق المهجرين داخليا في اسرائيل، ومن قبل منظمات يهودية إسرائيلية مثل "زخروت" واللجنة الإسرائيلية ضد هدم البيوت.

والآن، إلى أين؟


يدعو كل من العزة ويونس ونهاد بقاعي إلى تبني قاعدة راسخة أكثر، من اجل تحليل للصراع يتجاوز العنف اليومي الواضح الذي ترتكبه القوات العسكرية الإسرائيلية، من أجل تحليل يعترف بوضوح بالسياسات العنصرية لإسرائيل كأحد الأبعاد الرئيسية للصراع، جميعهم مع البرغوثي (أدناه)، ومع "تيلي" وآخرين، قدموا تحليلا بصورة إنتقادية  لكفاح المقاومة الفلسطينية، وحثوا على ضرورة إعادة النظر وإجراء بحث أساسي يتعلق بالاستراتيجيات.

الناشطان في حركات التضامن مع فلسطين، اريك هافركورت، وسونيا زيمرمان من هولندا؛ يعرضان الإلهام الذي يمكن إن توفره تجربة الحركة الجنوب أفريقية ضد الأبارتهايد، من أجل العمل في مجابهة الأبارتهايد الإسرائيلي. فقد تسبب تصاعد الممارسات الوحشية للقوات العسكرية الإسرائيلية في آثار كبيرة جدا في وجهة نظر الجمهور في هولندا، الذي كان مؤيدا أعمى لإسرائيل على مدى عقود، ويتسبب في "قلب الطاولة". ويستخلص الكاتبان  ثلاثة دروس من حركة مناهضة الأبارتهايد والتي تستطيع تقوية حركة التضامن: الأول، درجة من "المنافسة" بين مجموعات التضامن التي تدعم الكفاح التحرري الفلسطيني مما يجبرها إن تكون أكثر إبداعا. والثاني، التركيز على استراتيجيات بديلة تستهدف الدور الذي تساهم فيه الشركات في تقوية نظام الفصل العنصري. وأخيرا، بناء خبرة ومراكمة تجربة قادرتين على كشف العلاقة الاقتصادية بين الدول الغربية ونظام الأبارتهايد.

تقترح "تيلي" أن تقويض إسرائيل لأسس الحل القائم على الدولتين قاد إلى وضع أصبح فيه الحل القائم على أساس الدولة الواحدة هو الحقيقة الجديدة، ولو أنه يعني النسخة الإسرائيلية للأبارتهايد، إلا أن المواجهة تصبح مع طبيعة الفصل العنصري لدولة أبارتهايد، ويصبح النضال من أجل بناء الدولة الديمقراطية العلمانية، على غرار النموذج  الجنوب- أفريقي، الدولة التي توفر المساواة والكرامة لكل مواطنيها. وتظهر "تيلي" أن هذا التحول يبعث الأمل.

ويتناول سالم ابو هواش، ناشط في مجال الدفاع عن حقوق اللاجئين الفلسطينيين، أشكال المقاومة مؤكدا على مسالتين: الأولى أن تحديد الشكل الأنسب للنضال ليست عملية مزاجية، أو أوتوماتيكية، أو استنساخا لتجارب أخرى، إنما يعتمد على فهم جدلية العلاقة بين الشكل النضالي المتبنى ومعطيات الواقع المعطى في مرحلة ما. والثانية أن أشكال المقاومة الشعبية المدنية في التجربة الفلسطينية زاخرة ولكن لم يتم استثمارها بالشكل المطلوب حتى الآن.

ويتخذ عمر البرغوثي مدخلا مماثلا؛ ولكن مع تأكيد أقوى على المقاومة المدنية المستمرة، على شكل مقاطعة وسحب استثمارات وصولا إلى فرض العقوبات الدولية ضد الأبارتهايد الإسرائيلي، مرددا تجارب حركة مناهضة الأبارتهايد الأفريقية-الجنوبية؛ ويحث البرغوثي الفلسطينيين على مقاومة الإغراء للقبول بالقليل من خلال تخفيض مطالبهم عبر الدعوة ببساطة لإنهاء الاحتلال. وبدلا عن ذلك، يحث البرغوثي على ضرورة تبني رؤية واسعة للمستقبل، ويقول أن مثل هذه الرؤية لها وجهتها من حيث المبدأ، وهي الدولة الديمقراطية العلمانية التي يمكنها "استعادة الإنسانية" المفقودة في ظل الاستعمار والعنصرية الإسرائيلية.

رسالة البرغوثي هي تذكير قوي لما أكده  "بيكو" في التعبير عن حاجة المجتمعات المضطهدة لتنظيم نفسها حول المفهوم أو الفكرة التي  سماها: "الوعي الذاتي للأفارقة السود".

يوجد حاجة للكثير من العمل المجتمعي لتعزيز روح الاعتماد على الذات، والترويج لوعي ذاتي في أوساط جميع الأفارقة السود في جنوب أفريقيا... وهكذا، يجب بذل الجهد للحفاظ على تضامننا وصلتنا بالقضية، كما يجب علينا أن نقاوم كل محاولة لتجزئة وتفتيت مقاومتنا.

مسعى للإنسانية الحقيقية


لقد شكلت أفكار "الوعي الذاتي للأفارقة السود" لـ"بيكو" بداية محفزة  لما أصبح أيديولوجيا نضالية مؤثرة، بصورة هائلة،  في شحن الأجيال الحالية والمستقبلية من قادة سياسيين، ناشطين، أكاديميين تقدميين ومصلحين اجتماعيين، وكان ذلك في مرحلة حاسمة من مراحل الكفاح التحرري:

في عام 1973، قال "بيكو":

لقد بدأنا مسعى للإنسانية الحقيقية، وفي مكان ما في الأفق البعيد، يمكننا أن نرى الجائزة المتألقة، دعونا نسير للأمام بشجاعة وتصميم، مستمدين القوة من محنتنا المشتركة ومن أخوتنا، ومع مرور الوقت سنكون في وضع يمكننا فيه أن نمنح جنوب أفريقيا، لتكون هي الهدية الأعظم- بوجه أكثر إنسانية.[1]

وبالرغم من أن "بيكو" قتل على يد شرطة نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا؛ إلا أن كلماته وتراثه ألهما جيلا من الأفارقة الجنوبيين لمواصلة الكفاح من أجل جنوب أفريقيا بدون تمييز عنصري.

يمكن لكلمات "بيكو"، وهؤلاء النشطاء ضد الأبارتهايد، ومن بينهم المساهمون في هذا العدد من "حق العودة"؛ أن يلهموا الفلسطينيين الذين يواصلون كفاحهم من أجل العدالة، ومن أجل كرامتهم وإنسانيتهم، بما في ذلك، من أجل حق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى ديارهم.

------------------------------

 يحاضر الكاتب في حقوق الإنسان في معهد الدراسات الاجتماعية في لاهاي، هولندا. قانوني متخصص في حقوق الإنسان، وقد شهد زوال نظام الأبارتهايد عندما كان يعمل في مراحل مختلفة لمصلحة منظمات القانونيين الجنوب أفريقيين من أجل حقوق الإنسان من عام 1993 وحتى عام 2000، ومنذ عام 2000 أصبح مشاركا نشطا في حركة مناهضة نظام الأبارتهايد الإسرائيلي.

 

[1] ستيفن بيكو "وعي الأفارقة السود ومسعى للإنسانية الحقيقية"، في موور، ب، (محرر) "لاهوت افريقي أسود: صوت جنوب أفريقي"، لندن، C. Hurst & Co. (1973)، أعيدت طباعته في "أنا أكتب ما أحب"، (1996).