أخبار بديــل

في الربع الأول من 2026: استمرار توسّع المعازل الإسرائيلية في ظلّ تقاعس الدول
في الربع الأول من 2026: استمرار توسّع المعازل الإسرائيلية في ظلّ تقاعس الدول

(بيت لحم، 10 نيسان 2026)

 

شهدت الأشهر الأولى من عام 2026 في فلسطين تصعيداً حادّاً للاستعمار والتهجير القسري والقمع الإسرائيلي. إذ تواصل منظومة الاستعمار والفصل العنصري الإسرائيلية ارتكاب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، وتُسرّع من مصادرة الأراضي والتهجير القسري والقمع في جميع أنحاء الضفة الغربية والقدس. وقد مكّن تقاعس الدول وتواطؤها مع المنظومة الإسرائيلية من استمرار جرائم الأخيرة، الأمر الذي يُقوّض بشكل أكبر حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف في العودة وتقرير المصير.

 

يشهد قطاع غزّة، في ظلّ استمرار انتهاك المنظومة الإسرائيلية لوقف إطلاق النار، عملية حصار مُكثّفة. كما تواصل القصف وشنّ الغارات بطائرات مُسيّرة، مُستهدفةً المناطق المكتظّة بالسكان والخيام والملاجئ التي لجأ إليها أكثر من 1.7 مليون فلسطيني مُهجّر قسراً. ومنذ إعلان "وقف إطلاق النار" في أكتوبر/تشرين الأول 2025، استشهد 689 فلسطينياً/ة وأُصيب 1860 آخرون، وهو نمط من القمع الإسرائيلي المُستمر الذي يهدف إلى القضاء على الفلسطينيين.

 

في الوقت نفسه، صعّدت المنظومة الإسرائيلية حصارها على المنظومة الصحية في قطاع غزة، فمنعت وصول الغذاء والوقود والإمدادات الطبية، واستهدفت المستشفيات، وفرضت قيود مشددة على الكهرباء والمياه النظيفة. وتخضع المساعدات الإنسانية لقيود شديدة، حيث تُمنع الإمدادات الأساسية أو يُسمح بدخولها بكميات ضئيلة للغاية. وقد ازدادت القيود على المساعدات تشدداً مع حظر المنظومة الإسرائيلية لوكالة الأونروا من العمل وتقديم المساعدات في غزة منذ مارس/آذار 2025، وهي الوكالة الرئيسية التابعة للأمم المتحدة والمختصة بتقديم الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين.

 

وتُشكل هذه السياسات الإسرائيلية المتكاملة، المتمثلة في القصف والحصار وتقييد المساعدات، آليات لعزل قطاع غزة، يُعاد من خلالها تشكيل القطاع نفسه. وقد ساهمت خطة ترامب ذات النقاط العشرين و"مجلس السلام" التابع لها في حماية المنظومة الإسرائيلية من المساءلة، ممّا أدى إلى إزالة ما تبقى من الضغط الدولي الذي كان ضئيلاً بالأساس، ومكّن من استمرار الإبادة الجماعية في غزة. إضافة إلى ذلك، تُشكل المناطق العازلة التي فرضتها المنظومة الإسرائيلية داخل قطاع غزة، والمعروفة باسم "الخط الأصفر"، معزلاً داخل معزل. بين المناطق الخاضعة للسيطرة المباشرة للمنظومة الإسرائيلية و”أوامر الإخلاء”، تشكل هذه المناطق ما يقارب 58% من قطاع غزة، مما يحصر الفلسطينيين في النسبة المتبقية البالغة 42%. إن هذه المناطق ُتفرّغ بشكل ممنهج من الفلسطينيين، وتُحوّل إلى مناطق عسكرية مغلقة، وتُصمّم بطريقة تمنع عودتهم.

 

أمّا الضفة الغربية والقدس، تسارعت وتيرة الاستعمار بشكل غير مسبوق وفقًا لـ "خطة الحسم" الإسرائيلية، مما زاد من ترسيخ الحصار. فقد هدمت المنظومة الإسرائيلية 312 مبنى سكنياً وزراعياً فلسطينياً في الأسابيع الستة الأولى من عام 2026. وخلال الفترة نفسها، هُجّر أكثر من 1700 فلسطينياً بفعل السياسات الإسرائيلية وهجمات المستعمرين على القرى والبلدات، متجاوزاً بذلك إجمالي عدد المُهجّرين لعام 2025 بأكمله. إنّ هجمات المستعمرين تشكّل محرّكاً رئيسياً لتجريد الفلسطينيين من ممتلكاتهم وتهجيرهم، بدعم وحماية من القوات الإسرائيلية، ممّا يُسرّع من وتيرة التجزئة والعزل. ففي الفترة ما بين أواخر فبراير/شباط وأواخر مارس/آذار، سُجّلت أكثر من 150 هجمة في نحو 90 تجمعاً فلسطينياً، بمعدل يزيد عن ستّ هجمات يومياً، أسفرت عن شهداء وجرحى وممتلكات مُدمَّرة وتهجيراً قسري. تُشكّل هذه الهجمات جزءاً لا يتجزّأ من عملية الاستعمار الإسرائيلية المستمرة.

 

وفي القدس وحدها، نفّذت المنظومة الإسرائيلية 419 عملية اعتقال واستشهد ما لا يقل عن 6 فلسطينيين وسط مداهمات مستمرّة وقمع متزايد.

 

إنّ ما يحدث في فلسطين ليس مجرّد سلسلة من الجرائم المنفصلة، بل هو نظام مُنسّق للفصل العنصري المكاني، يتعزّز الآن من خلال تصعيد الإجراءات التشريعية والقمعية والإدارية، بهدف تفتيت المجتمعات الفلسطينية وتجزئتها، وقطع الصلة الجغرافية، وحصر السكان في مناطق معزولة ومُسيطر عليها. إنّ عزل الفلسطينيين يسعى من خلاله إلى تقويض أسس الحياة الفلسطينية السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي نهاية المطاف، تقويض حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره.

 

ومع كل هذا التصعيد، ما زالت الدول ترفض اتخاذ أي إجراء حقيقي، على الرغم من الإدانة واسعة النطاق لهذه الأفعال. ولكي تكون الإدانات فعّالة ورادعة، يجب أن تُصاحبها تدابير عملية وإجراءات فورية لإنهاء الجرائم الإسرائيلية وتواطؤ الدول: عقوبات شاملة، تشمل التعليق الفوري لعمليات نقل الأسلحة وقطع الاتفاقيات الاقتصادية والدبلوماسية.