أخبار بديــل

كتاب شبان شاركوا في مسابقة القصة الصحفية بمناسبة ذكرى النكبة: قصص النكبة والتهجير والذاكرة وحلم العودة لا زالت في وجدان اللاجئين

كتاب شبان شاركوا في مسابقة القصة الصحفية بمناسبة ذكرى النكبة:
قصص النكبة والتهجير والذاكرة وحلم العودة لا زالت في وجدان اللاجئين

بقلم: نجيب فراج

بيت لحم- اجمع اعضاء لجنة التحكيم في مضمار القصة الصحفية المكتوبة ضمن جائزة حق العودة التي اعتاد مركز بديل لحقوق المواطنة واللاجئين ومقره مدينة بيت لحم على تنفيذها بمناسبة ذكرى النكبة للعام الثالث على التوالي على مستوى المواضيع التي شاركت في المسابقة تميزت بالابداع وبمدى تطور كتابها، اذ بلغت المواضيع في القصة الصحفية 62 موضعا كتبها شبابن وفتيات من مختلف مناطق اللجوء والشتات، وجميع هؤلاء الكتاب عكسوا النكبة المستمرة منذ 61 عاما واثارها حيث استمع اغلبهم الى قصص وروايات النكبة من اصحابها.

وتشكلت لجنة التحكيم في مجال القصة الصحفية من الصحفيين خليل شاهين وعبد الناصر النجار وشيرين ابو عاقلة وقاسم خطيب وناصر اللحام ونجيب فراج والتي عملت على اختيار الفائزين في هذه المسابقة حيث بلغت قيمة الجائزة الاولى الف دولار وقيمة الجائزة الثانية 600 دولار والثالثة بلغت قيمتها 400 دولار اضافة الى سبعة مساهمات حصل اصحابها على جوائز ترضية. وقد اعرب اعضاء لجنة التحكيم عن اعجابهم للمستوى التي كتبت فيه هذه القصص التي تناول معظم كتابها احداث النكبة واثارها بعد الاستماع الى شهادات حيه ممن عاشوا النكبة واكتووا بنارها، كما اعربت ادارة مركز بديل عن سعادتها لهذا المستوى رغم ان الطموح اكثر من ذلك بكثير، بحسب ما قاله محمد جرادات المسؤول في المركز والذي اوضح "ان ادارة المركز تشعر بارتياح كبير للمستوى المتقدم من الكتابات وهي بذلك تشعر ان العديد من الاهداف وراء ابتداع جائزة حق العودة ومن بينها التشجيع على الابداع والتميز وكذلك الحرص على ابقاء موضوع النكبة واثارها متجذرا في الاجيال المتعاقبة من الشعب الفلسطيني".

حلم من تراب..


ففي القصة الصحفية التي كتبتها الشابة رنا علي عوايسة من مدينة الناصرة داخل الخط الاخضر تحت عنوان "حلم من تراب" عكست فيها مشاعر مواطنة تدعى ام رشيد التي عاشت النكبة وعايشتها وجاء في القصة: شيء ما يحوم حول ام رشيد، يحوم في عينيها وفي كلامها وفي انفاسها، ذاته يحوم حول ابنة عمتها الحاجة امنة اذ تقول ام رشيد وهي تنقب حبات العدس لكي تطبخها في اول يوم من شهر رمضان منذ ايام صفورية قريتها الاصلية بانها تحلم دائما بقريتها، فتؤكد الحاجة امنة ايضا انها اعتادت ايضا على ذلك رغم انها لا تتمكن من صوم رمضان منذ سنين بسبب مرض السكري اللعين "الا انني احافظ على هذه العادة فقد كانوا يقولون في صفورية ان العدس في اول يوم من رمضان يحافظ على البيت متماسكا"، وترد ام رشيد بانه لا تعرف لماذا اصبح الناس يعانون من مرض السكري بالرغم من انه كان نادر الوجود في صفورية حتى انهم كانوا يلقبونه بمرض الاكابر لانه كان يصيب قلة من الاغنياء الذين كانوا يتغذون جيدا"، فيما ترد الحاجة امنة بالقول "بانه قدري المشؤوم فمنذ الولادة عانينا من المرض والغربة، وياليتني بقيت في مخيم عين الحلوة مع اهلي ، حسب ما تقوله الحاجة امنة التي يعود الزمن بها الى صفورية قبل واحد وستون عاما حين كانت في الرابعة عشر من عمرها فقد كان ذلك اليوم الخامس عشر من شهر رمضان الموافق السادس عشر من شهر تموز عام 1948 وهو اليوم الذي هوجمت فيه صفورية وقصفت بالطائرات التابعة للعصابات الصهيونية، يومها قال لهم جيش الانقاذ العربي انجوا بانفسكم، واهربوا شمالا او شرقا او غربا او جنوبا واوصدوا ابوابكم جيدا لانكم ستعودون فتركت الحاجة امنة خطيبها في مدينة الناصرة، الذي تسلل الى مخيم عين الحلوة بعد ذلك بسنتين وجاء ليصطحبها معه الى ما اصبح يطلق عليه اسرائيل ليتم زواجها منه حيث قال والدها انذاك "عودي معه يا امنة سنلحق بك حتما".

وتقول الكاتبه في قصتها "تمضي الايام في الناصرة وفي كل يوم تشرع المراة بابها، تقلب وجه الطريق علها يحمل احبائها اليها ، ترقب ذلك المدى الممتد من شمال فلسطين الى جنوب لبنان كالشريان الممتد الى القلب لكنها لا تراهم ، ووحدها عبارة عودي معه يا امنة، سنلحق بك "تلوح بالافق لكنهم لا يعودون".

دموع ابو محمد..


اما القصة الصحفية الثانية فقد كتبها الشاب محمد يوسف عيسى خليل والذي يقطن في الاردن وكانت بعنوان "كأس شاي" وتناول فيها قصة احد اللاجئين الذي اطلق على نفسه اسم ابو محمد وجاء فيها "يقول ابو محمد اننا نزحنا مع من نزحوا، وكانت مسيرتنا باول يوم جدا سريعة كي نبتعد عن العدو في طريقنا لئلا يلحقنا اذاه وجرائمه، وكانت امي تلاحق كل من يروي القصص اثناء اللجوء علها تعلم شيئا عن ابي ولكن دون جدوى ، كانت حالتنا يائسه نسمع اصوات التسبيح والدعاء.. يقاطعه صوت اصدقائي الذين اقتربوا يلقون علينا السلام، احاول جاهدا الابتسام ويفهم اصدقائي مني ان يتركونا قليلا اووقفهم واسألهم ان يشاركوني شرب الشاي".. ويستطرد ابو محمد حكايته بالقول "انه وبعد سنة من الرحيل واستقرارنا في احد مخيمات اللاجئين بالضفة وصلنا خبر استشهاد ابي في الليلة الاولى من المغادرة وانه اوصاه اخاه بنا الا ان اخاه استشهد ايضا بعد اسبوع من ذلك، وتنقلنا بعدها من مكان الى اخر حتى وصلنا لبنان وكان عمري احد عشر عاما، وهناك تزوجت امي من شخص قام بعد ذلك بطردي من المنزل اضطررت على اثرها ان اعمل في احد المخابز مقابل نومي وطعامي حتى بلغت العشرين وعملت وقتها مراسلا في احدى مدارس الاونوروا وحينها تمكن من الزواج الذي لم يثمر عن اطفال".

ويقول الكاتب في قصته ان اسم ابو محمد جاء نسبة الى اسم والده الشهيد، اما عن اخوته فالصغيرة ماتت قبل ان تتم السنة بسبب الحصبة ، وشقيقته الاخرى تعيش اليوم معه ومع زوجته بعد ان توفي زوجها ، اما الشقيق الاخر فيعيش في احد مخيمات سوريا يراه بين الحين والاخر ، ويختتم الكاتبمقالته عن ابو محمد " تنطلق الدموع من عيني ابو محمد اللتين كحلهما الزمان بالتعب والشقاء ليس لانه عاص للرب او انه شقي بل وفقط لانه فلسطيني".

الهجرة بعيون بدوية..


وفي قصة ثالثة كتبتها الشابة مروة الحسنات من قطاع غزة وهي بعنوان الهجرة بعيون بدوية تحدثت فيها عن حياة لاجئة فلسطينية كانت تقطن في قرية الرمالة والتي تقع بين مدينتي بئر السبع وغزة حيث كانت تقطن عشيرة الحاجة صبحة محمود الحسنات ذات الخمسة والسبعين خريفا ، فمرور واحد وستون عاما على النكبة والتهجير لم تمحو من ذاكرتها الصغيرة انذاك الايام الاولى للهجرة عن موطنها الاصلي مدينة بئر السبع جنوب فلسطين والتي هاجرت منها في شهر اكتوبر من العام 1948.

وتقول الكاتبة "انه وفيما كانت الصغيرة صبحة ابنة الاحد عشر ربيعا تستعد لارتداء اول ثوب في حياتها، كان اليهود قد بدأوا بالوثصول الى مضارب عشيرتها لتمديد خطوط المياه عبر اراضي العشيرة حيث كانت تلعب مع اقارنها من الاولاد والبنات، وترعى الاغنام وتحلب الابقار لتعوزد في المساء الى البيت لتجد في انتظارها وجبة من فتة اللبن وهي عبارة عن خبز صاج مع لبن وزيت الزيتون لتنام ليلتها تحلم بالثوب المطرز الذي تطرزه امها لها والتي تزوجت بعد وفاة ابيتها لتتركها مع شقيتيها في رعاية عمها وزوجته ..

وتستطرد الكاتبة قصة الحاجة صبحة ما بعد النكبة حيث استقرت العائلة شرق مدينة دير البلح وسط قطاع غزة وكانت الحاجة صبحه قد بلغت من العمر 15 عاما حيث اشتدت الحياة قسوة وضراوة بعد مقتل الماشية التي كانت مصدر الدخل الوحيد لعائلتها ، وبعد ذلك اصبح ابناء العشيرة يجمعون اصداف البحر المتكسرة والمسماة باللهجة المحلية "الزفزف" لبيعها لعمال البناء في غزة مقابل ثمن بخس لا يسد رمق افواه الجائعين، اما نساء العشيرة فتبدل حالهن فبعد بيوت العز والكرم اصبحن يجمعن روث البهائم ويرطبنه بالماء ليصبح فيما بعد سمادا طبيعيا ومن ثم يباع الى اصحاب البيارات في غزة.

وتضيف بان قطار الهجرة لم يتوقف عند مخيم دير البلح، فبعد العام 1967 هاجرت الحاجة صبحة هي واولادها الى عمان للحاق بزوجها الذي انضم الى جيش التحرير الفلسطيني ومن ثم الى بيروت وبعدها الى القاهرة ليستقر بها الحال مرة اخرى في مخيم دير البلح في العام 1996، وبعد كل هذه المحطات فان رحلة العودة الى مدينة بئر السبع ما زالت تحلم بها ام العبد على الرغم من استشهاد نجلها قبل سبع سنوات على ايدي قوات الاحتلال الاسرائيلي "فالرمالة ووادي صحان والطاحونه وبيادر القمح وبيت الشعر والقطين كلها اشياء تذكرها بارضها التي غادرتها قبل واحد وستين عاما وما زالت اجراس العودة تدق في حنايا قلبها".