جريدة حق العودة - العدد 32-33

 

اضغط هنا لتحميل هذا الاصدار

في الذكرى الـ 61 لقيام اسرائيل ونكبة الشعب العربي الفلسطيني يبدو الجدار الفاصل بين شعبيّ البلاد، أكثر ارتفاعا وسمكا من أي وقت مضى. جدران الفصل العنصري ليست اسمنتية فقط، إنما هي عنصرية، قضائية، اقتصادية، ثقافية ولغوية. هذه الجدران ترتكز، فيما ترتكز، على الرؤية المناقضة للواقع، للماضي والحاضر والمستقبل.

هل اليوم يشبه الأمس رغم فرق الزمان والمكان؟ عندما أشاهد في التلفاز ما حدث لأهلنا في غزة هاشم نتيجة الحرب الإسرائيلية العدوانية على القطاع الحبيب، حيث دمرت بيوتهم وأصبحوا لاجئين في مدنهم وقراهم ومخيماتهم؛ يعتصرني الألم وتعود بي الذاكرة الى خمسينيات القرن الماضي عندما كنا نعيش اللجوء بأصعب مراحله وأيامه. أتذكر الخيمة والمعاناة التي واجهنا كما يواجهونها اليوم. الخيمة الدائرية التي لا يزيد قطرها عن ثلاثة أمتار، أو تلك المستطيلة التي لا يزيد طولها عن 4 أمتار المقامة على التراب. الخيمة كانت لكل شيء؛ للمعيشة والنوم، بغض النظر عن عدد أفراد الأسرة. الخيمة التي ما كانت تقي حر الصيف رغم رفع جوانبها كي تدخل الرياح الى داخلها علها تخفف شدة الحر. الخيمة "المراح" فمن يسكنها تماما كمن يسكن على قارعة الطريق، فكل ما بداخلها معرض للمارة. الخيمة أرجوحة الريح، فكم من خيمة أيام الشتاء اقتلعتها الرياح القوية وكأنها ريشة تذروها الرياح، حتى يهرع الجيران للمساعدة في إعادة نصبها وتثبيتها بوضع حجارة على أوتادها المغروسة في الأرض، ووضع حجارة على إطرافها أو ذيولها لعلها تصمد وتقاوم قوة الرياح. أتذكر أيام تساقط الثلوج كيف تتهدم الخيام على رؤوس ساكنيها، وكم من عائلة فزعت ليلا صارخة مطالبة النجدة ويهبوا الشباب للمساعدة ولإزالة الثلوج المتراكمة من على الخيام وهم في ملابس رثة خفيفة لا تقيهم برد الشتاء القارص.

رأيت النكبة بعيون أبي وأمي وبأحاديثهما الصباحية في البلدة القديمة من القدس وهما يتذكران حي القطمون وحيثيات الحياة في بيتهما المتواضع فيه. لم يكن البيت قصراً كما يستشف من أحاديثهما  بل كان بيتاً متواضعاً يقع ما بين مخيم للجيش الانكليزي ومخيم للأرغون الصهيوني. أحاديث أبي وأمي كانت دوماً تستحث ذاكرتي وتسترجع تجربة الطفل ذي الثلاث سنوات وقد هم والداه وأخوته الأكبر سناً منه ترك البيت دون اخذ حتى صور العائلة وإنما الاكتفاء بالشح  من الملابس وطبعاً بمفتاح البيت الذي مازالت العائلة تحتفظ به مع نموذج الطابو الخاص بالمنزل.

واذكر غزير القرية اللبنانية الوادعة المطلة على البحر وقد كانت مستقراً للعائلة اللاجئة لعام أو أكثر بقليل واذكر أهلها أو بعض أهلها وقد التقيناهم صدفة في أعياد الفصح في القبيبة في إحدى  سنوات الستينات واسترجعنا سوية مرارة تجربة اللجوء واستقبالهم الرحب لنا. واذكر بيت لحم، بعد غزير، وقد نزلت عائلتي في غرفة واحدة في منطقة رأس فطيس بدون كهرباء أو ماء جاري أو غيرهما من الأمور الحيوية. وما زلت كلما مررت  من المكان استرحم على والدي وعلى الألم الذي مرا به في طريقهما من حي القطمون إلى غزير والى بيت لحم وأخيرا في بداية الخمسينات إلى البلدة القديمة من القدس.

ها هي الأعوام تمر دون توقف على عمر نكبتنا، مخلفة وراءها أجيالا محملة بتعب السنين، وبميراث الحق الذي لا يضيع، وبظلم تاريخي لحق بها عندما أقدمت العصابات الصهيونية المستوردة من أوروبا بذبح الفلسطينيين الآمنين وطردهم من ديارهم... فكانت النكبة، وكان الضياع، وما زالت رحلة التيه الفلسطينية مستمرة منذ واحد وستين عاما. ولكن الأجيال الفلسطينية المسكونة بحب فلسطين تتزنر بالثوابت الوطنية، وبالعزيمة الأكيدة على مواصلة طريق الخلاص من كل آثار ومسببات النكبة.ان نقيض النكبة هو العودة الى الديار الأصلية، ولن يمحي آثارها الكارثيه على مجمل الوضع الفلسطيني سوى العودة؛ فالعودة هي الاسم الحركي لانتهاء النكبة 

العودة الى الديار ليست شعارا يرفع في المناسبات، أو جملة تقال في الخطابات الحماسية لتأجيج مشاعر الناس، أو يافطة تعلق على مداخل المخيمات والمدن الكبيرة... بل هي برنامج عمل، نهج حياة، سلوك يمارس، ووصية مقدسة تحملها الأجيال القادمة للتنفيذ، لا تفريط فيها، لا تقاعس عن أداء الواجب الوطني، والمهمة اليومية.
العودة الى الديار هي ثقافة وطنية، لها دلالاتها، ومفرداتها، انها لغة المقهورين المظلومين الذين لم يملوا الانتظار، ولم يتعبوا من وجع السنين، وتخلي ذوي القربى عنهم.

تستعد جماهير شعبنا في الوطن والمنافي في الخامس عشر من أيار كل عام  لإحياء  ذكرى النكبة المؤلمة التي ألمت بها عام 1948، حين تمكنت الحركة الصهيونية بدعم كامل من قوى الاستعمار والإمبريالية العالمية من تشريد شعبنا الفلسطيني في كافة أرجاء المعمورة وتحقيق مشروعها في اغتصاب فلسطين. وقد استمر هذا العدوان الذي لم يعرف التاريخ له مثيلا بوحشيتيه عبر الإصرار الصهيوني على  التنكر لضحاياه؛ استمر بأشكال وأساليب متعددة وكلها بهدف القضاء على تطلعات شعبنا الفلسطيني الوطنية، ومنعه بكل الوسائل من استعادة حقوقه المشروعة في العودة والحرية والاستقلال. لكن بالرغم من وحشية العدوان،

 

وما رافقه من تشريد وحصار ومجازر طالت أبناء شعبنا؛ إلا انه واصل خوض مسيرته الكفاحية المعمدة بتضحياته الجسام وعزيمته التي لا تلين، وأعاد إبراز هويته الوطنية وبناء كيانه السياسي ممثلاً بمنظمة التحرير التي تنامى دورها ومكانتها على كافة الأصعدة، وحظيت باعتراف عالمي في الجمعية العامة للأمم المتحدة والمحافل الدولية الأخرى، وكسبت تأييد العالم لحق شعبنا في تقرير مصيره وإقامة دولته المستقلة وعودة لاجئيه الذين شردتهم النكبة قبل 61عاما. وخلال العقود الطويلة من التضحية المتواصلة، عكس نضال شعبنا وكفاحه العنيد إصراره وتصميمه على نيل حريته واستقلاله وكفاحه وفي هذه الأيام، حيث تمر الذكرى المؤلمة يتواصل  العدوان ويأخذ  أشكالا جديدة ومتصاعدة  بهدف كسر إرادة  الشعب الفلسطيني وفرض الوقائع التي كرسها الاحتلال من خلال استمرار حملات الاستيطان وتوسيع المستوطنات وبناء جدار الضم والعزل العنصري وتحويل أراضي الضفة إلى معازل، علاوة على ما شنه من عدوان همجي على قطاع غزة أوائل العام الجاري وما خلفه هذا العدوان من خسائر فادحة  في الأرواح والممتلكات وتهجير آلاف الأسر بعد تدمير منازلها مما أعاد للأذهان صور أيام النكبة الأولى  التي  حلت بشعبنا بالإضافة إلى استمرار فرض الحصار الظالم على القطاع وعزله عن العالم الخارجي.

 من اجل العيش بحرية وكرامة، ولذلك قدم على هذا الدرب عشرات الألوف من الشهداء و الجرحى والأسرى والمشردين

 
بعد 61 عاما على النكبة، وبعد قرابة قرن على بدء الصراع المسلح مع العصابات الصهيونية اليهودية التي احتلت فلسطين، لا تزال الذاكرة الفلسطينية حية وعميقة. وان جفت بعض الدماء هنا أو هناك، الا أن الجراح لا تزال راعفة، ويصدق القول أن أصعب الجراح تلك التي لا تنزف الدماء. ومن خلال القصص التي قدمها المشاركون في مسابقة جائزة العودة 2009 – مضمار القصة الصحفية المكتوبة – لمسنا نحن لجنة التحكيم، مدى الألم الذي ينبعث من هذه القصص، وقد شعر كل واحد فينا بالحسرة تعتصر قلبه وهو يقرأ عن مأساة شعب كامل تعرض للذبح والتقتيل والتشريد لصالح فكرة إقامة وطن لشعب آخر جاء من أصقاع الأرض.

 


إنطباع أول
 
مرّت اليوم بضعة سنوات منذ ذلك اليوم الشتويّ. لا أزال أذكره ملوّنًا بأطياف رمادية تقطعها مَشَحات داكنة وأخرى مضيئة كأنها دُهنت على التوالي بالرصاصيّ والفضيّ بفرشاة تركت حركاتُها الخاطفة أثرها على السماء.

كنّا نمشي في درب ضيق على سفح الكرمل وقد ملأت الجو رائحة ساعات ما بعد المطر الغزير. تخبّ أقدامنا في وحل خفيف داخل تلك البقع الترابيّة الطينيّة الصغيرة المتناثرة بين سطوح الحجارة المفلطحة التي ترصف الطريق الوعريّة، وجزر العشب القاسي الذي أفقدَه العيش حيث تسلك أقدام البشر طراوة العشب المعهودة. فلونه داكن أو على الأقل أعتمُ خضرةً من تلك الحشائش الناعمة اليانعة السعيدة الخفيفة على جانبي الطريق. لكنه، عشب الطرقات، لا يموت بل يربدّ ويكاد يسودّ كأنه يعبّئ ألمه، تحت وطأة السائرين عليه، حِقدًا مبرّرًا يظهرُ في وجهه قد ينفجر في كل لحظة؛ كالبشر تمامًا حين تقمعهم أقدام غريبة ثقيلة.
 

    
سوف نقترح في هذه الورقة أن اللاجئين المقيمين في المخيمات يشكلون عنصرا متميزا في المقاومة الوطنية، وفي العمل الجماعي والوعي الجماعي الكامن الذي يتداخل مع لاجئي الشتات ولكنه يختلف عنه. ومن هنا، ستناقش هذه الورقة بأن الخصائص الثقافية والعملية المتعلقة بـ"المحلي – الوطني" تقدم دعما حاسما لـ"الوطني" في أوقات الأزمات مثل الأزمة الراهنة، وأن للمخيم "حقوقا جماعية"، حتى لو لم يتم الإفصاح عنها بوضوح تام، والتي تؤهل لاجئي المخيمات من أجل تمثيلهم في المؤسسات الوطنية، وفي مفاوضات التسوية السياسية وفي مستقبل الحكم الفلسطيني، ولدعم هذه الحجة سأقدم ثلاث أنواع من الأدلة: 1) شهادات من مخيمات تحت الحصار، شاتيلا (أيار-حزيران 1985) وجنين (آذار-نيسان 2002)؛ 2) أمثلة عن "التنظيم الذاتي" للمخيم في الضفة ولبنان؛ و 3) سجل لنقاشات جماعية في أوساط الجاليات الفلسطينية تمت في عامي 2004 – 2005 (نابلسي، 2006).[1]