العنصرية، المقاطعة، والكم الغزير من النفاق

العنصرية، المقاطعة، والكم الغزير من النفاق


خلال تصفحي للجرائد في أحد مقاهي جنيف، لفت انتباهي فقرة في أسفل الصفحة الرابعة. مقال صغير يشير إلى التصريح الأخير للبنك الدولي، حيث "استنتج" فيه ما نعرفه قبل الآن: لم يحصل الفلسطينيون على كمية كافية من المياه، وأن ما يستخدمه الأفراد الإسرائيليون للمياه يقدر بأربعة أضعاف ما يستخدمه الأفراد الفلسطينيون، حيث تغطي كميات المياه المستخدمة بالكاد احتياجاتهم الضرورية. مع الأسف، فإن هذا المثال الواضح على ابارتهايد إسرائيل كان مطمورا بين ثنايا تعليق على خطاب الرئيس الإيراني محمود احمدي النجاد. في الحقيقة، فإن الواقع العنصري الذي يعيشه الفلسطينيون برمته مطمور خلف الخطابات السياسية العريضة.

أعود إلى بريطانيا، أقلّب أعداد الأسبوع من جريدة "الغارديان"، عدد يتيم فقط غطى مؤتمر الأمم المتحدة لمراجعة ديربان في سياق خطاب أحمد نجاد ومقاطعة المندوبين من أوروبا وأمريكا الشمالية.

على الأمم المتحدة الكثير من الحمل في مواجهة العنصرية. كإحدى المشاركات في جلسات المجتمع المدني، أعتقد أن المؤتمر ليس فقط فرصة مهمة لمناقشة عنصرية إسرائيل، ولكن أيضا منبرا للتركيز على قضايا أخرى مثل العنصرية بحق المجموعات غير الحصينة كالغجر والداليت (يعرفون بالمنبوذين، وهم أدنى الطبقات في النظام الطبقي الهندوسي القديم)، بالإضافة إلى أهمية تعويض المنحدرين من تجارة العبيد الأوروبية-الأطلنطية.

يطالب النشطاء العالميون الباحثون عن العدالة لفلسطين برد جذري على الهيكل العام للصهيونية باعتبارها تفضل حقوق مجموعة عرقية كأولوية على حساب مجموعة عرقية أخرى. وفي الوقت الذي لم يتوقع فيه أحد بان يتبنى مؤتمر مراجعة ديربان تحليل نظام إسرائيل على أساس الأبارتهايد، فإن انتقادات الشخصيات الدولية للتمييز العنصري المنهجي الذي ترتكبه إسرائيل بحق الفلسطينيين قد ازدادت خلال السنوات الأخيرة. ورغم الإدراك بأن قرارات الأمم المتحدة بشأن الفلسطينيين، كأي شعب محتل آخر، لن تقود إلى فعاليات دولية، تظل الوثيقة الختامية الصادرة عن مؤتمر الأمم المتحدة العالمي ضد العنصرية في ديربان (2001) علامة فارقة في هذا السياق. لقد أدرجت الوثيقة، التي رفضها الإسرائيليون والأمريكيون بحجة "معاداة السامية"، الفلسطينيين كضحايا مباشرين للعنصرية، رغم فشلها في تسمية مصدر هذه العنصرية. لقد نظر العديد من منظمات المجتمع المدني إلى ديربان على أنه يؤسس لهيكلية مفاهيم مفيدة لمصارعة العنصرية التي تشكل قلب المعاناة الفلسطينية الطويلة.

لقد هدف مؤتمر مراجعة مقررات ديربان الذي انعقد في جنيف 20-24 نيسان 2009، لأن يكون منتدى تقييميا للتقدم نحو الأهداف بعيدة المدى التي صاغها مؤتمر ديربان قبل ثماني سنوات. بيد أن خطوة تكتيكية من قبل دول أمريكا الشمالية وأوروبا قد أبرزت بان مسودة إعلان مؤتمر مراجعة ديربان لا يتضمن اي انتقاد لإسرائيل. خلال الجلسات التحضيرية، تم شطب أوراق وبيانات "هجومية" لشمولها على مصطلحات مثل "عقاب جماعي غير قانوني"، و "تعذيب". لم يكن لدى إسرائيل وكندا والولايات المتحدة، تحت إدارتي الرئيسين جورج بوش وبراك اوباما، أي عزم بالسماح بتكرار لغة عام 2001. فقاطعت الدول الثلاث العملية منذ بدايتها. وقد أعاد أوباما المشاركة الامريكية في عملية التحضير ولكن سرعان ما انسحب مجددا.

لم يكن النشطاء العرب والفلسطينيون المحبطين الوحيدين من رفض الرئيس الأمريكي الجديد ذي الأصول الأفريقية من حضور مؤتمر الأمم المتحدة حول العنصرية، فقد كتب الممثل والناشط داني غلوفر نداء اللحظة الأخيرة لأوباما من خلال تأكيده على أهمية توفير "الدعم والتعويض" لضحايا التاريخ بما في ذلك ضحايا التاريخ المعاصر، وذلك في جريدة "ذي نيشن" The Nation ، في الثامن من نيسان: "أليس مؤتمر الأمم المتحدة هو المكان الصحيح تماما لرئيسنا الجديد لكي يعرض أمام العالم التزامات إدارته بشعار "التغيير، نحن نؤمن به" والذي يعني نبذ تراث دولتنا الأسود في انتهاك القانون الدولي، وتشويه الأمم المتحدة، واستخدام الاستثناء الأمريكي لتبرير المضي بعيدا جدا عما يتوقعه العالم من المسؤولية الملقاة على قيادة الولايات المتحدة؟". 

لقد اصطدم هذا النداء بآذان صماء. وإذا كان تمييع جدول الأعمال هذا غير كاف، فقد تم استدعاء رانيا ماضي، ممثلة مركز بديل في جنيف إلى مكتب مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان قبل نحو أسبوعين من انعقاد المؤتمر، وذلك من أجل إبلاغها بأن المنظمين لن يسمحوا بتنظيم فعاليات تتعلق بفلسطين كـ "نشاطات جانبية" رسمية. على الجهة المقابلة، أوجد نشطاء اللوبي الإسرائيلي طريقة في تنظيم نشاطاتهم الجانبية الخاصة، رغم الإعلان عن حظر تنظيم نشاطات تتعلق بفلسطين وإسرائيل. لقد تمت عملية الالتفات على هذا الحظر من خلال تأطير النشاطات وعنونتها تحت "محاور" عالمية عامة للعنصرية، وتجنب إرجاعها إلى إسرائيل. انعقدت الجلسات، وسمحت لأمثال آلان ديرشوفيتش، إيلي ويسيل، والممثل جون فويت لشجب "معاداة السامية" الفلسطينية والإيرانية، و "النازية"، والعنصرية ضد إسرائيل.

مع إخماد أصوات الانتقادات الفلسطينية لإسرائيل، تُرك المجال لأحمدي نجاد لخلط انتقادات شرعية لإسرائيل كدولة عنصرية مع ايدولوجيته المنتقدة. لا بد وأن نشطاء اللوبي الإسرائيلي قد اعتقدوا بأنهم كسبوا الرهان. إن خطاب أحمدي نجاد وانسحاب 23 مندوبا لدول أوروبية وأمريكية شمالية (لا نذكر هؤلاء الذين لم يحضروا منذ البداية)، تعني أن عليهم إتمام عمل قليل ليس فقط لمنع اتهام إسرائيل بالعنصرية، ولكن أيضا لطرحها كضحية للعنصرية.

بالرغم من الإخفاق التام للحدث المركزي، فإن مؤتمرا ليومين من تنظيم اللجنة الوطنية لمقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، قد استضاف مجموعة من الخبراء الدوليين والنشطاء من أجل ممارسة وتطوير الاحتمالات باستخدام الأجهزة قانونية لمواجهة العنصرية الدولية. كأحد المنظمين، لاحظت مديرة مركز بديل إنغريد غاسنر جرادات، أن مقاطعات/عراقيل مشابهة من قبل حلفاء الولايات المتحدة لمؤتمرات الأمم المتحدة ضد العنصرية قد حصلت في أعوام 1978 و 1983: "هذه المقاطعات/ العراقيل، لم تستطع منع عزل نظام الأباتهايد في جنوب أفريقيا ومن ثم إبادته النهائية". لقد ناقش النشطاء من مختلف دول أوروبا وأماكن أخرى أهداف بعيدة المدة، ومواضيع انطباق جريمة "الأبارتهايد" على إسرائيل كما نص عليه القانون الدولي، وبلورة استراتيجيات لتنظيم حملات ضد منظمات يهودية خالصة (مثل الصندوق الوطني اليهودي- كيرن كاييمت)، في دولهم الوطنية، وأيضا مناقشة الاستراتيجيات القانونية المحتملة لإحضار إسرائيل للمحاسبة أمام المحاكم الدولية.

لقد أشار سيموس مايلن من جريدة "الغارديان"، أحد المعلقين القلائل الذين يكتبون عن شعورهم الشخصي في الصحافة الرائجة في بريطانيا، إلى الحقيقة المقلقة التي تفيد بأن جميع المقاطعين كانوا "دول أوروبا، أو مستوطنين من أصول أوروبية. إن مثل هذا الانقسام العرقي التام بين البيض مقابل البقية في المنتديات العالمية لهو أمر غير مسبوق. كيف أصبح الأمر بغاية السخرية، بأن يحدث ذلك في مؤتمر مفترض أن يواجه العنصرية العالمية، "المقاطعون" في جنيف، المفعمون من الوقوف وراء مجزرة إسرائيل في غزة ينكرون عنصريتهم الذاتية ودورهم المستمر في معاناة الشرق الأوسط" (23 نيسان 2009). إن النفاق الذي يخبرنا به الساسة والإعلاميون الأوروبيون بأن مقاطعة إسرائيل ما هي إلا معاداة للسامية أو ذات نتائج عكسية، قد انكشف أخيرا بمقاطعتهم لخطاب أحمدي نجاد، أو حتى في جميع التطورات في مؤتمر الأمم المتحدة حول العنصرية. هذا ما أحس به، أنا أستطيع أن أتصور فقط كيف يشعر الفلسطينيون تجاه المجتمع الدولي الذي يخذلهم، مرة أخرى".

-------------------------

* ايزابيل همفريز: عضو في شبكة الأكاديميين والقانونيين الدوليين العاملة على حقوق اللاجئين في مركز بديل-المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين. شاركت في مؤتمر مراجعة نظام إسرائيل العنصري. نشرت نسخة أولى من هذا المقال في "الإنتفاضة الألكترونية" في 28 نيسان 2009.
--------------------------------------------------------------------------------