في الذكرى التاسعة والخمسين للنكبة

بقلم: د. زكــريا الآغــــا

سيبقــى شعبنــا الفلسطينــي متمسكــاً بالعــودة رغــم مــرارة اللجــوء وقســـوته

تحيي جماهير شعبنا الفلسطيني بمختلف أطيافه السياسية في الوطن والشتات في الخامس عشر من آيار الذكرى التاسعة والخمسين للنكبة، سفر الآلام والمعاناة الذي سجل شعبنا من خلالها ولا زال أروع صور الفداء والتضحية والإصرار العنيد على التواصل حتى إحقاق الحق بنيل الحرية والاستقلال والعودة وتقرير مصيره، وتصديه لأبشع المؤامرات التي لا زالت تحاك بهدف تصفية قضيته العادلة التي اجتازت بشعبنا وبصموده وثباته عبر درب الآلام الطويل كافة المؤامرات الرامية إلى طمس الهوية الفلسطينية ومسحها عن الخارطة السياسية.

وليس خافياً أن موازين القوى والظروف المجحفة كانت السبب الرئيسي في طرد الشعب الفلسطيني من دياره عندما مكنت اليهود من تنفيذ مخططهم الاستعماري الاستيطاني تحت غطاء دولي تعاونت في تنفيذه القوى الاستعمارية الكبرى بعد أن أصدرت بريطانيا وعد بلفور، ذلك الوعد الذي أعطاه اللورد آرثر بلفور وزير الخارجية البريطاني إلى أحد أثرياء اليهود روتشلد في الثاني من نوفمبر 1917 والداعي إلى إعطاء وطن قومي لليهود في فلسطين، ومن ثم صدور القرار 181 قرار التقسيم في عام 1947 ، ومن اجل ذلك لم يتورع الكيان الصهيوني وعصاباته من الهاغاناه والشيترن والأرغون من ارتكاب أفظع وأبشع الجرائم البشرية التي عرفها تاريخنا المعاصر بدءاً من دير ياسين إلى كفر قاسم والدوايمة وقبيا وخانيونس وصبرا وشاتيلا إلى مجزرة جنين بالأمس القريب وتدمير وحرق لأكثر من 532 قرية طرد أهلها إلى مخيمات الشتات يعانون ويلات الغربة واللجوء بعيداً عن وطنهم المسلوب، ومنذ ذلك الوقت عرفت الإنسانية والعالم أجمع واحدة من أكبر المآسي في تاريخنا المعاصر والمأساة الأكبر في القرن الواحد والعشرين.

وبالرغم من الآلام الكبيرة والتضحيات الجسام التي تكبدها الشعب الفلسطيني على مدار 59 عاماً من التشرد واللجوء قدم خلالها مئات الآلاف من الشهداء والجرحى والمعتقلين وقف بصلابة مدافعاً عن حقوقه الوطنية وفي مقدمتها حقه في العودة إلى دياره ولا يزال مصراً على نيلها رغم التعجرف الإسرائيلي الذي يتنكر لحقوقه المشروعة ويطرح بشكل مستمر وبدعم من الولايات المتحدة الأمريكية مشاريعها المعروفة بالتوطين لاسقاط حق العودة والالتفاف عليه في مسعى منها إلى إخفاء وطمس معالم جريمتها التي ارتكبتها بحق شعبنا الفلسطيني في العام 48، وما يجري من عدوان على المخيمات الفلسطينية من اجتياحات واعتقالات وهدم للمنازل وتدمير البنية التحتية وما يجري على أرض العراق الشقيق من استهداف اللاجئين الفلسطينيين لا يخرج عن إطار تلك المشاريع التصفوية الرامية إلى القبول بالتوطين وتسقط  حقه في العودة إلى دياره التي هجر منها عام 48 وتسلب حقوقه الوطنية المشروعة في إنهاء الاحتلال العسكري والاستيطاني لأرضنا الفلسطينية تمهيداً لقيام الدولة المستقلة كاملة السيادة وعاصمتها القدس على هذه الأرض.

لقد مر تسعة وخمسون عاماً على النكبة وما زالت المأساة الفلسطينية متواصلة وما زال شعبنا  يرنو للعودة إلى دياره السليبة، إلى مدنه وقراه، ليأخذ مكانته بين الأمم كباقي شعوب الأرض ولا يزال الحل العادل للقضية الفلسطينية بعيداً، حتى أن نافذة الأمل التي فتحتها الفصائل الوطنية عبر إعلان التهدئة لإفساح المجال لإحياء عملية السلام آخذة هي الأخرى في الانغلاق وسط استمرار إسرائيل في عدوانها على المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية واستمرار تنصلها من مسؤولياتها التاريخية إزاء المأساة الفلسطينية وتنكرها الواضح للحقوق الوطنية المشروعة للشعب الفلسطيني، ورفضها الاعتراف بحق العودة  بل وتواصل مصادرتها لممتلكات اللاجئين في إطار تشريعاتها العنصرية الرامية إلى طمس القضية الفلسطينية وتذويب شخصيتها وهويتها الوطنية ومحوها عن الخارطة السياسية، كما وتواصل أعمالها الاستعمارية التوسعية عبر بناء المستوطنات وشق الطرق الالتفافية ومصادرة الأراضي الفلسطينية لصالح الجدار الفصل العنصري الذي تسبب بترحيل الآلاف من الأسر الفلسطينية من أراضيهم وقراهم، والاستمرار في سياسة التطهير العرقي والترحيل القسري الذي يعيد للأذهان مشاهد النكبة المتواصلة منذ 59 عاماً.

إن التغلب على الآثار المدمرة للنكبة ولسنوات الاحتلال الإسرائيلي الطويلة وفتح نافذة أمل حقيقة للأجيال المقبلة يكمن في اعتراف إسرائيل بمسئوليتها التاريخية عن المأساة الفلسطينية والاعتراف بحق اللاجئين الفلسطينيين في العودة وحق الشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة كاملة السيادة على الأراضي المحتلة منذ عام 1967 وعاصمتها القدس ودون ذلك لا يمكن للسلام والأمن أن يستتبا في المنطقة، ويخطئ من يظن أنه يمكن تمرير أي حل لها بالقهر والظلم والفرض بعيداً عن الحق والعدل والشرعية والقبول الطوعي والرضى الحقيقي من قبل أصحاب القضية المكتويين بنارها والصابرين على آلامها ومرارتها منذ 59 عاماً، وهذا يتطلب من المجتمع الدولي أن يتحمل مسؤولياته وأن يقوم بدوره لرفع الظلم التاريخي عن الشعب الفلسطيني وإنهاء مأساته عبر إلزام الحكومة الإسرائيلية بتطبيق القرار 194 وقراري مجلس المن 242 و 338.

إن حماية المشروع الوطني الفلسطيني وصيانة حق العودة في ظل المؤامرات التي تحاك على القضية الفلسطينية أصبح أمراً ضرورياً وحتمياً يلزم كافة الفصائل وبدون استثناء الحفاظ على وحدة قضية اللاجئين بكل أبعادها وفي كافة المواقع تحت إطار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد لشعبنا والتمسك الحازم بحق اللاجئين في العودة إلى ديارهم التي شردوا منها  وذلك طبقاً للقرار 194، والإصرار على عودة النازحين إلى وطنهم طبقاً للقرار 237 لعام 1967 ورفض كل مشاريع التوطين والحلول التي تنتقص من حقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة إلى  ديارهم، والتأكيد على دور منظمة التحرير الفلسطينية في تمثيل اللاجئين الفلسطينيين والدفاع عن قضاياهم السياسية والخدماتية في الوطن والشتات، والعمل على تفعيل وتنشيط الجهد الشعبي خاصة في مجال اللجان الشعبية وكافة الأطر واللجان والمؤسسات العاملة في مجال اللاجئين وضرورة اتساعه وشموله لكافة تجمعات شعبنا في المدن والقرى والمخيمات داخل الوطن وفي الشتات، والتأكيد على الأهمية الخاصة لتواصل تنظيم فعاليات شعبية من شانها التأكيد والترسيخ لحقيقة الثوابت الفلسطينية وقرارات الشرعية الدولية الخاصة بحقوق اللاجئين الفلسطينيين في العودة.
____________________________________
 د. زكريا الاغا

عضو اللجنة التنفيذية لمنظمة التحريرالفلسطينية

رئيس دائرة شؤوون اللاجئين