باقون على هذه الأرض المقدسة

 

ما أكثر ما كتب عن النكبة، وكل ما كتب لا يوفي هذا الحدث الجلل حقه... فالنكبة كانت الحدث الأخطر في القرن العشرين والذي ما زلنا وحتى يومنا هذا نواجه تداعياته وآثاره.

ففيها خسرنا الجزء الأكبر والأجمل من الأرض، وبسببها انقطعت قوة الدفع الفلسطينية، فعجلة العمران والاقتصاد والتعليم كانت في أوج حراكها وإذ بها فجأة تتوقف. معها خسر شعبنا المبادرة وقوة الفعل وصار جل اهتمامه مجموعة من ردود فعل بائسة، وصارت قضيته في ليلة وضحاها قضية مساعدات انسانية لا قضية حقوق انسانية ووطنية.

وقد كان للنكبة آثار مدمرة على الكنيسة المسيحية الفلسطينية وهو موضوع قلما تطرق الباحثون والكتاب اليه، ولذلك ارتأيت أن أسلط في هذا العام  الضوء عليه.

فحسب الإحصاءات بلغت نسبة المهجرين المسيحيين جراء النكبة حوالي 50.000 مهجر وهو ما يساوي 7% من مجموع المهجرين الفلسطينيين، أو ما يقارب 35% من مجموع المسيحيين الفلسطينيين؛ أي أنه وبين ليلة وضحاها خسر أكثر من ثلث المسيحيين الفلسطينيين أملاكهم وأرزاقهم وأعمالهم وأضحوا بلا حول ولا قوة هائمين في لبنان والضفة وغزة والاردن.

 وقد شكلت النكبة ضربة قاضية للوجود المسيحي في عدة مدن، ولم تستطع الكنيسة بعدها أن تستعيد عافيتها. فالقدس الغربية، والتي كانت تعبيرا حيا عن الحركة الاقتصادية والعمرانية الفلسطينية، خسرت بعد النكبة 88% من مسيحييها، أما يافا عروس البحر الفلسطيني، والتي كانت خلية نحل وعمل لا يعرف الكلل، فقد خسرت 73% من مسيحييها عام 1948، وتأتي بعدها مدينة اللد التي هجر منها 70% من مسيحييها، أما حيفا فقد أجبر 52% من مسيحييها على تركها؛ تليها الرملة التي فقدت 40% من مسيحييها.

لقد شكلت النكبة بحق ضربة شبه قاضية للكنيسة المسيحية الفلسطينية، لم تستطع بعدها من أن تستعيد قوتها ونشاطها وحيويتها وعنفوانها. وما زال يعيش أكثر من 60% من المسيحيين الفلسطينيين خارج فلسطين التاريخية مهجرين يأملون العودة.

والنكبة مستمرة ، فالأرض تقضم، والاقتصاد يتبع ، والبيوت ما زالت تدمر، والناس ما زالت تهجر ...

والسياسة الدولية ما زالت تركز على ادارة الأزمة لا حلها، كما أن السياسة الفلسطينية ما زالت تفتقد لرؤية واضحة وخطة علمية لمواجهة هذه التحديات.

 ولكننا باقون على هذه الأرض المقدسة، كشجر الزيتون منتصبين، لندر على عالمنا ظلالاً ولنقدم على مذابحها زيتاً ينير في عتمة هذا الزمان...

-----------------------------------

 القس . د . متري الراهب، راعي كنيسة الميلاد الانجيلية اللوثرية في بيت لحم، ورئيس مجموعة ديار.


--------------------------------------------------------------------------------