حملة عزل أبارتهايد إسرائيل: دروس مستفادة من جنوب أفريقيا

حملة عزل أبارتهايد إسرائيل: دروس مستفادة من جنوب أفريقيا

 هنالك لحظات في التاريخ المعاصر التي شحذت فيها نضالات معينة همم ملايين البشر حول العالم للتضامن معها. لقد حدث ذلك خلال الحرب الأهلية الاسبانية، ونضال الشعب الفيتنامي ضد الإمبريالية الأمريكية، ونضالات تحرير جنوب أفريقيا. وقد حان الوقت لأن تقطع فيه الإنسانية التقدمية دابر الأضاليل والافتراءات والتعتيم، وتدعم مقاومة الشعب الفلسطيني بشكل جوهري.


لأكثر من 60 عاما، أنذرنا الفلسطينيون باعتداء تلو آخر، وجور متراكم على آخر، بدون تحقيق مستوى متكافئ للتضامن العالمي يكون كفيلا بإحداث تغيير جذري على حياتهم. إن الأمر الآن بأيدينا، لتغيير هذا الوضع غير المعقول. ليس من خلال الاستغاثة بالأنظمة الحاكمة في العالم وأذرعها، حيث ثبت بالدليل القاطع أنها بقيت صامتة، ظالمة، ومنافقة إزاء معاناة الشعب الفلسطيني، بل وساعدت أبارتهايد إسرائيل وإرهابها. والانكى من ذلك أن الأمر يحدث من خلال الاستعانة بأقوى سلاح فعال تعلمنا الاعتماد عليه، سلاح شُحذ واختبِر في تجارب نضالات العمال والشعوب المقموعة، على امتداد رُقع الجغرافيا والزمان: إنه التضامن. التضامن الدولي في هذا السياق، كما جاء على لسان الثوري الموزمبيقي الراحل، سامورا ماكيل: "ليس كعمل صدقة، ولكن كعمل وحدة بين حلفاء يناضلون على تضاريس مختلفة باتجاه تحقيق ذات الأهداف".

لقد إستمر الفلسطينيون في تحدي الانحياز الجارف لاسرائيل بإرادتهم الحرة، وصبرهم المتواصل، ومع ذلك، على نشطاء التضامن العالمي شحذ همهم وتعزيز نضالهم من خلال إطلاق العنان لطاقاتهم الخلاقة؛ وفي الحقيقة، يمكن لحركة التضامن ان تشكل عاملا هاما في القضية الفلسطينية في حال التغلب على الكثير من العقبات وإضعاف النزعة الفر دانية والتعصب التنظيمي والخلافات الداخلية.

إسرائيل: دولة حربية عسكرية أصولية

لا يحظى النضال الفلسطيني بفهم وتفهم عميق في انحاء مختلفة حول العالم. إن قراءة سريعة في المسار العام للإمبريالية يكشف عن الدور الوظيفي لإسرائيل كدولة أصولية، حربية وعسكرية ليس فقط لقمع الشعب الفلسطيني منتصب القامة وغير القابل للقهر والثني، ولكن أيضا كاحتياطي جاهز للاستجابة السريعة للأنظمة العربية الاستبدادية لدفعها الى الانخراط في مناقصات الإمبراطورية الإمبريالية في منطقة الشرق الأوسط وما خلفها.


لقد شمل ذلك، على مر السنين، دعم الإرهاب الجماعي ضد شعوب أمريكا اللاتينية، وتسهيل عملية التملص من العقوبات الدولية ضد جنوب افريقيا، بالإضافة الى توفير المعدات العسكرية والامنية للمرتزقة بغية ترهيب الجماهير كما حدث في غواتيملا، العراق، أو نيو أورليانز. إسرائيل بدورها استرسلت أيضا في العقوبات الجماعية والإرهاب الجماعي. علينا الإقرار بأن إقامة الإقتصاد الإسرائيلي ضمن نفس الدور السياسي والعسكري المنوط بالصهيونية ماضيا وحاضرا في تنفيذ مخططات الإمبريالية الغربية. وفي الوقت الذي تقوم فيه إسرائيل بدورها المتمثل بضمان أمن المنطقة لفتح الطريق أمام شركات النفط، فإنها أيضا تبادر حاليا الى فتح سوق متخصصة لانتاج معدات تكنولوجيا المعلومات بغية ضمان التطبيق اليومي العملي للإمبريالية الجديدة.


إن يد الإمبريالية الأمريكية الممتدة، ودعمها المطلق للـ "بربرية" أينما كان، وخصوصا في العراق وفلسطين، يجب أن يعجل من نشاطاتنا. ففي غزة، يعيش نحو 80 % من السكان الفلسطينيين تحت خط الفقر، ونحو مليون مواطن بدون مياه نقية، كهرباء، وخدمات ضرورية أخرى؛ ونحو 70 ألف عامل فلسطيني فقدوا عملهم بسبب الحصار على قطاع غزة. كل هذا، في وقت تستمر فيه أعمال القتل والقصف من المروحيات والطائرات الحربية المُصنّعة أمريكيا. إن جرائم الحرب الجبانة هذه تنفذ وسط إفلات إسرائيل من العقوبة، وبدون تنويه مستحق في وسائل الإعلام الرائجة.


إن الجعجعة والضجيج حول انجاز "إختراق" في انابوليس ما هو إلا خدعة لإرضاء ضمير "المجتمع الدولي" وضمان استمرار خموله؛ د. كرمة النابلسي كانت محقة في وصف هذا المشهد المسرحي.


إن هذا التحايل المكشوف من خلال طرح مثل هذه الشعارات الرنانة والمتعبة في آن، كـ "فرصة أخيرة للسلام"، "تسويات مؤلمة"، "معتدلون ضد متطرفون"، أضحت الآن بالية ولا تنطلي على عقل طفل صغير. لقد نظمت، في الواقع، من أجل شرعنة الوضع القائم. ورغم وجود روح انهزامية شديدة تسود وسائل الإعلام الرائجة والساسة المتعبين في كل مكان، فإن ثمة واقع ينبعث منه الأمل: الكثير من المواطنين العاديين حول العالم لم يتنازلوا، كما أن الفلسطينييين أنفسهم، أصحاب القضية، لم يتنازلوا.


لقد ظل الفلسطينيون صامدين وشجعان، رغم التعقيدات التي تلف المقاومة الفلسطينية، والصراع المستشري بين حركتي فتح وحماس، والانتقادات التي تثبط العزائم والهمم. نحن، ممن يتواجد خارج الزنزانة الإسرائيلية والأنقاض التي تخلفها آلة الحرب الإسرائيلية، نحمل مسؤولية دعم نضال الشعب الفلسطيني. إنني أؤمن أنه بالإمكان تحقيق ذلك من خلال حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها وفق ما أطلقته النقابات والإتحادات والهيئات والمنظمات الفلسطينية، والأكاديمية والطلابية والسياسية الواسعة والتي تمثل الغالبية المطلقة من الشعب الفلسطيني (أنظر الى www.pacbi.org). لقد كتبت الكثير من المسوغات الإستراتيجية لهذه الحملة، ونسوق هنا اقتباس الباحثة الأمريكية المقيمة حاليا في جنوب أفريقيا، د. فرجينيا تيلي، حيث كتبت بعد القصف العنقودي الاسرائيلي على لبنان:
"لقد حان الوقت، بعد سنوات من النقاشات الداخلية، والارتباك والتردد، حان الوقت لمقاطعة دولية شاملة لاسرائيل. أسباب ومبررات مقاطعة إسرائيل موجودة منذ عقود، ولكن جرائم الحرب الاسرائيلية الآن تصعقنا، إنها تطرف واضح. فالمعاناة كبيرة، والأمم المتحدة لا تقدم أية مساعدة، فيما يبقى أمر احتواء المجتمع الدولي لسلوكيات إسرائيل أمر مطلوب على وجه الضرورة. لقد حان الوقت للتحرك العالمي. في حركة منسقة لسحب الاستثمارات، وفرض العقوبات، ومقاطعة إسرائيل أن هكذا حركة ليس فقط للرد على أعمال وجرائم إسرائيل العدوانية المنافية للقانون الانساني، ولكن أيضا، وكما حدث في جنوب أفريقيا، للرد على الركائز العنصرية المؤسسة التي فرضت وما زالت تتحكم بالقضية الفلسطينية بكامل مركباتها".

الدروس المستفادة من حملة عزل نظام الأبارتهايد في جنوب افريقيا

من المفيد لفت انتباه النشطاء الى بعض الدروس المهمة المستقاة من حملة عزل الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، مع الأخذ بعين الاعتبار، نصيحة أميلكار كاربال للثوريين "الإعلام بدون كذب، وتحقيق الانتصارات ليس سهلا".


أولا: لقد مرّت عقودٌ من العمل الشاق قبل أن تبدأ حملة المقاطعة الجنوب افريقية بجني ثمارها. والحقيقة، فإن الإدعاءات والانطباع الذي تبديه العديد من الحكومات والاتحادات والمجموعات الدينية بأنهم دعموا عزل نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا منذ البداية لم

تكن صحيحة البتة. فبالاضافة الى التصريحات المشينة لديك تشيني، حين كان سيناتورا، والتي نادى من خلالها بضرورة استمرار سجن نلسون مانديلا، لأنه "إرهابي"، والدعم المقدم من الرئيس الامريكي، حينئذ، رونالد ريغان ورئيسة الوزراء البريطانية مارغريت

تاتشر، للأنظمة الديكتاتورية القمعية كنظام بينوشيه في تشيلي، وإسرائيل وغيرهما، فإن معظم المؤسسات والاتحادات ذات النفوذ حول العالم ظلت مترددة لسنوات طويلة في دعم حملة عزل نظام الأبارتهايد. لقد تأسست الحملة المناهضة للأبارتهايد (AAM) في العام 1959، فيما حدث أول إختراق مهم في العام 1963 عندما رفض عمال الموانئ الدانمركيين تحميل البضائع الى جنوب أفريقيا.


لقد حققت الحملة المناهضة للأبارتهايد المزيد من النجاحات مع الهيجان العام لعدد من النضالات التحررية ونشاطات الحركات الإجتماعية كالحركة الاحتجاجية في اواخر الستينيات وبداية السبعينيات، وفي سياق بروز الاتحاد السوفييتي (بغض النظر عن موقفنا منه) كقوة موازنة للسيطرة الأمريكية.


إن نفوذ اللوبي المؤيد لإسرائيل، ومرجعية إسرائيل الانتهازية للمحرقة ومعاداة السامية، ومناخ الرعب ما بعد الحادي عشر من أيلول، بالإضافة الى إخماد أصوات معارضة "الإسلاموفوبيا"، تجعل من مهمة عزل أبارتهايد إسرائيل أكثر صعوبة. رغم ذلك، فإن حركة مقاطعة اسرائيل، وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها تأخذ زخما، وحققت فعلا بعض المكاسب المهمة. مكاسب كان من الاستحالة تصور وقوعها قبل بضع سنوات فقط.


ثانيا: لقد تم دحر الخطابات المعارضة للمقاطعة تحت ذرائع أن الأخيرة ستضر بالأفارقة السود أنفسهم، والدعوة الى الحوار و " النشاطات المشتركة البناءة" عبر تبني خطابات وجدالات نيِّرة حسنة الإطلاع. إن نظام الأبارتهايد في جنوب أفريقيا، كما هو حال نظام

اسرائيل اليوم، قد استخدم قادة "الوطن" ومنظومة من شبكة المتعاونين بغية تدعيم حججه. لقد لعب أحد الأبحاث التي أجريت بعناية فائقة دورا مهما في فضح الروابط التجارية والعسكرية الثقافية والاقتصادية مع نظام جنوب أفريقيا، وهو ما جعل من أعمالنا أكثر

فاعلية، وكذلك من أجل "وصم العار" على جبين هؤلاء المستفيدين من نظام الأبارتهايد.


ثالثا: التعصب الفئوي والطائفي خطر يتوجب علينا الاحتراس منه، ويجب أن تظل الوحدة نجمنا الهادي. لقد فضل البعض في الحركة المناهضة للأبارتهايد دعم حركة تحرير واحدة كصوت أصيل لمعارضة جنوب أفريقيا، كما طمحوا الى العمل بشكل مركز مع

المنظمات والحكومات "حسنة الصيت" ونأوا بأنفسهم عن ارتباطات مريضة وأكثر تعقيدا في النضال، وهي المنظمات الشعبية. في المملكة المتحدة على سبيل المثال، وكما في كل مكان، فإن هذه الطريقة الانتقائية قد أضعفت الإنشقاقات القائمة. فالقسم

الأكبر من الحركة المناهضة للأبارتهايد في لندن، قد دعم النضال ضد الإمبريالية في إيرلندا وشكل جزءا من حركة "تروبس آوت

" (Troops Out). كما أن الحركة الرسمية لمناهضة الأباتهايد كانت رائعة في إزعاج الحكومة البريطانية من خلال الوقوف بقوة ضد العنصرية في بريطانيا.


وفي هذا المقام اثمن عاليا النشاطات والافكار الغنية للمناضلين ضد العنصرية، ودعم الشعوب الأصلية والعمال في أمريكا الشمالية وترابطها مع نضال الشعب الفلسطيني، والتي كنت شاهدا عليها.


رابعا: يتوجب على حملة مقاطعة اسرائيل، وسحب الاستثثمارات منها، وفرض العقوبات عليها، أن تندمج في المنظمات الشعبية في فلسطين التاريخية، وفي الشتات الفلسطيني أيضا. ويمكن تحقيق ذلك من خلال آليات متنوعة مثل إتفاقات "التوأمة"، جولات المحاضرات، فعاليات مستهدفة في دعم فعاليات محددة ودعم عيني محدد.

وأخيرا، لقد افرزت حملة المقاطعة وفرض العقوبات على النظام على العنصري في جنوب أفريقيا الكثير من التعصب الأعمى، ولكن ذلك لم يمر دون تحدٍ. وفي كتابتها المؤيدة للمقاطعة الأكاديمية، لم تخف الزميلة شيرين حازم هول العقبات: "لقد تم عزل بعض الأكاديميين الذين عارضوا الابارتهايد بنشاط وشاركوا في مؤتمرات دولية، في وقت لم يكن استهداف المتضامنين مع نظام الابارتهايد ممكنا على الدوام، ولا شك بانه قد نتج عن ذلك وهن في تفهم القضايا العالمية المحيطة في جنوب أفريقيا. إنها طبيعة هذه الأسلحة باعتبارها ذات حدَّيْن. ومع ذلك، وكجزء من حملة العقوبات، كان للمقاطعة الأكاديمية من دون شك دور فعال على نظام الأباتهايد والأكاديميين البيض وإدارات الجامعات".


لقد ساهمت حملات المقاطعة وسحب الاستثمارات في تعزيز نضال الشعب الأفريقي الأسود من أجل العدالة. أما نخبة الأفريكانز، الفخورين بأصولهم الأوروبية، وميراث جان سموتس ممثلهم العالمي لنظام ما بعد الحرب، والذي يفيد بأن العالم الخارجي سيدعمه على سياسته فقد بدأت بالتصدع بشكل فظيع. أما إدارات الجامعات، فلم يكن بإمكانها التخفي بعد وراء حيادها، وكان عليها إظهار مناهضة الأبارتهايد وتقديم برامج تقوم على أسس العدالة والإنصاف. لقد أصبحت المؤسسات الأكاديمية (أكثر من غيرها) جزءا من النضالات الواسعة من أجل العدالة من خلال تعميق فحوى البحث، وليس مجرد حماية مصالحها المهنية الضيقة. لقد أصبحت الجامعات مواقع هامة للنقاشات المثمرة، وأضحى المفكرون مشاركين دائمين في وضع تصورات المجتمع الحالي والمستقبلي في جنوب أفريقيا. لم تقلص المقاطعة مساحة الحرية الأكاديمية على الإطلاق، ولكنها أنتجت ازدهارا في رؤى المفكرين الغنية بتنوعها، والتي اثمرت في النتيجة بانهيار نظام الفصل العنصري.


------------------------------
بروفيسور سليم فالي،  مناضل جنوب افريقي وهو عضو قيادي في لجنة التضامن الفلسطينية في جنوب أفريقيا، وناشط عريق في حركة مناهضة نظام الأبارتهايد.


--------------------------------------------------------------------------------