العنصرية الصهيونية في خطاب وممارسة الحركة الوطنية الفلسطينية

العنصرية الصهيونية في خطاب وممارسة الحركة الوطنية الفلسطينية

مع استمرار الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي، والعربي - الإسرائيلي، واستمرار النظام الصهيوني الإسرائيلي في ممارساته العنصرية ضد الشعب الفلسطيني في فلسطين التاريخية، ومواصلة حكومات إسرائيل المتعاقبة تطوير وتعزيز نظام قانوني مزدوج (تطبيق قوانين وسياسات عنصرية إحلالية ضد الشعب الأصلي في فلسطين؛ وتطبيق قانون ليبرالي ديمقراطي على المجتمع اليهودي في إسرائيل والمستوطنات اليهودية في الضفة الغربية والقدس المحتلة)، ومع تزايد الوضوح في الخطاب السياسي الإسرائيلي الذي يدعو للاعتراف بدولة إسرائيل كـ"دولة يهودية وديمقراطية"، وفي هذا السياق المتسم بالاضطراب والانقسام الداخلي والاختلال الكبير في موازين القوى لصالح إسرائيل؛ يحاول هذا المقال مراجعة الموقف الفلسطيني تجاه العنصرية الصهيونية.

تستند العنصرية الصهيونية عقيدتها على الربط المطلق بين "الأرض" و "الشعب" و"الدعوة" أو العقيدة التوراتية، باعتبار فلسطين "أرض الميعاد" لـ"شعب الله المختار" ليؤدي "رسالته" السامية في القضاء على "الأغيار"؛ حيث يكون على السكان الأصليين لفلسطين مواجهة  ثلاثة خيارات: الإبادة الجماعية، أو الطرد، أو الخضوع كخدم لـ"شعب الله المختار"، وكل النظام الاستيطاني العنصري بأبعاده القانونية، الاجتماعية، السياسية، الوطنية والدبلوماسية. والسؤال هنا: كيف تعاملت القوى الفلسطينية مع هذه العنصرية منذ انطلاقة حركة المقاومة التحررية الفلسطينية وحتى اليوم؟

 يمكننا أن نميز مرحلتين مر بهما الخطاب والممارسة الفلسطينية تجاه العنصرية الصهيونية، وكل من المرحلتين لها ظروفها وقواها الفاعلة وتحالفاتها ومفاعيلها، وربما تكون الحركة الفلسطينية عموما في حالة تغيير قد تؤسس لمرحلة جديدة فيما يتعلق بهذه المسألة ذات الأهمية الجوهرية بالنسبة للنضال الفلسطيني وحلفائه الإقليميين والأمميين، وسنقدم فيما يلي أهم سمات الخطاب والممارسة الفلسطينية في كلا المرحلتين.

 المرحلة الأولى: منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية – 1991

اتسم الخطاب الفلسطيني والممارسات والسياسات بالاتساق بين القول والفعل، وبوضوح المبادئ والمطالب الفلسطينية. فقد جاء في المبادئ الأساسية لحركة فتح أن "الصهيونية حركة عنصرية استعمارية عدوانية في الفكر والأهداف والتنظيم والأسلوب". كما أن الجبهة الشعبية والقوى اليسارية الفلسطينية اعتبرت "إن الهدف الرئيسي للغزوة الصهيونية كان - ولا يزال- زرع قاعدة بشرية مسلحة تستند إليها الامبريالية للوقوف في وجه حركة التحرر العربي"،  ورفعت شعار: "لا تعايش مع الصهيونية".  وجاء في المادة 22 من الميثاق الوطني الفلسطيني أن "الصهيونية حركة سياسية مرتبطة ارتباطا عضويا بالامبريالية العالمية ومعادية لجميع حركات التحرر والتقدم في العالم، وهي حركة عنصرية تعصبية في تكوينها، عدوانية توسعية استيطانية في أهدافها وفاشية نازية في وسائلها، وأن إسرائيل هي أداة الحركة الصهيونية وقاعدة بشرية جغرافية للامبريالية العالمية...الخ". هذا هو نوع الخطاب والتعبئة الفكرية والسياسية التي حشدت الحركة الوطنية الشعب الفلسطيني وراءه، وأنجزت التحالفات على امتداد العالم على أساسه.

ومنذ انطلاقة الثورة الفلسطينية في عام 1965 وحتى عام 1991 كانت نشاطات وأفعال منظمة التحرير الفلسطينية وفصائلها تنسجم في الممارسة مع هذا الخطاب إلى حد بعيد. وما جرى من جدل محدود متعلق بهذا الموضوع كان يتعلق بالعلاقة مع المجتمع اليهودي داخل إسرائيل، فبعض القوى الفلسطينية آمنت بوجود قوى يهودية غير صهيونية يمكن التحالف معها في النضال من أجل إقامة دولة ديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني؛ يعيش فيها الجميع بحقوق متساوية دون تمييز؛ حيث اعتبر الميثاق الوطني أن اليهود الذين كانوا يقيمون في فلسطين قبل عام 1947 هم فلسطينيون. ولكن تلك التباينات والجدل حول العلاقة بـ"اليسار" وقوى "السلام" في إسرائيل، كانت تتعلق بالاجتهادات في مسائل تكتيكية ولم تفترق في الجوهري والاستراتيجي، لا من حيث توصيف الصهيونية ولا من حيث التعامل معها. وقد كانت منظمة التحرير الفلسطينية طرفا فاعلا في حركة عدم الانحياز والجامعة العربية ولها تحالفات وطيدة مع حركات تحررية وثورية على امتداد العالم، وكانت طرفا رئيسيا في النقاشات والعمل السياسي والدبلوماسي الذي تم تتويجه بصدور قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3379 في تشرين ثاني 1975، والذي يعتبر أن "الصهيونية شكل من أشكال العنصرية". وقد واصل هذا السياق في الخطاب والممارسة يحصد النجاح تلو الآخر، حتى حققت القضية الفلسطينية أقصى مستوى من التأييد خلال الانتفاضة الأولى، مما زاد من عزلة إسرائيل. فلدى إعلان الاستقلال الفلسطيني عام 1988، وصل عدد سفارات وممثليات منظمة التحرير الفلسطينية؛ الذي هو بمثابة تمثيل دبلوماسي لدولة فلسطين إلى  104 سفارات وممثلية، فيما كان لإسرائيل تمثيلا دبلوماسيا في 67 دولة فقط.

وأهم السمات التي طبعت تلك المرحلة هي وجود رسالة فلسطينية موحدة تجاه إسرائيل والصهيونية؛ بغض النظر عن التناقضات الفلسطينية الداخلية التي ظلت في إطار ثانوي، إذ كانت الحركة الفلسطينية موحدة في وجه الصهيونية وحلفائها. كما خضعت التكتيكات للمبادئ والأهداف الإستراتيجية للحركة الفلسطينية، ولم يخضع الخطاب الفلسطيني الرسمي تجاه العنصرية الصهيونية للتكتيكات المرحلية، بل خدمته تلك التكتيكات. وقد كان تعبير "الكيان الصهيوني" وكيان العدو" و"الكيان العنصري"، وكانت "إسرائيل" توضع بين هلالين أو بما يسمى بإسرائيل ... الخ من التوصيفات غير المعترفة بشرعية المشروع الصهيوني في فلسطين.

وما ميز تلك المرحلة أيضا هو الانسجام بين الموقف الوطني الرسمي والشعبي، والتوافق بين المفكرين والمثقفين الفلسطينيين والسياسيين والمجتمع المدني، وهذا يعكس مستوى عال من الثقة الشعبية والتحامها مع القيادة الكارزمية للحركة الوطنية الفلسطينية، ووقوفها على الثوابت المبدئية، وتعبيرها الصريح عن حقائق الواقع الفلسطيني.

وعلى صعيد الأمم المتحدة؛ حققت الحركة الفلسطينية العديد من النجاحات، بعد طرح قضية فلسطين كبند ثابت على جدول أعمالها في عام 1974، وبعد غياب لأكثر من عشرين عاما، حيت أصبح زمام المبادرة في يد منظمة التحرير الفلسطينية، وخاصة في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وباتت القضية الفلسطينية تطرح كقضية حقوق وطنية وتقرير مصير وسيادة على أرض، وليس كمشكلة لاجئين إنسانية فقط. وكان لتحالف منظمة التحرير وفصائلها مع المؤتمر الوطني الأفريقي في جنوب أفريقيا دورا مهما في عزل النظام العنصري الذي كان يتحالف عضويا مع إسرائيل؛ وقد ساهم التحالف النضالي الفلسطيني الأفريقي في تسليط المزيد من الضوء على الطبيعة العنصرية للصهيونية ونظامها الاستيطاني في فلسطين. كما لم توفر فصائل المقاومة الفلسطينية أية فرصة لإيجاد قنوات اتصال وبناء تحالفات مع حركات يهودية غير صهيونية، أو مع اليهود على امتداد العالم، باعتبار أن الكفاح الفلسطيني موجه ضد إسرائيل الصهيونية وضد العنصرية ونظام الاستعمار الاستيطاني في فلسطين، وبأن اليهود ينبغي لهم أن يكونوا جزءا من هذا الكفاح، لأن الكثير من الجرائم الصهيونية ترتكب باسم اليهود وباسم الدفاع عنهم وعن حقوقهم. وهذه مؤشرات تدل على أن تلك المرحلة شهدت تمييزا في الخطاب والممارسة في سياق التعامل مع الصهيونية باعتبارها حركة عنصرية استعمارية، وبين اليهود الذين لا يعتنقون الصهيونية، أو وجدوا أنفسهم في أتون المعركة بدون علم أو بدافع الخوف أو البحث عن الفرص الاقتصادية، أو لأي سبب آخر.

وحصاد هذه المرحلة أنها أظهرت إسرائيل الصهيونية كدولة عسكرية لا تأبه بالقانون أو حقوق الإنسان، أو معايير العدل والمساواة. من جهة ثانية، لم يكن الخطاب والممارسة الفلسطينية في هذه المرحلة يقيمان فصلا حادا بين إسرائيل وحلفائها الغربيين وبخاصة اعتبار أمريكا "رأس الأفعى"، واعتبار إسرائيل قاعدة للاستعمار الغربي للهيمنة على المنطقة. ويمكن الاعتقاد أن إسرائيل رأت مستقبلها جيدا في تلك المرحلة وبأنها تسير على خطى أبارتهايد جنوب أفريقيا آجلا أم عاجلا؛ ولكن ما حصل بعد ذلك أبعد ناقوس الخطر إلى حد ما. ولكن إسرائيل الصهيونية ظلت تكافح طوال هذه المرحلة من أجل "الشرعية" و "الأمن".

المرحلة الثانية: مؤتمر مدريد 1991 – 2009

مع انهيار الاتحاد السوفييتي وتراجع حركة عدم الانحياز وحرب الخليج الأولى؛ تشكلت لدى الولايات المتحدة رؤية تستهدف تعزيز تحالفاتها ونفوذها في المنطقة، وبلورت فكرة مؤتمر مدريد فيما كانت الانتفاضة الفلسطينية الأولى متقدة في الداخل، بينما كانت منظمة التحرير تعاني في الخارج. ولما كان لمؤتمر مدريد أن ينعقد تحت مظلة الأمم المتحدة وقراراتها، تعللت إسرائيل أنها لن تجلس تحت مظلة الأمم المتحدة التي أصدرت قرارات لا تعترف بشرعية دولة إسرائيل، وبالتحديد قرار الجمعية العامة 3379 لعام 1975، مما دفع الاتحاد الأوروبي لقيادة حملة لإلغاء القرار المذكور، وما أن صدرت إشارة فلسطينية رسمية بعدم المعارضة حتى انعقدت الجمعية العامة، لتصدر قرارا في 16 كانون أول 1991 "يبطل قرار 3379" بعبارة واحدة ودون الدخول في نقاش، وبغياب ثماني دول عربية عن جلسة الجمعية العامة.

ومنذ تلك الأيام، ونحن نشهد الاضطراب والتخبط في الخطاب والممارسة الفلسطينية الرسمية وفي الموقف الدبلوماسي لدى الأطراف وفي المؤسسات الدولية؛ حيث أصبح موقف قيادة منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية بعد اتفاقية غزة-أريحا عام 1994 يتسم بالغموض والخجل والتردد. فقد تم اعتبار المفاوضات من أجل تحقيق تسوية سياسية للصراع الفلسطيني – الإسرائيلي هي أهم أسس العمل الفلسطيني السياسي الرسمي؛ وباتت الممارسة الفلسطينية الرسمية التي تقر بحق إسرائيل في الوجود تكافح من أجل شرعيتها وحقها الخاص في الوجود. لم تعد تسمى الأشياء بمسمياتها، ولم تعد التحالفات  تحالفات، وباتت المبادئ والقيم التحررية تخضع للاعتبارات السياسية اللحظية. هنا حصلت إسرائيل على إلغاء القرار وعلى اعتراف بشرعية وجودها، فيما تستمر "العملية السلمية" ويستمر الاستعمار الاستيطاني ويتعزز نظام التمييز العنصري بأبشع أشكاله وهو الفصل العنصري.

وخلال جلسة المجلس الوطني الفلسطيني في غزة عام 1996 ومن ثم بحضور الرئيس الأمريكي كلينتون في غزة عام 1998؛ جرى شطب جميع مواد الميثاق الوطني الفلسطيني التي تتعلق بإسرائيل والصهيونية وحتى باليهود ما قبل عام 1947؛ وذلك بهدف إقناع إسرائيل بأن منظمة التحرير لا تريد تدميرها، وعلى أمل المضي قدما في تحقيق السلام المنشود. ولكن، شُطب الميثاق وبقيت العنصرية والاحتلال والاستيطان والأوهام، وتعززت عنصرية إسرائيل باتجاه المزيد من البشاعة، باتجاه العزل العنصري والجدران والتوسع. وأصبحت الممارسة الفلسطينية تكابد الصعوبات في كل مجال من مجالات الحياة الفلسطينية، ودون رسالة جامعة تجمع العمل الفلسطيني في عمل مشترك من أجل هدف واحد.

وباتت القيادة الوطنية الفلسطينية تفصل بين إسرائيل والحركة الصهيونية وحلفائهما، وعلى النقيض من المرحلة الأولى، انتشرت الأوهام بإمكانية قيام حلفاء إسرائيل الأمريكان والغربيين بالضغط عليها لصالح الفلسطينيين، أو لوقف المجازر على الأقل، ولكن الأوهام شيء والواقع شيء آخر.

وما هو جديد في هذه المرحلة أيضا؛ هو بروز حركات المقاومة الإسلامية، حماس والجهاد الإسلامي كأطراف فاعلة على ساحة الفعل الفلسطيني داخل الأراضي المحتلة، لكن خطابها تجاه العنصرية الصهيونية لا زال يخلط بين الصهيونية واليهود، وممارساتها لا تتسم بالتمييز الدقيق للحاجة للتعامل مع المجتمع اليهودي داخل إسرائيل. وهذا الزخم الجديد للنضال الذي تمثله هذه القوى الفتية؛ قد يشكل ضررا كبيرا على الحركة التحررية الفلسطينية، إذا لم يقم بإنضاج خطابه وتخليصه من ردود الفعل التي تنطوي على عنصرية مضادة، فلا يمكن اقتلاع الشوكة بمثلها.

ولذلك، شهدت هذه المرحلة نوعا من التمايز والانقسام في المواقف الفلسطينية بين القيادة الرسمية وبين فصائل المقاومة المختلفة، كما برزت التمايزات لدى معظم أطراف المجتمع المدني الفلسطيني التي تحمل لواء القانون الدولي والحقوق والتي ترى بمعظمها وجوب إعادة الاعتبار ومأسسة قرار 3379.  ولعل الفشل في التعامل مع فتوى محكمة العدل الدولية بشأن جدار الفصل العنصري حتى الان، هو احد ابرز مظاهر التراجع وعدم وضوح الرؤية. لقد وصل الأمر بتبني الحجة الأمريكية – الغربية التي  تقول: "لا داعي لتدخل المؤسسات الدولية والأمم المتحدة في شان الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي" لأن ذلك قد يعيق "العملية السياسية"، وخير دليل على ذلك الموفقة الرسمية على إسقاط أية إشارة إلى فلسطين والفلسطينيين من مقررات مؤتمر الأمم المتحدة لمكافحة العنصرية (ديربان 2، نيسان 2009).

باختصار، إذا كان الخطاب المناهض للعنصرية الصهيونية لم يختف من المشهد الرسمي الفلسطيني حفظا لماء الوجه، فإن الممارسة النضالية ضد العنصرية الصهيونية ليست جزء من أجندة القيادة الوطنية الرسمية حاليا، وأي كلام أو تصريحات كلامية عن الموضوع؛ هي مجرد شعارات ونفاق موجه للمستوى الشعبي الفلسطيني.

وبعد، هل المجتمع المدني الفلسطيني يستطيع أن يلعب دورا مها في استعادة الخطاب الوطني التحرري الحقيقي، ويؤسس لممارسة نضالية ثابتة ومتراكمة ضد العنصرية الصهيونية؟ بالتأكيد لموقف المجتمع المدني أهمية بالغة في تعزيز الجبهة الداخلية ورفع راية الحقوق الوطنية خصوصا في مجال العمل مع قوى المجتمع المدني العالمي، ولكنها في كل الأحوال ليست البديل للقوى السياسية الفلسطينية التي تتحمل مسؤولية إنهاء حالة الانقسام الفلسطيني الحالي، ومسؤولية  وضع رؤية صحيحة وناضجة وإستراتيجية نضالية تقوم على أساس الحقوق الثابتة وقيم ومبادئ العدل والمساواة.

--------------------------

 سالم أبو هواش، باحث فلسطيني وناشط جماهيري، الرئيس الأسبق لمجلس إدارة بديل.


--------------------------------------------------------------------------------