(٨ كانون الثاني ٢٠٢١) تصفية الاونروا: أبرز الاهداف التي تسعى إسرائيل الى تحقيقها عبر اتفاقيات التطبيع

PR/AR/080121/01

 

تحت إطار "إتفاق إبراهيم" التطبيعي، تناقلت العديد من وسائل الأنباء  في كانون أول 2020 تقارير عن خطة إماراتية إسرائيلية لتفكيك وإنهاء الاونروا بشكل تدريجي وغير مشروط. لقد شكل إنهاء وكالة الاونروا أحد الاهداف الملحة التي تسعى إسرائيل الى تحقيقها ضمن استراتيجية التطبيع الإسرائيلي الحالية، في إطار سعيها لمحي تاريخها المليء بجرائم التهجير القسري المستمر.

 

لقد اظهرت اتفاقيات التطبيع التي وقعتها إسرائيل مع عدد من الدول العربية على مدار الاشهر القليلة الماضية استراتيجية اسرائيل الرامية الى ترسيخ وجودها السياسي والدبلوماسي في الساحة العربية، وذلك بالتزامن مع سعيها لاخفاء نظامها غير القانوني المتمثل في نظام الفصل العنصري والاستعمار. [i] وعندما يتم تطبيع وجود نظام قام بالاساس بعد تهجير 750,000 فلسطيني من ارضهم بين عامي 1947 و1949، يصبح التطبيع أداة فعالة لتعزيز بنية الاستعمار والفصل العنصري وللتهرب من المحاسبة على الجرائم المرتكبة. [ii] لذلك، تضع اسرائيل مسألة إزالة الامثلة الحية على الجرائم ضد الانسانية التي ارتكبتها وكانت سبب في نشأتها، خصوصا قضية اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين والوكالة الفعالة الوحيدة المتبقية لهم، الاونروا، في مقدمة الاهداف التي تسعى الى تحقيقها ضمن اتفاقيات التطبيع. ان اتفاقيات التطبيع تلك لا تعدو عن كونها اداة تستخدمها اسرائيل لتفكيك الاونروا على حساب اللاجئين الفلسطينيين.

 

تشكلت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الادنى (الاونروا) وفقا لقرار الجمعية العامة للامم المتحدة رقم 302 الصادر في 8 كانون أول 1949، بهدف تنفيذ برامج اغاثة وتشغيل للاجئين الفلسطينيين، لا سيما خدمات التعليم والصحة، والاغاثة والخدمات العامة، والبنية التحتية وتطوير المخيمات، وتمويل المشاريع الصغيرة والمساعدات في اوقات الطوارئ. مؤخرا، قامت الجمعية العامة للامم المتحدة، وفقا للقرار 74/83 الصادر في 13 كانون أول 2019،  بتمديد تفويض الاونروا حتى عام 2023. وعليه، تسعى الاونروا جاهدة الى الحصول على الدعم والاعتراف المستمر بقضية اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين التي بدأت منذ 73 عام، والذين بلغ عددهم حتى نهاية العام 2018 نحو 8.7 مليون لاجئ ومهجر.  لقد هدف التدخل الانساني للاونروا الى لعب دور المكمل لمساعي لجنة التوفيق الدولية حول فلسطين، والتي تأسست وفقا للقرار رقم 194 الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة بهدف البحث عن تسوية للقضية الفلسطينية وللترويج لحل دائم لقضية اللاجئين لا سيما العودة الطوعية. [iii] ان تعطيل لجنة التوفيق الدولية منذ بداية خمسينيات القرن الماضي ترك اللاجئين الفلسطينيين دون مساع حقيقية وفعالة لايجاد حل دائم وعادل لمأساتهم.[iv] وهو الامر الذي جعل من وكالة الغوث كبش الفداء الذي تسعى اسرائيل عبر مهاجمته الى نزع الشرعية عن وضعية اللاجئين الفلسطينيين المحميين، وعن حقوقهم الاساسية وبالتالي جوهر وجودهم. واشارت الجمعية العامة للامم المتحدة بأن استمرار تفويض الاونروا يعتمد في جوهره على ايجاد حل دائم وعادل لقضية اللاجئين الفلسطيين، اي انه لا يمكن تفكيك وكالة الغوث قبل تحقيق حل عادل وشامل.

 

ونظراً لعدم امتلاكها لسلطة اتخاذ القرار المتعلق بمصير الاونروا، حرصت اسرائيل على استخدام وممارسة نفوذها السياسي على الدول المانحة للاونروا، حيث أنها قادت حملات تشهير لتشويه الوكالة وعملها بغية ايقاف تمويلها. ويعتبر انسحاب الدول المانحة وتوقفها عن دعم الاونروا اكثر العوامل ضرراً بها، ذلك لان ميزانية الاونروا تعتمد بشكل اساسي على التبرعات الطوعية من الدول، والتي بلغت نحو 95.34% من ميزانيتها في عام 2019. [v]  وفي عام 2018، اوقفت الولايات المتحدة الامريكية، والتي تُعتبر أكبر ممول للاونروا عام 2017 بنحو 365 مليون دولار، تمويل الوكالة الدولية. [vi] وكنتيجة لحملة التشويه الاسرائيلية- الامريكية، اوقفت كل من هولندا وسويسرا تمويلها للوكالة بشكل دائم في عام 2019. في السياق ذاته، يشكل تهديد الامارات المتحدة بالانسحاب من تمويل الاونروا نذيرا بتعمق الازمة التي تعيشها، خصوصا وان مساهمتها في العام 2019 بلغت نحو 51.8 مليون دولار، ما يضعها في المرتبة الخامسة في قائمة اكبر المانحين. [vii]  

 

تهدف أزمة التمويل التي تفتعلها اسرائيل للاونروا بشكل تدريجي وخفي الى الاسراع بتفكيكها بحكم الامر الواقع، وتعطيل عملها وتفويضها. كما انها تتسبب الان بأزمة غير مسبوقة في ميزانيتها على نحو يهدد وجودها واستدامتها. وعلى مدار السنوات الخمس الماضية، مسّت التقليصات التي طالت ميزانية الاونروا بالخدمات الاساسية التي تقدمها والتي تتمثل في تقليص عدد العاملين في الوكالة، توقف اعمال الصيانة والترميم في البنية التحتية، زيادة الازدحام في الغرف الصفية في المدارس لتصل نحو معلما/ة واحدا لكل 50 طالب/ة، بالاضافة الى تقليص المساعدات الانسانية التي تقدمها للاجئين.

 

في تشرين ثاني 2020، اعلن المفوض العام للاونروا السيد فيليبي لازاريني بانه لم يعد لدى الوكالة اي اموال لتسديد رواتب موظفيها البالغ عددهم نحو 28,000 عن شهري تشرين ثاني وكانون أول 2020. وبالتحيد في هذا الوقت الذي يتفشى فيه وباء كوفيد 19، يؤدي تقليص الحماية الانسانية الموجبة للاجئين الفلسطينيين الى زيادة الهشاشة الاقتصادية والاجتماعية، وتقويض قدرتهم على الصمود. كما يؤدي وقف تمويل الاونروا الى اعاقة وتضييق هامش عملها وتقويض تفويضها الضروري للابقاء على حقوق الشعب الفلسطيني غير القابلة للتصرف حية، بما فيها حق العودة الى الديار. [viii] في السياق ذاته، لقد بات واضحاً ان التقليص الهائل في الخدمات الانسانية التي تقدمها الاونروا، بالاضافة الى تدهور اوضاع حقوق الانسان في الدول المضيفة، قد دفعت باللاجئين الى الهرب الى دول مضيفة ثالثة، بالتحديد الى أوروبا. وعليه، فان استراتيجية اسرائيل لوقف تمويل الاونروا تشكل تكتيكاً يرمي الى الالتفاف على الإطار القانوني الدولي المتاح لحماية اللاجئين الفلسطينيين، والى الدفع باتجاه نسيان وتجاهل وضعهم كأشخاص محميين بموجب القانون، دون الانخراط بشكل مباشر في الآليات القانونية. كما يشكل انخراط دولة عربية في استراتيجية التطبيع تلك تحت عباءة السلام على حساب حقوق اللاجئين الفلسطينيين، انتهاكا خطيرا للقانون الدولي.

 

ان وجود اللاجئين الفلسطينيين في مختلف اماكن تواجدهم يشكل اكبر الادلة والتجليات الحية لاسس نظام الاستعمار والفصل العنصري الاسرائيلي المقام على اساس تهجير مئات آلاف الفلسطينيين قسريا من بيوتهم واراضيهم، وتأكيد السيادة غير المشروعة على اراضيهم، والتي تعتبر غير قانونية وفقا لمبادئ وقواعد القانون الدولي. ولإدامة وتكريس وشرعنة نظام الاستعمار والفصل العنصري المفروض على الشعب الفلسطيني، تواصل اسرائيل مشروعها في تزوير التاريخ ومحو الجرائم الدولية التي اقامت مشروعها وهيمنتها الاستعمارية عليها. فبالنسبة لاسرائيل، من الضروري اخفاء الجرائم الدولية التي ارتكبتها عبر تاريخها، والتي جعلت من نشأتها امراً ممكناً، كما انه من الضروري لها ان تظهر اللاجئون الفلسطينيون كعقبة امام تحقيق السلام. 

 

وبعيدا عن الخطاب التحريضي الصهيوني القائل بأن الاونروا تؤدي الى إدامة "مشكلة اللاجئين الفلسطينيين"، لا يمكن أن يشكل انكار حقوق اللاجئين الفلسطينيين غير القابلة للتصرف بغية تطبيع وجود دولة قمعية مضطهِدة امراً شرعياً ابداً، كما لا يمكن القبول ببقاء الفلسطينيين لاجئين الى الابد. ولهذا، يجب على المجتمع الدولي العمل على دعم تفويض وكالة الاونروا، والسعي الى ايجاد حل دائم وعادل لقضية اللاجئين الفلسطينيين.

 

وعليه، يدعو مركز بديل::

١. الجامعة العربية الى ادانة كافة محاولات نزع شرعية وكالة الاونروا، والدعوة الى تعزيز تفويضها وزيادة الدعم السياسي والمالي لها من قبل المجتمع الدولي بشكل عام، والدول الاعضاء في الامم المتحدة بشكل خاص

٢. مجتمع مانحي الاونروا بما فيهم الدول المانحة الى مساعدة ودعم جهود الاونروا في الاستمرار في تقديم خدماتها للاجئين الفلسطينيين، لا سيما من خلال العمل على تطوير الية تمويل الزامية تضمن استمرارية تمويل الاونروا الى حين تمكن اللاجئين والمهجرين الفلسطينيين من ممارسة حقوقهم في جبر الضرر الواقع عليهم ( العودة، واستعادة الممتلكات، والتعويض)

٣. الجمعية العامة للامم المتحدة الى تعزيز قراراتها بخطوات عملية تضمن انصياع اسرائيل الى القانون الدولي، وتمكن الفلسطينيين من الحصول على حل عادل ودائم بما يتوافق مع قرار رقم 194 الصادر عن الجمعية العامة للامم المتحدة.

 

 

---------------------------

[i]  اتفاقات ابراهيم: سلسلة اتفاقيات التطبيع التي وقعتها اسرائيل مع عدد من الدول العربية منذ آب 2020 حتى اليوم (الامارات العربية المتحدة، مملكة البحرين، المغرب، السودان).

[ii] BADIL, Survey of Palestinian Refugees and Internally Displaced Persons 2016-2018, vol.9 (Bethlehem: BADIL, 2019), 6, available at: http://www.badil.org/phocadownloadpap/badil-new/publications/survay/survey2016-2018-eng.pdf 

[iii] UNGA, 194(III). Palestine – Progress Report of the United Nations Mediator, A/RES/194(III), 11 December 1948, para.11, available at: https://unispal.un.org/UNISPAL.NSF/0/C758572B78D1CD0085256BCF0077E51A [accessed 8 January 2021].

[iv] BADIL, Understanding the Political Underpinnings of UNRWA’s Chronic Funding Crisis, Bulletin no.27 (BADIL: Bethlehem, 2018), 7-8, available at: http://www.badil.org/phocadownloadpap/Badil_docs/bulletins-and-briefs/bulletin-no27-unrwa-financial-crisis.pdf

[v] UNGA, UNRWA Financial Report and Audited Financial Statements for the Year Ended 31 December 2019 and Report of the Board of Auditors, A/75/5/Add.4, 14, available at: https://www.un.org/en/auditors/board/auditors-reports.shtml [accessed 8 January 2021].

[vi] UNRWA, 2017 Pledges to UNRWA’s Programmes (Cash and In-Kind) – Overall Donor Ranking as 31 December 2017 in USD, available at: https://www.unrwa.org/sites/default/files/overalldonor_ranking.pdf.

[vii] UNRWA, Governments and EU Pledges to UNRWA’s Programmes in 2019 as 31 December 2019 in USD, available at: https://www.unrwa.org/sites/default/files/2019_pledges_of_government_and_eu_overall_ranking.pdf.

[viii]  United Nations General Assembly, Question of Palestine, 10 November 1975, A/RES/3376, para.2, available at: https://unispal.un.org/DPA/DPR/UNISPAL.NSF/0/B5B4720B8192FDE3852560DE004F3C47