نحــو تحريــر حــق العــودة مــن جــدران الشّعـــار

بقلم: هشــام نفـــاع
مفاجأة طيبة انتظرتنا في قرية اللجون
المهجرة هذا العام. فقد شارك في المسيرة التي تزامنت، قصدًا وتحديًا،
مع التاريخ العبري ليوم الاستقلال العبري، خمسة أضعاف المشاركين العام
الفائت، في قرية أم الزينات الكرمليّة. نحو عشرة آلاف مشاركة ومشارك
من جميع المناطق والانتماءات الوطنية والأجيال حضروا للتعبير عن حياة
الذاكرة وقوّة الحق. طابور طويل من السيارات والحافلات امتدّ قرب
مفترق مجدّو وحتى أطراف القرية، ومنها مشيًا على الأقدام الى مركز
التجمهر فوق وادٍ تقوم عليه مطحنة قديمة جميلة وتحت موقع مقبرة القرية
الحزينة.
في الطريق ألمحُ طاقمًا تلفزيونيًا اسرائيليًا عرفتُ لاحقًا من أحد
مصوّريه أنه جاء الى المسيرة ضمن إنتاج مسلسل وثائقي عن الفلسطينيين
في إسرائيل. من بين جميع الأسئلة كان هناك سؤال تردّد على من جرت
مقابلهم: هل تريدون عودة اللاجئين ليعيشوا الى جانب بلدات يهودية
قائمة، أم بدلا منها وإخلائها؟
خلف هذه السؤال تتفاعل قصة عديدة العناصر تختلط فيها السياسة بالمشاعر
وغير قليل من التضليل المصلحيّ. ليس لدى منتجي البرنامج بل لدى مؤسسة
اسرائيل الرسميّة.
حتى الآن لم تخرج قضية حقوق اللاجئين الفلسطينيين من حدود الشعار
والشعار المناقض. وأعتقد أنه يجب التوقّف عند جميع الشعارات التي
تُسوَّق في سياق حقوق اللاجئين. ولربما أن إحدى الوقفات الجديّة
تتحقّق عبر استعادة ما كتبه المفكر الماركسي السوري صادق جلال العظم
قبل أكثر من ثلاثة عقود ونصف العقد. كان ذلك في سياق آخر متّصل، لكنه
لا يزال صحيحًا.
ففي كتابه "دراسات يسارية حول القضية الفلسطينية" (دار الطليعة، 1970)
يتوقّف عند شعار "تحرير فلسطين" على ألسنة الأنظمة العربية. فيقول:
"بقي هذا الشعار على امتداد العشرين سنة الماضية فكرة غامضة مقدسة
محاطة بهالة من الاجلال والوقار بحيث لم يكن مسموحًا بمناقشتها بصورة
جدية أو إخضاعها للنقد الموضوعي أو حتى شرح تفاصيلها ومعانيها على
صعيد الممارسة والواقع والمستقبل. (...) وأعني بذلك أن التحرير كان
يثير صورة في مخيلة الناس تفيد دخول الجيوش العربية الى اسرائيل دخول
الفاتحين يقوم بعدها كل فلسطيني بنفض الغبار عن أوراقه القديمة، ثم
يذهب الى الفاتح العربي ليبرز له صكًا يثبت له ملكيته لهذه الدار أو
تلك الأرض، فيقوم المنتصر بإعادة الحق الى أصحابه وكأن شيئًا لم
يكن".
ويتابع العظم هناك: "بعبارة أخرى ظلّت فكرة التحرير غارقة في غموضها
وسذاجتها وقدسيتها الى أن جاءت هزيمة 1967. (...) كان لصمت القيادات
العربية حول موضوع التحرير ومحتواه، ولابتعاد التنظيمات السياسية
والحزبية العربية عن تشجيع الوضوح قي فهم المحتوى الواقعي والتاريخي
لشعار التحرير أكبر الأثر في ترسيخ هذا الوهم وتكريسه في أذهان
الجماهير، وتثبيته في وجدانها ومشاعرها عن طريق استخدام الشعار
باستمرار من ناحية وعدم مناقشته أو شرحه من ناحية أخرى، وهذه هي
الديماغوغية بعينها".
في الاقتباس أعلاه، يكفي استبدال مفهوم "التحرير" بمفهوم "حق العودة"
لنرى أن شيئًا لم يتغيّر لدى الزعامات العربيّة إيّاها حتى اليوم من
حيث تكتيكات البلاغة السياسية الغائيّة. إن الخطورة في عموميّة
الشعارات أنه يصبح بالإمكان الابتعاد عنها في شتى الاتجاهات مهما
تناقضت، بخفّة شديدة السهولة، وفقًا للمصالح الآنيّة والأنانيّة. لأن
كل شعار لا يستند الى برنامج واضح، قد يتفكك بسهولة الى ضريبة كلامية
غير مُلزمة في الهواء وفقًا للأهواء.
إن الطرح المعبّر عنه بحق العودة، وهو حق ثابت لا مجال أبدًا لأية
تسوية سياسيّة بدونه، بل إن تجاوزه سيكون فتيلَ انفجارات حتميّة
قادمة، لا يزال طرحًا يُستخدم لأغراض شتى بحسب الأهداف، وبحسب
المصالح. فعلى ألسنتنا، نحن أبناء الشعب الفلسطيني، اللاجئون منّا
والباقون، ولدى شعوبنا العربية عمومًا، هو مقولة ثورية في صلبها الأمل
المحتكم للإيمان بعدالة القضية وللإصرار على شرعيتها. لكنه شعارٌ
يتحوّل على ألسنة القوى العربية الرسمية المسيطرة، التي لم تبذل
"يومها" كل ما يجب لمنع نكبتنا، الى أداة تخدير. وكأنّ ترديد الشعار
من دون بذل ما يُطلب من ممارسة سياسية لأجله، هو نضال! أصلا، فالشعب
الفلسطيني بوصفه جزءًا حيًا من أسرة الشعوب العربية وأكبرها همًا
تاريخيًا، يحتاج الى الضغط على الأنظمة وتعرية مواقفها عديمة الرصيد.
سأكتفي بحجّة واحدة: إن أكبر منكري النكبة الفلسطينية عبر رفض حقوق
لاجئيها هي الولايات المتحدة الأمريكية. وهذه الأخيرة هي العرّاب
الأكبر لسياسة اسرائيل الرسمية المعادية لهذا الحق. لكن الأغلبية
الساحقة لتلك الأنظمة العربية تخضع بولاء كبير لسياسات واشنطن، تنقاد
لمشاريعها السّاقطة، وتكاد لا تنتقدها. وإن فعلت، هذا لو فعلت شيئًا،
فلا يتعدى الأمر ضريبة كلامية بخسة. كيف إذن يستوي التأكيد البلاغي
العربي الرسمي على حق العودة مع إعلان وممارسة الولاء التام لأكبر
مُنكري هذا الحق والمجرمين بحق أصحابه؟
أما في إسرائيل، فإن لعبة التضليل تصل حدودًا خطيرة، لا تزال غاياتها
تنطلي للأسف. فقد دأبت المؤسسة الاسرائيلية الحاكمة على تصوير وتسويق
مطلب حق العودة بوصفه الكلمة السريّة لرغبة الفلسطينيين في "القضاء
على اسرائيل وطرد اليهود"، وفقًا للزعم السائد. هنا، يشتدّ اللعب على
غرائز الخوف ودبّ الذعر الديموغرافي، الى درجة تعميم فكرة طاغية تكاد
تعمي أبصار وبصائر جميع اليهود الاسرائيليين. إنها لعبة خبيثة مفادها
أن أي اقتراب من مناقشة قضية اللاجئين هو تهديد للوجود. إنتاج الخوف
هذا يحشر اليهود الاسرائيليين بين الجدران ويتيح لأصحاب السطوة فوقهم
تكريسَ الوضع القائم، بل ومفاقمته.
إن إبقاء هذه المسألة المركزية الحاسمة، من بين مسائل القضية
الفلسطينية الأساسيّة، عرضةً للتلاعب الماكر والاستغلال بغية إعادة
إنتاج الخوف والعداوة والأحقاد لدى اليهود، هو خطر يجب كسره. لأنه ما
انفكّ يُبعد على الدوام فرص عرض استحقاقات هذه القضية الثابتة
وشرعيتها. من هنا، توجد حاجة فلسطينية ماسّة في شرح ما يعنيه حق عودة
اللاجئين تطبيقيًا، بحيث يصير الإصرار عليه من باب المواجهة السياسية
الواضحة وليس من باب إبقائه كرة للتلاطم. فمن غير المعقول الإبقاء
عليه أداة معمّمة، غير مُعرّفة وطيّعة تسمّم بها المؤسسة الاسرائيلية
الحاكمة عقول شعبها، كي يتواصل تأبيد الوضع الدموي الراهن، خدمة
لمصالح الهيمنة والتوسّع الإسرائيلية الرسمية.
في سياق وجُهد تحليل العملية الكولونيالية وما أنتجته، يجب اعتماد
الاستقامة والصدق لمنع التضليل وصدّه ودحره. يجب عدم ترك ألعاب سياسات
الهيمنة المركّبة تعبث بمشاعر اللاجئين، والفلسطينيين جميعًا. هناك
أسئلة يجدر التمعّن فيها. مثلا: هل توجد طريقة لعودة أي لاجئ الى بيت
لم يعد قائمًا، أو الى قرية أقيمت على أنقاضها بلدة اسرائيلية؟ هل إنه
حين نتحدّث عن العودة نعني إعادة البيت القديم وازاحة بلدة اسرائيلية
وإخراج سكانها منها، أم نعني بالعودة البدءَ بحياة جديدة على بعض
أجزاء القرية التي هُجّرت أو على مقربة منها أو في قرى وبلدات قائمة،
وفقًا لمبدأ إعادة التوزيع العادل والواقعي للأراضي التي تتّسع
للجميع؟
في مقال كنتُ كتبته، قبل سنوات، بالمشاركة مع الناشط التقدمي
الاسرائيلي بروفيسور غادي الغازي، المحاضر في جامعة تل أبيب، جاء:
"هناك أهمية حقيقية للاعتراف الاسرائيلي بالغبن، للتعويض ولأخذ
الضحايا بالاعتبار وإصلاح الغبن من دون خلق غبن جديد. ومن الواضح
تماما ان سلامًا اسرائيليًا – فلسطينيًا ثابتًا سيظل مستحيلا بدون
اعتماد قواعد العدالة وإصلاح الغبن – وخصوصًا بدون حلول لقضية
اللاجئين. إن حق العودة للاجئين محفوظ، أما الإكتفاء بالاعتراف بـحق
العودة نفسه فهو غير كافٍ، لأنه كشعار لا يوضّح شيئًا.
"من هنا، فإن التشديد برأينا يجب ان يكون ليس على تحقيق "العدالة
التاريخية"، بل على حقوق اللاجئين؛ حقهم بالعودة للعيش في وطنهم، أو
أن يصبحوا مواطنين كاملي الحقوق في الدولة التي يعيشون فيها، أو التي
سيعودون إليها، حقهم بالعيش الكريم في شروط اقتصادية معقولة وبمعاملة
نزيهة وغير تمييزية، وكذلك بتفضيل إيجابي في مجالات محدّدة. والتشديد
هنا هو على احترام إرادتهم الحرة، سواء بالعودة الى مناطق دولة
اسرائيل، مناطق دولة فلسطين، مناطق كونفدرالية مستقبلية، أو التوطّن
حيث يعيشون، أو الهجرة بإرادتهم بجواز سفر ما". (حتى هنا
الإقتباس).
في الحالة السياسية الراهنة لا يزال حق اللاجئين بالعودة يقع فريسة
لمختلف المآرب. يجب طرح السؤال الفلسطيني الملحّ بشكل يمنع تكرار
تجارب "تسويات" الماضي التي تركت مختلف القضايا بغير تعريف كامل،
وبدون وجهة واضحة، فأتاحت التلاعب بها والمماطلة بشأنها حتى جعلها
تذوي وتنفجر من جديد. لا بدّ من الإستعداد نحو الوصول الى جاهزية
فلسطينية مدروسة ومخططة حتى تكون ممارسة حقوق اللاجئين مُمكنة فعليًا،
وليس مجرّد تمنيّات في الهواء.
إن أحد السّبل لكسر دائرة التضليل الاسرائيلية التي تحتقن داخلها
الأحقاد والكراهية بغية خلق رأي عام يرفض أية تسوية، هو السبيل
المتمثّل بطرح قضايا الحق الفلسطيني العادلة طرحًا سياسيًا واضحًا ذا
أفق وارتكاز، ضمن الثوابت، بعيدًا عن إبقائها داخل دوائر الغموض
والرومانسية. إن من يقول إن حقوق اللاجئين رومانسية فكأنه يقول إنها
ليست حقوقُا للتطبيق بل إنها حقوق للتغنّي بها. لا، لا ينتظر أي لاجئ
ولاجئة وأبنائهم تكريسَ حياتهم البائسة كمادة للتغنّي الرومانسي. آن
الأوان لصياغة هذه القضية صياغة سياسية برنامجية مفصّلة، بمشاركة
أساسيّة للاجئين وممثليهم، بحيث تمهّد الطريق لممارسة استحقاقاتها
فعليًا، تطرح بدائل لتطبيقها العادل، وتصدّ مواصلة سياسة المؤسسة
الاسرائيلية استخدامَها بغية تكريس هيمنتها التوسّعية، وإبقاء قضايا
الشعب الفلسطيني في مهبّ الريح.
إن الحفاظ على هذا الحق الفلسطيني الثابت والمكفول وطنيًا وأخلاقيًا
ودوليًا، سيظلّ يتضرّر لو بقينا نراوح في حدود الشعار وضمن إحداثيات
الهتاف. آن الأوان لصياغته كتخطيط سياسي واضح، جريء، تطبيقيّ وقادر
على كسر جميع دوائر التضليل والتآمر. وما أكثرها من دوائر!
_______________________
هشام نفاع هو صحفي وكاتب وناشط سياسي فلسطيني مقيم في حيفا
[11] أنظر، Age A. Tiltnes “Health and Health Services” in Ugland op
cit, p.75