طباعة

التاريخ الجديد والنكبة

 

كان عام 1948 عاما للبهجة والمأساة؛ بهجة النصر بالنسبة لليهود، وعام المأساة بالنسبة لعرب فلسطين. ويربط الإسرائيليون عام 1948 بـ"حرب الاستقلال"، في حين يعتبرها الفلسطينيون عام النكبة أو الفجيعة، وكل من شارك في الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى له روايته الخاصة لما حدث في ذلك العام المشؤوم. في هذه المقالة؛ سوف ننظر حصريا في الرواية الإسرائيلية وعواقبها.

 

 

 في البداية، اسمحوا لي أن أسجل ملاحظة شخصية؛ أنا يهودي عراقي نشأ في إسرائيل وعاش معظم حياته في بريطانيا، وأشعر بذنب مضاعف تجاه الفلسطينيين. كإنجليزي، أشعر بالخجل من سجل بلدي المذهل في النفاق والخيانة، وذلك عند النظر في كل مسافة الزمن للوراء وصولا لوعد بلفور لعام 1917. وكإسرائيلي؛ أنا مثقل بالشعور العميق بالذنب الثقيل بالنظر إلى الظلم والمعاناة التي سببها شعبي للفلسطينيين على مدى الستين سنة الماضية.

 المعزوفة الصهيونية التقليدية لأحداث 1948 معروفة جيدا، ومقبولة على نطاق واسع في الغرب؛ وهي تضع كل اللوم عن الحرب ونتائجها على الجانب العربي، وهذه هي الرواية الوطنية الرسمية للتاريخ؛ وعلى هذا النحو؛ هذه رواية تبسيطية، انتقائية وتخدم المصالح الذاتية. وهي في جوهرها دعاية المنتصرين، فهي تصور المنتصرين كضحايا، كما أنها تلقي اللوم على الضحايا الحقيقيين، الفلسطينيين، على سوء حظهم.

 ومع ذلك، لم تواجه هذه الرواية الأحادية الجانب أية تحديات مهمة خارج العالم العربي حتى أواخر الثمانينيات؛ حيث كانت احتفالات الذكرى الأربعين لإنشاء دولة إسرائيل في عام 1988 مترافقة مع صدور أربعة كتب:

-          سمحا فلابان، ميلاد إسرائيل: أساطير ووقائع؛

-          بيني موريس، نشوء مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، 1947 – 1949؛

-          ايلان بابيه، بريطانيا والصراع العربي – الإسرائيلي، 1948 – 1951؛

-          آفي شليم، التواطؤ على الأردن: الملك عبد الله، الحركة الصهيونية وتقسيم فلسطين.

قمنا فيما بيننا بتحدي الكثير من الأساطير التي جاءت مغلفة ميلاد إسرائيل والحرب العربية – الإسرائيلية الأولى؛ وقد وصلنا إلى حد صرنا فيه معروفين جماعيا بألـ"المؤرخين الجدد" أو بالمؤرخين الإسرائيليين المنقحين. وما أن صدرت كتبنا الأربعة حتى اندلعت الحرب على المؤرخين الإسرائيليين الجدد.

وهناك أربعة محاور جدل في النقاش الذي يدور حول عام 1948، وهي:

1- سياسة بريطانيا إبان أفول الانتداب في فلسطين.

2- التوازن العسكري في عام 1948.

3- الأهداف الحربية للعرب.

4- مسببات مشكلة اللاجئين الفلسطينيين. 

 
السياسة البريطانية تجاه إنهاء الانتداب على فلسطين
في ذلك الوقت، قامت القيادات الصهيونية، ولاحقا كتاب صهاينة، بتصوير السياسة البريطانية بأنها معادية تماما للـ"يشوف"اليهودي"، المجتمع اليهودي قبل الاستقلال في فلسطين، وكانت التهمة الرئيسية تقول أن بريطانيا تسلح وتشجع حلفاءها العرب لمقاومة ميلاد الدولة اليهودية عن طريق القوة.

وجرى الاحتفاظ بمكانة خاصة في قاموس الأشباح الصهيوني للسيد "أرنست بيفين"، وزير خارجية بريطانيا في حكومة حزب العمال آنذاك؛ فقد تم تصوير "بيفن" بأنه غول كبير، كوحش في صورة إنسان. وقد كنت حينها في الثالثة من عمري، وكنا نعيش في بغداد، واعتادت أمي أن تقول لي: "إذا لم تأكل عصيدتك، سوف يأتي السيد "بيفن" ويأخذك بعيدا". وهذا التهديد لم يخفق يوما في تحقيق هدفه!

قضى إيلان بابيه كليا على القصة الصهيونية التقليدية حول السياسة البريطانية في فترة نهاية الانتداب، وكانت حجته أن بريطانيا انسحبت لمصلحة ظهور الدولة اليهودية؛ ولكنها، دعمت تابعها الملك عبد الله في إمارة شرق الأردن، في جهوده الرامية لإجهاض عدوهما المشترك، وهو المفتي الحاج أمين الحسيني. وقد كان أساس السياسة البريطانية هو "إمارة شرق أردنية أكبر"؛ من أجل مساعدة الملك عبد الله لتوسيع مملكته على حساب الفلسطينيين.

كانت الدولة الفلسطينية التي تتوخاها خطة التقسيم الصادرة عن الأمم المتحدة في 29 تشرين ثاني 1947، في نظر بريطانيا هي المرادف لدولة المفتي، وبالتالي كان العداء للمفتي ولدولة بقيادة المفتي هو عامل ثابت وهام في السياسة البريطانية بين عامي 1947 – 1949.

وبالتالي، فالقضية التي يتعين طرحها ضد بريطانيا في تلك المرحلة الحرجة من الكفاح لأجل فلسطين؛ هي ليس محاولة بريطانيا الحيلولة دون إقامة دولة يهودية، بل في كونها ساعدت على إجهاض ولادة دولة فلسطينية.

التوازن العسكري


رأى المؤرخون القدامى حرب عام 1948 على أنها صراع غير متكافئ بين داود اليهودي وجالوت العربي؛ وبأنها كانت كفاحا يائسا وبطوليا؛ وبالتالي كفاح يهودي ناجح ضد صعوبات جمة؛ وأن بطولة المقاتلين اليهود ليست موضع جدل، وليس هناك مجال للجدال في أن الجولة الأولى من القتال كانت في الحقيقة صراع من اجل البقاء. مع العلم، أن قوة الدفاع الإسرائيلية زادت عن جميع القوات العربية، النظامية وغير النظامية، التي عملت في فلسطين.

وتختلف التقديرات حول عديد القوات العسكرية للجانبين؛ وأفضل هذه التقديرات تشير إلى أن إسرائيل كان لديها 35,000 جندي في الميدان؛ بينما حوالي 20,000 – 25,000 جندي للعرب، ومشكلة القوات الإسرائيلية لم تكن تتعلق بنقص القوى البشرية وإنما في قوة النيران التي بحوزتها؛ حيت قوة نيرانها لم تكن تذكر. ولكن إسرائيل قامت خلال الهدنة الأولى بانتهاك حظر إدخال السلاح الذي فرضته الأمم المتحدة، وقامت باستيراد الأسلحة من الكتلة الشرقية ومن ضمنها المدفعية، الدبابات والطائرات الحربية.

أدت واردات الأسلحة غير المشروعة على قلب ميزان القوى العسكري بشكل حاسم لصالح إسرائيل؛ وأصبح الإسرائيليون لا يتفوقون في مجال القوى البشرية وعدد الجنود فقط، بل يتفوقون على خصومهم بالأسلحة أيضا، ولذا كانت النتيجة النهائية للحرب ليست معجزة، وإنما انعكاسا لميزان القوى العسكري بين العرب واليهود. في تلك الحرب كما في معظم الحروب، الطرف الأقوى يفوز بالحرب.

أهداف العرب من الحرب


والسؤال الثالث هو لماذا أرسلت الدول العربية جيوشها إلى داخل فلسطين عند لحظة انتهاء الانتداب في 15 أيار 1948؟ والجواب الصهيوني الدارج والرسمي هو: أن العرب كانوا موحدين وأن هدفهم كان تدمير الدولة اليهودية الوليدة ولرمي اليهود في البحر، ولكن الواقع كان أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.

فقد كان التحالف العربي الذي واجه إسرائيل عام 1948 هو أكثر التحالفات انقساما وتفككا، وغير منظم ومتداعي في تاريخ الحروب، ولم يكن هناك أية خطة إستراتيجية عربية متفق عليها لإدارة تلك الحرب؛ والجيوش العربية لم تكن مهيأة وغير مجهزة بالمعدات لاستمرار الحرب لمدة طويلة، كما أن معظم القادة العسكريين العرب كانوا غير أكفاء.

كما كانت هناك منافسة بين الأسر الحاكمة العربية في اللعب بين الملك فاروق في مصر والحكام الهاشميين في كل من الأردن والعراق، كما شعرت كل من سوريا ولبنان بالتهديد من طموحات الملك عبد الله لتنصيب نفسه حاكما على بلاد الشام (سوريا الكبرى).

تدخلت الجيوش العربية ظاهريا لمساعدة الفلسطينيين، لكنها تعاملت معهم بوحشية واحتقار؛ فقد وعدت الجامعة العربية الفلسطينيين بالمال والسلاح، ولكنها لم تف إطلاقا بوعودها، وبالتالي؛ لم تقم بمساعدتهم على تقرير مصيرهم. باختصار، كان لتخلى العرب عن الفلسطينيين في وقت الضيق، وعدم قدرة القادة العرب على التنسيق بين استراتيجياتهم العسكرية والدبلوماسية كان عاملا رئيسيا في ضياع فلسطين.

أسباب مشكلة اللاجئين الفلسطينيين


هذه هي المسألة الأكثر إثارة للجدل، والتي تقع في قلب الصراع العربي – الإسرائيلي؛ فحوالي 700,000 – 750,000 فلسطيني، أي ما يقارب نصف سكان فلسطين العرب؛ أصبحوا لاجئين في عام 1948. والسؤال هو: هل غادروا من تلقاء أنفسهم، أم دفعوا للرحيل؟ وبالطبع، فإن جذور قضية اللاجئين ترتبط ارتباطا وثيقا بموضوع المسؤولية عن حل هذه المشكلة؛ ولدينا هنا روايتين على طرفي نقيض.

الرواية الإسرائيلية الرسمية دأبت على القول بأن الفلسطينيين غادروا البلاد بناء على أوامر من قادتهم، وتوقعهم لعودة ظافرة بعد أن تكون الجيوش العربية قد طهرت البلاد أمامهم؛ وبهذا تكون إسرائيل غير مسؤولة بأي حال من الأحول عن تحويل الفلسطينيين إلى لاجئين.

فيما دأبت الرواية العربية على القول بأن الفلسطينيين لم يغادروا من تلقاء أنفسهم: لقد دفعوا للخارج، وإسرائيل هي التي طردتهم؛ وبالتالي عليها منحهم حق العودة إلى ديارهم، وتعويض أولئك الذين يختارون عدم العودة.

درس بيني موريس في كتابه لعام 1988 ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين بشكل شامل ومعمق وموضوعي؛ ولم يجد أي دليل على دعوات عربية موجهة للفلسطينيين لمغادرة منازلهم، كما لم يجد دليلا على وجود خطة صهيونية رئيسية لطرد الفلسطينيين. وبالتالي رفض كلا من قصة الأوامر العربية وتفسيرات الدولة اليهودية اللصوصية. وخلص إلى أن مشكلة اللاجئين كانت نتيجة ثانوية للحرب.

عدد لا يحصى من المراجعين الذين أشاروا إلى أن استنتاجات بيني موريس لا تتفق مع الأدلة التي استخرجها؛ وبأن الأدلة تشير إلى درجة أعلى بكثير على مسؤولية إسرائيل عن التهجير الجماعي للفلسطينيين. ومن المسلم به؛ أن هناك أسبابا عديدة لرحيل الفلسطينيين؛ ولكن السبب الأهم كان يتمثل في الضغوط العسكرية والسياسية والنفسية التي مارستها إسرائيل عليهم.

خلاصة

يدور مجمل النقاش بين المؤرخين الإسرائيليين القدامى والجدد حول المسؤولية الأخلاقية عن عواقب الحرب العربية – الإسرائيلية الأولى؛ المؤرخون القدامى يظهرون إسرائيل باعتبارها الطرف البريء، وبوصفها ضحية للعدوان العربي. ولكن الأدلة التي قدمها المؤرخون الجدد تبين بوضوح بأن إنشاء دولة إسرائيل انطوى على ظلم هائل للفلسطينيين. ولا يأتي هذا القول لإنكار شرعية قيام إسرائيل في حدود ما قبل عام 1967، بل يأتي للتأكيد على أنها لعبت دورا رئيسيا في تحويل أكثر من نصف العرب الفلسطينيين إلى لاجئين. وبالتالي، لا يمكن حل هذا الصراع ما لم تقر، وتتحمل إسرائيل نصيبها من المسؤولية عن نشأة قضية اللاجئين الفلسطينيين.

هل للتأريخ الجديد لعام 1948 أي دلالات أوسع وأبعد من الحرب بين المؤرخين؟ وهل لذلك أي صلة بالسعي من أجل السلام هذه الأيام؟ لقد كانت إجابة الراحل ادوارد سعيد على هذه الأسئلة بالإيجاب، وأشار إلى أنه ينبغي على الفلسطينيين والإسرائيليين أن يتعلموا كيف يتعايشون جنبا إلى جنب بسلام. ولذلك، من الضروري أن يفهموا تاريخهم الخاص، وتاريخ بعضهم البعض، وبأنه ليس كافيا بالنسبة لكل جانب أن يجري بحثا نقديا لأفعاله الخاصة في عام 1948؛ بل ينبغي أن يكون لدينا صورة شاملة ومشتركة لما حدث في الحرب، من أجل التعامل مع نتائجها؛ ومن اجل التوصل لحل معقول لجميع المشاكل التي تعود جذورها لعام النكبة.

30 نيسان، 2009.


--------------------------------------------------------------------------------

آفي شليم: أستاذ العلاقات الدولية في جامعة أكسفورد، وهو مؤلف كتاب "الجدار الحديدي: إسرائيل والعالم العربي" (2000)؛ وكتاب "أسد الأردن: حياة الملك حسين في الحرب والسلام" (2007)، ومحرر مشارك مع يوجين روغان لكتاب "الحرب من أجل فلسطين: إعادة كتابة تاريخ 1948" (2007).


--------------------------------------------------------------------------------