أخبار بديــل

إسرائيل توقف عمل لجنة تقصي الحقائق الدولية حول انتفاضة الأقصى

يكشف الموقف الإسرائيلي بخصوص لجنتي تقصي الحقائق الدوليتين واللتان شكلتا من أجل التحقيق في الأحداث التي بسببها اندلعت انتفاضة الأقصى، وبشكل جليّ عن إحدى أهم العقبات التي تعترض التوصل إلى حل دائم للنزاع الفلسطيني/العربي-الإسرائيلي والاستمرار الإسرائيلي بعدم تنفيذ القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة.

التفاوض من منطلق القوة -الى جانب الدعم الأمريكي- تقوم إسرائيل بإعفاء نفسها وإعفاء اتفاقية أوسلو من تطبيق مبادئ القانون الدولي، ومن بينها حق العودة للاجئين الفلسطينيين وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره على أرضه. وعلى النقيض من اتفاقيات السلام التي وقعت ما بين إسرائيل ومصر في العام 1979 وبين إسرائيل والأردن في العام 1994، فإن اتفاقية أوسلو تجاهلت جميع مرجعيات القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة كأساس للعلاقة التي تحكم إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية. وبالنسبة الى اللاجئين والمهجرين، على سبيل المثال، تنص المادة الثامنة من اتفاقية السلام بين الأردن وإسرائيل على اعتراف الجانبين بأن هذه القضية سوف تحل "على أسس القانون الدولي.

الرفض الإسرائيلي للتقيّد بالقوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة أدّى بلجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة إلى التحذير في العام 1992 من أن "الدعم العسكري، الاقتصادي، السياسي... يعمل على تشجيع إسرائيل ودعمها في سياساتها العدوانية التوسعية." (قرار لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة رقم 1992/4، بتاريخ 14 شباط 1992). إن الأضرار التي لحقت بالشعب الفلسطيني منذ بداية انتفاضة الأقصى تعكس حجم التأثير الذي يسببه ضعف الإرادة الدولية وعدم ممارستها أي نوع من الضغط على إسرائيل لإجبارها على التقيد بالقوانين الدولية. ولقد أدّى فشل المجتمع الدولي، بشكل عام، في دعم مهام القانون، الى عدم تردد إسرائيل في رفض التعاون مع كلا البعثتين الدوليتين اللتين أنشأتا للتحقيق في مسببات اندلاع الانتفاضة الحالية. وذلك بدوره أدّى الى فرض واقع يسمح لإسرائيل من خلاله العمل من فوق القانون وتجاوزاً للتحقيقات.

لجنة تقصي الحقائق المنبثقة عن لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان

تشكلت هذه اللجنة بقرار من لجنة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان رقم E/CN.4/S-5/1 بتاريخ 19 تشرين أول 2000، والتي تم تبنيه في وقت لاحق من قبل اللجنة الاقتصادية الاجتماعية التابعة للأمم المتحدة في قرارها رقم 311/2000 بتاريخ 22 تشرين ثاني 2000. ولكن لم يتضمن القرار في نصه أية مرجعية للجنة تقصي الحقائق هذه.

"…لجمع وتصنيف المعلومات حول انتهاكات حقوق الإنسان وجميع الأعمال التي يقوم بها الاحتلال الإسرائيلي في المناطق الفلسطينية المحتلة والتي تعدّ خرقاً للقوانين الإنسانية، ولتقديم مستخلصاتها وتوصياتها الى لجنة حقوق الإنسان بهدف الحول دون تكرار انتهاكات حقوق الإنسان هذه؛

ولقد عينت المفوضة السامية للجنة حقوق الإنسان، السيدة ماري روبنسون، ثلاثة خبراء دوليين في هذا المجال ليشكلوا هذه اللجنة: البروفيسور ريتشارد فولك (خبير أمريكي في القانون الدولي، جامعة برنستون)؛ كمال حسين (وزير الخارجية السابق لبنغلادش)؛ والبروفيسور جون دوغارد (خبير دولي من جنوب أفريقيا مختص بقوانين حقوق الإنسان، جامعة لايدن)

بالمقابل قررت إسرائيل عدم التعاون مع هذه اللجنة. أولاً، وبناءاً على تصريحات نائب وزير الخارجية الإسرائيلي والمندوب لدى الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية، فإن لإسرائيل الحق المعنوي الأخلاقي بعدم التعاون، مجادلاً بأن أغلبية المصوتين في لجنة حقوق الإنسان كانوا ممن صوتوا ضد القرار أو امتنعوا عن التصويت. ثانياً، فإن إسرائيل تجادل بأن معظم الذين صوتوا مع القرار، مثل كوبا والسودان، المغرب والباكستان، تعتبرها إسرائيل دول تنتهك حقوق الإنسان وهي بالتالي ليست "منارات" ومثال يحتذى به لحقوق الإنسان. وثالثاً، يجادل نائب الوزير الإسرائيلي بأن عضو اللجنة ريتشارد فولك قد كتب مؤخراً مقالة "تعبر عن انحياز صارخ ضد إسرائيل." وأخيراً، يجادل نائب الوزير بأن لا ضرورة لهذه اللجنة بسبب إنشاء اللجنة الثانية كما اتفق عليه في قمة شرم الشيخ في تشرين الأول من العام 2000. (الجيروزالم بوست، 17-1-2001.

لجنة ("ميتشل") لتقصي الحقائق المنبثقة عن قمة شرم الشيخ

أنشأت "لجنة ميتشل" من قبل الولايات المتحدة أثناء انعقاد قمة شرم الشيخ بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية في أواسط تشرين الأول من العام 2000. وعلى النقيض من المرجعيات الواضحة التي حظيت بها اللجنة المنبثقة عن الأمم المتحدة، بقي التفويض الخاص بـ "لجنة ميتشل" مبهم وغير واضح. والواضح، على أي حال، بأن رئيس اللجنة السيناتور الأمريكي السابق جورج ميتشل، يتبع سياسة ذو استراتيجية توفيقية مشابهة لتلك السياسة التي وظفتها في أيرلندا الشمالية. وهو بذلك يحاول أن يعمل مع كلا الطرفين (إسرائيل والمنظمة) كلُ بمصطلحاته الخاصة به. على سبيل المثال، عندما طالب الرسميين الإسرائيليين بأن لا تقوم اللجنة بتحقيقاتها الخاصة على أرض الواقع، أكدت اللجنة لإسرائيل بأن الهدف من وراء عملها ليس إلقاء اللوم على أحد، وبأنها ستقوم بتحضير تقاريرها من مكاتبها في الولايات المتحدة الأمريكية.

وتتكون اللجنة التي يرأسها ميتشل من خمسة أعضاء، (على عكس لجنة الأمم المتحدة) خلفيتهم سياسية أمنية أو عسكرية أكثر منها خبرة في مجال القانون الدولي. أما بقية الأعضاء فهم السيناتور الأمريكي السابق وارن ردمان؛ الرئيس التركي السابق سليمان ديميريل؛ خافيير سولاما الممثل الأعلى للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والأمنية؛ بالإضافة الى وزير الخارجية النرويجي ثوربيون ياغلاند. كما وعينت نفس اللجنة 8 أعضاء آخرين لتشكيل طاقم تقني مساعد يرأسه السفير الأمريكي السابق في تشاد السيد لاري بوب.

هذا وقد تم تقييد قدرة هذه اللجنة على القيام بمهام التحقيق من خلال الإجراءات الإسرائيلية المستمرة. ففي الأسابيع القليلة الأولى بعد إعلان إنشاء اللجنة، طالب الرسميين الإسرائيليين اللجنة بتأجيل زيارتها الى المنطقة حتى تخمد الانتفاضة الفلسطينية. كما وطالبت إسرائيل اللجنة أيضاً بعدم إجراء تحقيقاتها الخاصة بها، وإنما بأن تتلقى التقارير الرسمية من كلا الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني. وعندما عاد الفريقان المفاوضان الإسرائيلي والفلسطيني الى واشنطن أواخر كانون الاول، لخوض جولة جديدة من المحادثات التي تتواسط فيها الولايات المتحدة، حاولت إسرائيل مرّة ثانية وقف أعمال اللجنة، مدعية بأنه طالما أن الطرفان يخوضان محادثات بينهما فلا داعي بأن تقوم اللجنة بتحقيقاتها. واصطدم عمل اللجنة بعقبة أخرى منتصف كانون الثاني2001 عندما رفض الإسرائيليين التعاون مع الفريق التقني للجنة بعد زيارة قام بها رئيس الطاقم، لاري بوب، الى الحرم الشريف بدون مرافق من الحكومة الإسرائيلية. بينما أجلت اللجنة عودتها الى المنطقة حتى تتم الانتخابات الإسرائيلية في السادس من شباط القادم.

وفي حالة كلا اللجنتين، أبرز الرسميين الفلسطينيين أهمية القانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة كإطار عمليّ للتحقيقات الدولية حول المسببات الحقيقية والجوهرية للانتفاضة الحالية. الادعاء الإسرائيلي المستمر بعدم مسئوليتها عن الوضع الحالي يثير العديد من التساؤلات الواضحة: 1) لماذا تواصل الحكومة الإسرائيلية اعتراض عمل تلك اللجنتان؟ 2) ولماذا تعارض إسرائيل قبول مبدأ القانون الدولي كإطار أساس للتحقيق في الأحداث التي جرت عبر الشهور القليلة الماضية؟.

وفي نفس الوقت، فإن الاستمرار في اعتراض عمل لجنة ميتشل، والاستمرار في رفض التعامل والتعاون مع اللجنة المنبثقة عن هيئة حقوق الإنسان في الأمم المتحدة، يعني أنه وبعد أربعة أشهر من بداية انتفاضة الأقصى -أدت الى استشهاد أكثر من 350 فلسطيني وجرح الآلاف منهم، وإلحاق الإضرار بالممتلكات الفلسطينية العامة والخاصة تقدر بملايين الدولارات- يبقى دور القانون مجمداً الى أن يقرر استخدامه. بينما تتواصل معاناة الفلسطينيين من استمرار الاحتلال الإسرائيلي وسياساته الوحشية الهادفة الى قتل انتفاضته ومطالبته بحقه في تقرير مصيره وحقه في عودته الى أرضه وممتلكاته وحقه في التمتع بحل عادل ودائم وشامل.