عــودة مخــدة-حكايــة لأحمـــد

بقلم:الفنــان أحمــد قعبـــور

كان عمر أحمد ثماني سنوات عندما أهداني رسماً لحلمه وكان الرسم يجسّد بيتاً يظهر في داخله سرير تتربع عليه مخدة هائلة الحجم. وإلى جانب الرسم كتب أحمد ما يلي:

"إسمي أحمد الحاج، أنا ساكن بمخيم عين الحلوة مع بابا وماما وإخواتي وستي وجدي، بالشارع التحتاني.. بحب إرسم وإلعب مع رفقاتي، والربيع لأن السماء بتصير زرقاء وبتطلع الحشرات، نحلات فراشات صراصير..بحلم يصير عندي حصان إركب عليه وإرجع على فلسطين علشان إزرع وإلعب على أرضي".

قررت أن أحكي حكاية لأحمد لكني لم أحكها أبداً لأني ما عدت أراه. وكم أود أن أنقلها لكم علّكم تحكونها لكل طفل يحلم أن يصير عنده حصان يرجعه إلى فلسطين.

إعتاد أحمد أن ينام ليلة كل خميس عند جدته، فهويحب بيتها لأنه وُلد فيه، ودبدب على أرضه الملساء، ورسمت يداه على جدران مدخله شموساً وأقماراً وبيوتاً وبساتين. وفي كل مرة يأتي أحمد إلى بيت جدته، يركض فور وصوله إلى غرفتها الواسعة، ويعانق مخدتها البيضاء المتربّعة على سرير خشبي كبير. في إحدى المرات رأته جدته يُربّت على مخدتها فاقتربت منه وإذ به يهمس: "لا تحزني يا مخدتي العزيزة لأني تأخرت عليك.. فقد أحضرت لك رسومي الملونة.. أليست جميلة ؟ أتعلمين ماذا قالت المعلمة عندما رأتها؟ دعْ والدك يعلقها في غرفتك.. ولكن لم أشأ إلاّ أن أعلقها هنا.. في غرفة جدتي كي تتذكريني دائماً ".

إستغربت الجدة حُبّ أحمد لمخدتها البيضاء فهي أيضاً تحبها ولكنها لم تفكر يوماً بأن تكلمها – لكن.. هل يُعقل أن تكلم مخدة؟ !. في أحد الأيام سألت الجدة أحمد: "سمعتك تحدث مخدتي.. هل تسمعُك؟ " أجاب أحمد: "طبعاً يا جدتي وأحياناً تحكي لي حكايات مسلية دون كلام". بالطبع لم تصدّق الجدة حفيدها، لكنّ الأمر استهواها، وأصبحت كلما أحسّت بضجر في بيتها الكبير تحدّث مخدتها وتشكولها همومها وأحياناً تسمعُ منها أجوبة من دون كلام. ذات يوم علمت الجدة أن أحمد مريض ويعاني من حرارة مرتفعة، فأسرعت بتغيير ثيابها وتسريح شعرها الفضي، وقبل أن تفتح الباب تذكرت مخدتها البيضاء فخطر لها أن تأخذها معها لتفاجىء بها حفيدها. كم كانت فرحة أحمد كبيرة عندما رأى جدته حاملة مخدتها، فقفز من سريره معانقاً جدته بيد ومخدتها البيضاء باليد الأخرى، فما كان من أمه إلاّ أن حملته إلى سريره وذكّرته بملازمة الفراش. جلست الجدة قرب أحمد وطبعت على جبينه قبلة طويلة وقالت له: "سلامتك من كل مكروه يا عزيزي" أجاب أحمد: "كم اشتقت إليك يا جدتي" إبتسمت الجدة قائلة: "إشتقتَ لي أمْ للمخدة البيضاء؟".

مع الوقت لاحظت الجدة أن حب أحمد للمخدة يكبر يوماً بعد يوم، وتعلقه بها بات قوياَ بشكل لا يُصدق، أمّا أمه فلم يرق لها الأمر وكانت تخشى أن يؤثر حبه للمخدة على تحصيله في المدرسة. ذات يوم وبينما كانت الجدة تسقي أحواض الزهور في شرفتها، فوجئت بأحمد يناديها من الشارع: "يا جدتي.. يا جدتي.. كيف حال المخدة؟" أجابت الجدة بدهشة: " أحمد !! من أوصلك إلى هنا ؟ " صرخ أحمد: "أنا وحدي يا جدتي.. وحدي" . لم يكن أحد ليتصور أن يقطع أحمد مسافة طويلة ليرى المخدة البيضاء، يومها قررت الجدة أن تهديه إيّاها خوفاً من أن يضيع في الطرقات.

رجع والد أحمد من السفر وبحوزته مبلغ من المال وتعبُ سنوات ثلاث أمضاها بعيداً عن عائلته، فقد كان حداداً ماهراً لكن الظروف اضطرته أن يرحل بعيداً للسعي وراء لقمة العيش. أكثر ما أفرح أحمد بعودة أبيه هي أنها العودة الأخيرة، فلن يُترك وحده بعد الآن وعليه من وقت لآخر أن يساعد أباه في المحل الذي استأجره. بعد انقضاء شهر على عودته، أحبّ الأب أن يغيّر الأثاث القديم للبيت، فأخبر الأقارب والجيران ممن يرغبون بشراء أثاث قديم، وطلب من زوجته أن تُبقي الأمر سراً على أحمد. علم النجّاد بالأمر فطلب من أبي أحمد زيارة المنزل لشراء ما يُعجبه، وما أن دخل إلى غرفة أحمد حتى وقعت عيناه على المخدة البيضاء، فقرّر شراءها على الفور. اقترب النجّاد وما كاد يهم برفعها حتى أحسّ بقوة غريبة تشدّها إلى السرير فتساءل في نفسه: "ما بي لا أقوى على رفع مخدة" فعزم على حملها مهما كلّف الأمر. في ذلك اليوم ، وفور وصوله إلى البيت، لم يدر أحمد كيف قادته قدماه إلى غرفته... توقف عند الباب وصرخ: "أين المخدة يا أمي؟ " تقدّم الأب وقال: "ستحظى بواحدة جديدة أجمل ألف مرة من القديمة.. على أية حال مخدتك القديمة كانت تلهيك عن دروسك وحان وقت الإستغناء عنها". لم يصدق أحمد ما قال أبوه وردّد بحزن شديد "ماذا فعلت يا أبي؟.. ما فعلت؟" ليلتها أبصر أحمد في منامه أطفالاً ضائعين في الطرقات يركضون ولا يجدون مكاناً للإستراحة. أفاق أحمد في اليوم التالي دون أن يصبّح والديه.. تناول طعام الفطور دونما كلمة وتوجه إلى مدرسته القريبة.

في محل "نعيم" النجّاد تكدّست الفرش والأوسدة بعضها على بعض وقد اعتلتها طبقة سميكة من الغبار، وحدها مخدة أحمد حافظت على بياضها في مقدمة الواجهة الزجاجية. مرّ أحمد أمام الواجهة دون أن ينتبه للمخدة، أما هي فأحست به يمر أمامها فأرادت أن تراه ولكن أين لها بعينين وأرادت أن تدله على مكانها ولكن أين لها بيدين، إبتعد أحمد عن الواجهة فحاولت أن تناديه ولكن أين لها بصوت ، وحاولت أن تلحق به ولكن أين لها بقدمين، توارى أحمد بعيداً فحزنت المخدة وبكت بلا عينين ومن دون دموع. مرّت أيام وأحمد يمرّ أمام المخدة دون أن ينتبه لها، فهولم يعد ينتبه لشيء ولا يرغب بشيء.

ذات يوم، فوجئت الجدة بالمخدة البيضاء في واجهة محل النجّاد، لم تصدق عينيها.. اقتربت من الواجهة وتأكدت .. إنها هي.. فهي تعرفها من بين مليون مخدة.. كيف لا وقد كانت هدية زوجها لها قبل عشرين سنة. دخلت الجدة إلى المحل وسألت صاحبه: "من أين حصلت على هذه المخدة؟ " أجاب نعيم: "ابتعتها من أبي أحمد" سارعت الجدة إلى القول:"أشتريها بالثمن الذي تريد" . استغرب النجّاد لهفة الجدة على المخدة فأخذ منها ما طلب من مال وحذّرها بأنها ثقيلة الوزن، وكم كانت دهشته كبيرة عندما بدت المخدة بين يدي الجدة خفيفة وطرية مثل مولود جديد. وصلت الجدة إلى البيت وأرجعت مخدتها إلى مكانها الأول و أرادت أن تحتفل بها فطرّزت عليها بالخيوط الذهبية شموساً وأقماراً وبيوتاً وبساتين. لم تستغرب الجدة حزن أحمد عندما أتاها يوم الخميس برفقة أمه، ولم ترغب أن تفاجئه بالمخدة فور وصوله، إنما أدخلته إلى الدار وجلست تحدثه عن المرحوم جده وحبه لها وحكاياته الغريبة. أصغى أحمد باهتمام شديد وعيناه تحدق بصورة جده المعلقة على الحائط. انتهى الحديث وتناول الجميع طعام الغداء. عند المساء طلبت الجدة من أحمد مرافقتها إلى غرفتها وما أن فتح الباب حتى أحسّ بقوة غريبة تدفعه إلى الأمام.. تقدّم قليلاً ثم ثبت في مكانه.. نظر إلى جدته وكأنه يقول : "أهي حقاً؟! " ابتسمت الجدة وهزّت برأسها، وبلمح البصر ارتمى على السرير وغمر المخدة البيضاء، وأغمض عينيه، أما المخدة فعانقته دون يدين وقبّلته دون شفتين، وسمعت أنفاسه دون أذنين، ليلتها أبصر أحمد في منامه جده يروي له ولآلاف الأولاد من حوله حكايات عن أسرّة ومخدات تجوب الطرقات وتدعو المتعبين والضائعين إلى الاستراحة عليها والنوم الهانئ، ليلتها أبصر أحمد أحلاماً لن ينساها طول العمر.