التضامن مع فلسطين استقراء الماضي لفهم المسقبل

التضامن مع فلسطين استقراء الماضي لفهم المسقبل

                                                           

لم تحظ دعوات التضامن مع القضية الفلسطينية في الحصول على ما تستحقه من اهتمام؛ وذلك بالرغم من الجهود العديدة التي بذلها الناس في مختلف أنحاء العالم، في تعاطفهم وتضامنهم مع قضية فلسطين على مر التاريخ وفي الوقت الحاضر، وبالرغم من الأهمية الإستراتيجية للتضامن العالمي بالنسبة لقضية فلسطين، ولدورها في تحقيق أهدافنا الوطنية. يوجد فجوة كبيرة ما بين الدعم الممكن لقضيتنا، وبين الدعم الحاصل فعليا، والدعم الملموس الذي لا زال راسخا على أرض الواقع. فلننظر كيف نرى في كثير من الأحيان أبناء شعبنا يصرخون أمام كاميرات الجزيرة، مع كل عمل وحشي ترتكبه إسرائيل، قائلين: "أين العرب وأين المسلمين؟"، وكم من المرات نسمع الشعارات الحماسية من المتحدثين العرب في البرامج التليفزيونية والإذاعية عبر الهاتف، والتي تطالبنا بالاستمرار في الصمود، وبأنهم معنا! وبالرغم من هذه النداءات، هناك شيء لا زال غائبا؛ فإسرائيل تستمر بفعل ما تفعله، ونحن نواصل الكفاح والصمود، ولكن يزداد عدد شهدائنا، وكذلك يزداد عدد المستوطنات الإسرائيلية. ومع ذلك يبدو من الصعب أن نميز إنجازاتنا السياسية، وفي بعض الأحيان يبدو أننا نتقهقر فحسب.

أعتقد أن من الأهمية بمكان تحديد معنى التضامن أولا، من دون أخذ معنى الكلمة والتسليم به بوصفه شعارا.

فالتضامن يعني المبادئ والقيم والنضال المشترك بين الشعوب والحركات؛ وهذا يعني أن التقدم لصالح حركة ما يعني التقدم للحركة الأخرى، وبالمثل: فإن التراجع على جبهة ما؛ يعني التراجع على الجبهة الأخرى. والتضامن هو أمر مختلف عن قبول المساعدات الخيرية أو تقديمها؛ فالتضامن هو العمل المشترك بالتنسيق مع الحلفاء لتحقيق المصالح والأهداف الجماعية. ورغم أن رعاية الدولة لقضية ما يمكن أن تعني التضامن أيضا، ولكن مصالح الدولة ومصالح حركة تحرير وطني ليست ذات الشيء. فالتضامن الحقيقي هو ذلك المتأصل في القوى السياسية والاجتماعية على أرض الواقع، أي الشراكة النضالية، في شبكات العمل وتبادل الأفكار المشتركة مع أقرانهم في المجتمعات الأخرى. وإذا ما كان التضامن متجذرا في القاعدة، فلن يكون في الأساس أي داع للقلق بشان التغييرات في سياسة الدولة أو الحكومة. وفي هذا الصدد؛ يحتاج التضامن أن يتمثل في الولاء لمبادئ مشتركة، وليس لهياكل الحكم التي تفسد بسهولة مع مرور الوقت، ولا يجب أن يتوقف التضامن على انتقاء الأفراد واختياراتهم.

وبعد تحديد مفهوم التضامن، من المناسب أن ننظر إلى الماضي الفلسطيني؛ لنرى كيف لعبت الجهود التاريخية للحلفاء دورا مهما في كفاحنا.

يجب أن نشير أولا؛ إلى أن فلسطين لم تكن يوما قضية الشعب الفلسطيني وحده، بل كانت لها أهميتها في النضال العربي ضد الامبريالية الغربية، مما جعلها قضية العرب المركزية في إطار الكفاح العربي من أجل تقرير المصير والحداثة – ولكسر أغلال التبعية للغرب، على الصعيد الاقتصادي والسياسي، وأيضا للابتعاد عن الأجندات الرجعية التي كانت ستظهر فيما لو قمنا بتنظيم أنفسنا على أسس قطاعية: دينية أو اثنية صارمة. وهذا هو السبب الذي دفع العديد من مجتمعات مرحلة ما بعد الاستعمار أن تنظر للقضية الفلسطينية، باعتبارها كفاح من أجل المستقبل المأمول، لأنهم يستطيعون تعريفها وفهمها من خلال تجربتهم الكفاحية في التحرر من الاستعمار خلال تاريخهم الخاص. هذا، بالإضافة لدور فلسطين في التراث الإسلامي والمسيحي، الذي أضاف بعدا آخر؛ حيث ينفي النضال الفلسطيني بصورة مباشرة كل نوع من أنواع الادعاءات الحصرية  أو الاستثناء في العلاقة بالأرض على أسس دينية، وهي الصهيونية في حالتنا هذه.

وقد ترجمت الأبعاد المختلفة لهوية النضال الفلسطيني إلى العديد من أشكال التضامن مع مرور الوقت، وعلى امتداد خطوط سياسية متعددة.

 وعلى سبيل المثال؛ جاء العديد من المتطوعين العرب والمسلمين إلى فلسطين عام 1948، من مناطق بعيدة جدا مثل المغرب العربي، اليمن، البوسنة، والعراق في جهود لمنع وقوع نكبة فلسطين.

 وخلال سنوات الخمسينات وأوائل الستينيات، وخلال مرحلة تصاعد المد القومي العربي وحركة عدم الانحياز، جرى إبراز القضية الفلسطينية في أوساط حركات التحرر الوطني من السيطرة الاستعمارية في آسيا وإفريقيا.

 وقد كان لإعادة هيكلة منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1968، في سياق هزيمة المشروع القومي العربي الرسمي؛ ضرورة لتمهيد الأرضية للفلسطينيين لتولي قيادة نضالهم والبحث عن حلفاء من اختيارهم، وتزامنت هذه العملية مع تصاعد الاتجاهات السياسية الراديكالية في أوروبا الغربية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، هذا إلى جانب التعبيرات الجيفارية في أمريكيا الجنوبية والوسطى، وإلى جانب المقاومة الصلبة في فيتنام. إن كل ذلك شكل الأسس المادية والمعنوية لحركات التضامن لتنتشر وتتعزز في أوساط الحركات الساعية للتغيير.

 وهذه الانجازات على صعيد التحالفات بين القضية الفلسطينية وحركات ودول أخرى تبقى محط إعجاب واحترام؛ وبخاصة، عند النظر لتنوع الأنشطة التي اشتملت عليها هذه التحالفات، فقد تدفق الناس بمختلف قطاعاتهم لدعم القضية الفلسطينية – كممرضين، وجامعي تبرعات، مقاتلين وفنانين، كما دفع العديد منهم أثمانا باهظة لتفانيهم في الدفاع عن القضية الفلسطينية، ومن ضمنها السجن، الإصابة وحتى الاستشهاد.

 إذن، ما هو الخطأ الذي حدث؟ لماذا لا نزال نذبح على شاشات التلفاز لكي يشاهدنا العالم، وبدون قوى تضامن ملموسة لمنع حدوث ذلك مرة أخرى؟

 لا يوجد سبب واحد لهذا التراجع، كما لم تستفد قضيتنا من المبالغة في التبسيط. ومع ذلك؛ لا بد من محاولة تحديد المواضيع التي ساهمت في غياب القضية الفلسطينية ومعها أجنحتها التضامنية.

 وأحد الافتراضات الخطيرة هو أن حركة وطنية خلطت وواصلت الخلط بين الدعم الذي تقدمه الدول لقضية ما، وبين التضامن الحقيقي الذي ينبع من القواعد الشعبية.

 والاعتماد على دول مثل؛ مصر عبد الناصر، عراق صدام، أو سوريا الأسد، سوف يترك دوما القضية الفلسطينية رهنا بمصالح أخرى. وفي كل الأحوال؛ ماذا يعني الحصول على تضامن من حكومة تقوم في نفس الوقت باعتقال وقمع المعارضة المشروعة في داخل حدودها، وحتى لو كانت عناصر خطابها وممارساتها داعمة أو جذابة؟ وبالتالي، لا نستطيع التحالف مع حكومات تقمع شعوبها، ونتوقع في الوقت نفسه من تلك الشعوب المضطهدة الوقوف إلى جانبنا، ومثل هذه الحجة يمكن تقديمها فيما يخص الدعم الذي قدمته دول الكتلة الشرقية في السبعينات والثمانينات، أو الدعم الإيراني لفلسطين هذه الأيام.

 التحالفات التضامنية يجب أن تستند دوما إلى المبادئ، وليس على التحالفات السياسية مهما بدت الفرصة مواتية لهذه التحالفات؛ فقد وعد صدام فلسطين بستة ملايين من الفدائيين، وبدلا من ذلك تقوم المليشيات العراقية هذه الأيام بتطهير الفلسطينيين من العراق. ولذلك؛ ينبغي لنا دراسة هذا التاريخ عن كثب. لا يوجد أي بديل عن التضامن المتأصل بين الناس والشعوب الذين نشاركهم نفس الأهداف التحررية، وحتى لو استغرق هذا التضامن الحقيقي الوقت الطويل لبنائه، سيظل مستقرا على المدى البعيد، ولديه تكامل أخلاقي وسياسي أكثر، وبالتالي لديه القدرة ليكون أكثر قوة إذا تم تنظيمه بالصورة الصحيحة.

ويعزى السبب الثاني لانخفاض التضامن مع القضية الفلسطينية إلى "عملية سلام" أوسلو، فهذه الاتفاقية سببت خسارة فادحة لوضوح قضيتنا وفي كيف نظر لها حلفاؤنا، وخصوصا في أعقاب نمو التعاطف الشعبي الذي برز خلال الانتفاضة الأولى.

 أولا، هناك حقيقة أن منظمة التحرير الفلسطينية قبلت، كما واصلت في الواقع طلبها؛ رعاية الولايات المتحدة لـ"عمليات السلام" ولزيادة تدخلها أكثر في العملية، وبالتأكيد، تكون هذه رسالة ملهمة لقوى تضامنية محتملة عندما يكون الطرف الرئيسي الذي تبحث عن مصالح مشتركة معه هو القوة العظمى الوحيدة في العالم، وهي الجهة الملطخة أيديها بدماء الشعوب المكافحة من أجل حريتها وتحريرها، من فيتنام وحتى غواتيمالا؛ وذلك بدلا من البحث عن بناء التحالفات مع الشعب الأمريكي – الذي على الرغم من تناقضاته وتعقيداته، لا يستفيد من السياسات الامبريالية لحكومته – فقد سعت القيادة الفلسطينية وفقا لمبدأ التوجه من القمة إلى القاعدة بدلا من العكس من أجل بناء التضامن والتحالفات. وقد تم تركنا نناشد الطبقة السياسية الأمريكية التي لها مصلحة في تعزيز قوة إسرائيل وحماية مصالحها في الشرق الأوسط، بينما يجري تجاهل القوى العاملة الأمريكية غير المستفيدة من تلك السياسات، وهي في الواقع مصدر معتبر للضرائب التي تضخ على حساب خدمات الرفاه الاجتماعي من أجل دعم إسرائيل في اضطهادنا.

إضافة لذلك؛ بعثت اتفاقية أوسلو رسالة مفادها؛ أننا نصنع السلام بينما الحقيقة أن إسرائيل مستمرة في حربها بوسائل أخرى. ومن خلال الامتناع عن تسمية العنصرية في أساسها، والطبيعة الاستعمارية للحركة الصهيونية باسمها؛ باعتبارها مصدر الصراع مع دولة إسرائيل، كنا قد خسرنا الفرصة للعب بورقتنا الأقوى؛ وهي الورقة الأخلاقية. وبدلا عن ذلك، تصرفنا بطريقة دفاعية، متنازلين عن 78% من أرض وطننا، وقبول عدو لم يعترف قط بأي من حقوقنا الوطنية الأساسية.

 إن معظم حركات وقوى التضامن لن "تكون كاثوليكية أكثر من البابا"؛ وإذا ما ظلت قيادة وطنية بعيدة عن الدفاع عن مبادئها الأخلاقية، فلماذا تضيع حركات التضامن وقتها في دعمها؟ بالطبع، ليس سهلا تحويل "الورقة الأخلاقية" لخطة عمل لتحرير فلسطين، ولكن بدون هذه الورقة لا يمكننا الضغط من أجل قضيتنا في سياق اختلال واضح لموازين القوى ضدنا. فالورقة الأخلاقية هي ورقتنا الأقوى لأنها وحدها القادرة على كشف تناقضات الدعم الغربي لإسرائيل، هذه الورقة لا تستطيع انجاز المهمة وحدها؛ فقد كانت هي الورقة التي تم استخدامها لكسب الحقوق المدنية للسود في أمريكيا، ولإنهاء الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، وبذات القدر يمكن استخدامها في سياقنا الفلسطيني اليوم.

 وأخيرا، فإن غياب الوحدة الفلسطينية يجعل من الصعب على قوى التضامن أن تتولى القيادة والتوجيه عند محاولتها طرح الموضوع في داخل مجتمعاتهم، فأي رواية يفترض بهم سماعها – رواية حماس؟ فتح؟ أو لا هذا ولا ذاك؟ إن غياب الوحدة الوطنية يعيق بصورة خطيرة بناء جبهة التضامن العالمية مع قضيتنا، وبشكل خاص في الغرب. وبالمقابل، ظل الصهاينة منسجمين وموحدين حول حقوقهم وقضيتهم المفترضة، كما عالجوا وحلوا مشاكل ممارستهم الديمقراطية الداخلية مع غيرهم من الصهاينة.

 هذه الأفكار السريعة تستحق الاهتمام إذا أردنا بناء حركة تضامن قابلة للاستمرار، تكون كجبهة نشطة في النضال من أجل حقوقنا. وفي النهاية، ليس لدى الشعب الفلسطيني وحده القدرة على دحر الصهيونية والمدافعين عنها من الحكومات الغربية، ولذلك نحن نحتاج إلى المساعدة من الحلفاء العرب والأممين من أجل تحقيق النصر، ولكنه يجب أن يكون اتحادا للحلفاء من الطبقات الشعبية وليس مع الطبقات الحاكمة، ويجب أن تبنى التحالفات على ما هو أكثر من الشعارات العادلة، وعلى أشياء عملية قابلة للتطبيق، أشياء يمكنها حقيقة أن توقف دواليب القوة التي تحرك القمع والاضطهاد.

 لقد أيقظت الانتفاضة الثانية والحرب الأخيرة على غزة أصوات حركات تضامن قديمة، وفي نفس الوقت ساهمت في توعية قطاعات واسعة من الناس بالنضال الفلسطيني. وحملة مقاطعة اسرائيل، وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها؛ تقوم بضخ دماء جديدة ومفاهيم جديدة لدى حركات التضامن التي اضطربت سابقا بسبب الهزيمة السياسية والالتباسات في مرحلة أوسلو، وهي طريقة عملية للناس العاديين للاحتجاج على السياسات الإسرائيلية، وعلى تواطؤ حكوماتهم مع إسرائيل في جرائمها. وكلما ازداد عدد الفلسطينيين المنخرطين في تعزيز وتوسيع هذه الحملة، كلما زادت الفرص لإغلاق قنوات الدعم الذي ييسر لأبارتهايد إسرائيل ممارسة التطهير العرقي ضد شعبنا. ومثال عمال الميناء في جنوب أفريقيا الذين رفضوا تنزيل بضائع إسرائيلية في الميناء خلال الحرب الأخيرة على غزة، كان نموذجا جميلا للتضامن الحقيقي، يجب علينا السعى لتكراره في سياقات مختلفة ما أمكن، وفي شتى أنحاء العالم. فماذا سيحدث إذا لم يوافق العمال من الرجال والنساء في الغرب والشرق على القيام بتحميل وتنزيل المنتجات الإسرائيلية، أو لم يوافقوا على تزويد إسرائيل بالمصادر الضرورية لبقائها؟

سيصبح النظام الإسرائيلي منبوذا ويتجه للانهيار، إن مثل هذا السيناريو ممكن، ولكنه يحتاج للوقت كي يتبلور ويتلاحم ويأخذ شكلا محددا. وبناء شبكات التضامن بصبر وثبات حول حملة مقاطعة اسرائيل، وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها؛ هي الوسيلة الفضلى لضمان بناء تحالفات طويلة الأجل، وتحويل صرخات النجدة التي نسمعها عبر شاشات التلفاز إلى تهاني وتحيات، وكلمات شكر لحركات التضامن عبر الحدود.

 -------------------------------

 توفيق حداد: باحث وكاتب فلسطيني، له العديد من الإصدارات منها: نحو أممية جديدة: قراءات في العولمة، ما بين السطور: إسرائيل والفلسطينيون وحرب الولايات المتحدة على "الإرهاب".


--------------------------------------------------------------------------------