المؤتمر العام السادس لحركة فتح وقضية اللاجئين

المؤتمر العام السادس لحركة فتح وقضية اللاجئين

 

بعيداً عن المجاملة وتعقيدات المشهد الفلسطيني الراهن، يمكن القول ان تبلور الهوية النضالية للفلسطينيين بعد نكبتهم الكبرى عام 1948، ما كان لها أن تكون الا بفعل النهوض المدوي والصعود السريع للثورة الفلسطينية المعاصرة، والتي قادتها حركة فتح من خلال منظمة التحرير الفلسطينية، كحركة تبلورت وتشكلت على يد مجموعة من الشباب غالبيتهم العظمى لاجئين، من نفس المنشأ الاجتماعي الذي اكتوى بنار اللجوء والشتات. فمنذ انطلاقتها كحركة تحرير وطني فلسطيني، سعت حركة فتح لوضع قضية اللاجئين في صلب برنامجها ورؤيتها، بل أن البدايات شكلت مزجا كبيرا ما بين العودة والتحرير، فتحرير فلسطين كان يعني تلقائياً عودةً لكل اللاجئين الذين طردوا من بيوتهم وديارهم ومصادر رزقهم.

 

قد بني الموقف التقليدي لحركة فتح على فكرة تحرير الارض الفلسطينية، وما يفرض بالضرورة "تصفيةً للكيان الصهيوني اقتصادياً وسياسياً وعسكرياً وثقافياً"، كما نصت المادة 12 من الاهداف الاساسية لحركة فتح، وفي هذا الاطار لا يمكن معاينة أي فوارق تذكر ما بين مفهومي التحرير والعودة، فتحرير فلسطين سيؤدي حتما لعودة فعلية للارض التي تهدف الثورة لتحريرها.

 ونظريا،ً لم يحدث اي تغيير جوهري في فكر الحركة القائم على أهداف ومبادئ أساسية، ولكن تدريجيا، بدأت المفاهيم تتوسع وتتشعب وتأخذ منحى آخر، وأصبحت قضية اللاجئين، كمفهوم، جزءا من رزمة تشكل في مجموعها المشروع الوطني الفلسطيني، يشمل القدس واللاجئين والحدود والدولة والمياه والسيادة. وأيضا فان الممارسة الفعلية والسياسية جعلت من فتح تدريجيا تنتقل من فكرة تصفية الكيان الصهيويني الى مشروع إقامة السلطة الوطنية على اي جزء يتم تحريره، وصولا لفكرة حل الدولتين لشعبين. وهذا التطور في الفكر والممارسة السياسية لم يتزامن معه أي تغيرات على مستوى المبادئ الاساسية المقرّة، والتي ظلت تماما كما وضعها المؤسسون الاوائل أواسط الستينييات.

 برنامج فتح تجاه قضية اللاجئين الذي سيعرض على المؤتمر السادس

 منذ مدة والجهود داخل حركة فتح تنصب من اجل تطوير رؤية الحركة وتوجهاتها المرحلية، وهذه الرؤيا ستعطي تصورات مستقبلية لكافة الجوانب السياسية والتنظيمية والاجتماعية والاقتصادية والصحية والثقافية. وتأكيداً لأهمية قضية اللاجئين فقد تم تخصيص جزء لها ضمن هذه الرؤيا، تحت عنوان "الرؤيه والتوجهات بشان قضية اللاجئين"، حيث ترتكز الرؤية على مسلمة أساسية مفادها عودة اللاجئين إلى بيوتهم ومصادر رزقهم وتعويضهم واستعادة ممتلكاتهم وحل قضية اللاجئين وفق القرار 194. وهذه المسلمة تستند على سلسلة طويلة من المحددات التي تتبناها حركة فتح من اجل صيانة حق العودة، ومنها التعريف القانوني للاجئ وحق العودة والتعويض، واستعادة الممتلكات، ووحدة قضية اللاجئين في كافة امكان تواجدهم، كذلك التمسك بوكالة الغوث الدولية كعنوان للاعتراف الدولي بقضية اللاجئين الفلسطنيين، وللمخيم الفلسطيني باعتباره الشاهد الفعلي والمادي على استمرارية النكبة، والتركيز على مسؤولية إسرائيل قانونياً وأخلاقيا وسياسياً عن مأساة اللاجئين، ودعم كافة مبادرات اللاجئين، والتي تشهد نموا متسارعا في اوساطهم في المخيمات والشتات، وتلعب ادوارا مميزة في تعزيز ثقافة العودة وحقوق اللاجئين.

 وجاء في ورقة الرؤية بأن حل الصراع لن يكون دون حل حقيقي وفعلي لقضية اللاجئين، وعدم حلها سيفتح المنطقة نحو مزيد من الصراع، وان إقامة الدولة الفلسطينية لن يكون بأي شكل من الاشكال مقايضة على حقوق اللاجئين، كما سيكون رفضاً لفكرة التوطين. وتؤكد الرؤيا على ضرورة الاهتمام بالتجمعات الفلسطينية اللاجئة والجاليات الفلسطينية المنتشرة عبر العالم، وضرورة تعزيز الروابط فيما بينهم عبر هياكل منظمة التحرير الفلسطينية، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني والمجسد لوحدته في كل مكان. وركزت ورقة التوجهات كذلك على ضرورة تحسين اوضاع المخيمات على قاعدة ان تحسين اوضاع اللاجئين السكنية والصحية والاقتصادية لا يتناقض وحق العودة بل هو داعم له.

 ازدواجية المواقف

 بين ما هو مدون نظريا والواقع الفعلي تقع كبرى التحديات امام حركة فتح، والتي عانت في كل المراحل التي مرت بها من ازدواجية الفهم والخلط بين مواقفها الخاصة كحركة تحرير وبين موقف منظمة التحرير الفلسطينية التي تسيطر عليها. ففي حين تعترف المنظمة باسرائيل وباسمها تم توقيع كافة الاتفاقيات والعقود وفتحت المكاتب والممثليات والمؤسسات، وشكلت مرجعا سياسيا وقانونيا للسلطة الوطنية الفلسطينية، الا ان أحد لا يمكنه الفهم ان حركة فتح لا زالت تتمسك بخطها الفكري المحدد في ادبياتها الاولى والاصلية والتي لا يأتى على ذكرها الا من باب الدراسة في الادبيات التاريخية.

 وكذلك فقد عانت حركة فتح من ازدواجية الفهم بين مواقفها ومواقف السلطة الوطنية الفلسطينية، وفي هذا الاطار فقد ظلت الاصوات التي تدعو دون كلل او ملل إلى ضرورة الفصل وتحديد العلاقة ما بين مواقف المنظمة والحركة من جهة، ومواقف السلطة والحركة من جهة ثانية، دون أي تأثير بفعل الاشتباك الواقعي ما بين المنظمة والسلطة وفتح، وباعتبار حركة فتح كبرى فصائل المنظمة والسلطة وصاحبة اليد الطولى في كلتيهما.

 وقد اضر كذلك بمواقف حركة فتح فيما يخص موقفها من قضية اللاجئين مواقف بعض الشخصيات القيادية او حتى الهامشية فيها والتي عملت في إطار مبادرات شكلت مساسا بحق العودة، وكذلك اضر بموقف الحركة تناقض المواقف وضبابيتها وعدم وضوحها فيما يخص مواقف الحركة تجاه هذه القضية، والفذلكات الاعلامية التي تصدر هنا او هناك والتي لا تعبر فعليا عن جوهر الموقف الفتحاوي الرسمي.

 الفتحاويون ومؤسسات حق العودة

 بكل موضوعية، يجب التأكيد على ان حركة فتح وكغيرها من التنظيمات والفصائل الوطنية تنشط وبشكل فاعل في مجال حركة حق العودة واللاجئين؛ فهي لا زالت تسيطر على الغالبية العظمى من المؤسسات الفاعلة في مجال المخيمات واللاجئين، وتحديداً مراكز الشباب والمراكز النسوية والجمعيات الخيرية الخاصة بالقرى المدمرة والمهجرة، وكوادر فتح يمارسون بفاعلية نشاطاً واضحاً في كافة المراكز الثقافية والاجتماعية والتجمعات والمهرجانات والمؤتمرات والدراسات وورش العمل الخاصة بحق العودة واللاجئين. إن انغماسهم في فعاليات النكبة وكافة الانشطة الخاصة بقضية اللاجئين يعطي مؤشراً واقعياً بان هذه القضية ما زالت تحتل مكانة هامة في عقول الفتحاويين وتفكيرهم ووعيهم، مع التأكيد ان هذا النشاط وهذه الفعالية للكوادر الفتحاوية يأخذ في كثير من الاحيان بعداً شخصيا أكثر منه بعداً حركياً وتنظيمياً.

 قضية اللاجئين في الجدل والدلالات حول مكان انعقاد المؤتمر العام

 أثير جدل واسع حول مكان وزمان انعقاد المؤتمر، ولعل الزمان ذو دلالة أقل حدة في التحليل مما تنطوي عليه دلالات مكان الانعقاد، ففي حين يرى البعض ضرورة عقده في الداخل الفلسطيني، فان البعض الاخر يصر على عقد المؤتمر في الخارج.

 -         مؤيدو انعقاد المؤتمر في الخارج

 يرى أصحاب هذا التوجه ضرورة عقد المؤتمر في الخارج على اعتبار ان حركة فتح ليست ملكا للداخل الفلسطيني، بل هي حركة الشعب الفلسطيني في كافة امكان تواجده، وهي بعقد مؤتمرها في الخارج تعطي إشارات هامة لجموع اللاجئين بان قضيتهم ما زالت حاضرة في وعي الفتحاوين وفكرهم، وانه لايجوز عقد مؤتمر فتح العام في ظل الاحتلال وتحت حرابه وحواجزه وحصاره، وان المؤتمر اذا كان بالداخل فقد يخضع للابتزاز الاسرائيلي في عمليه تحديد من سيدخل ومن سيشارك ومن سيسمح له بتخطي الحواجز ومن سيمنع من الوصول لمقر المؤتمر، ويصر مؤيدو هذا التوجه على ان هناك من يرفض دخول الاراضي الفلسطينية بموافقة اسرائيلية، بل ان دخولها يجب ان يتم بعد تحريرها.

 -         مؤيدو انعقاد المؤتمر في الداخل

 يرى أصحاب توجه عقد المؤتمر في الداخل الفلسطيني أن كل الظروف مواتية لعقده في مناطق السلطة الوطنية، وهذا قد يكون له دلالة نحو تكريس مفهوم "الوطن" وأنه لأول مرة يستطيع الفتحاويون عقد مؤتمرهم فوق ارضهم التي يسيطرون عليها ولو جزئيا، مع وجود ضمانات بأن كل اعضاء المؤتمر سيتمكنون من المشاركة والدخول لأرض الوطن دون أية معيقات قد تفرضها إسرائيل.

 ويستند اصحاب هذا التوجه كذلك إلى ان هناك صعوبة بالغة في عقد المؤتمر خارج فلسطين ، بعد رفض، أو تردد عدد من الدول في قبول عقد المؤتمر العام فوق اراضيها، بل يتم النظر لعقد المؤتمر بالداخل الفلسطيني كحالة مميزة لاستقلال القرار الوطني الفلسطيني، وابتعادا عن التجاذبات العربية. وأكثر من ذلك، يذهب البعض لحد القول ان هناك مخاطر حقيقية من عقد المؤتمر في الخارج، ففي حال اخذت القيادة الفتحاوية المجتمعة بالخارج قرارات مصيرية تتعلق باستمرار الكفاح المسلح، فما الذي سيمنع اسرائيل من ان تمنع وتغلق الحدود امام كل قيادة حركة فتح من العودة مرة أخرى، الأمر الذي سيعيد الحركة لمرحلة ما قبل العودة لمناطق السلطة الفلسطينية. وهناك من يرى كذلك ان حركة فتح كونها صاحبة مشروع السلطة كمرحلة مؤقته على طريق الدولة لا يعقل لها ان تهرب من واقعها وسلطتها نحو الخارج، وهناك من يشدد على ضرورة ان لا يتم تفريغ كل قيادة الحركة خلال ايام المؤتمر وخصوصا ان الاراضي الفلسطينية  تعيش ظروفا استثنائية من جهة الانقسام الفلسطيني، وان هناك مخاوف من قيام حماس باستغلال خروج القيادة الفتحاوية بكاملها من قبل حماس في محاولة منها لتكرار ما قامت به في غزة.

 -         مقاربة توفيقية

 هناك من يرى ان عقد المؤتمرالعام  في الداخل الفلسطيني قد يكون في قطاع غزة بعد انتهاء الحوار الفلسطيني والاتفاق على اليات الخروج من المأزق وحالة الانقسام، وعقد المؤتمر في قطاع غزة سيعني اول ما يعني إنهاء لحالة الانقسام، وعودة القطاع إلى حضن الشرعية الفلسطينية والتي تمثلها منظمة التحرير الفلسطينية.

 تحديات أمام المؤتمر العام السادس لحركة فتح

 على مؤتمر حركة فتح، وبصرف النظر عن مكان انعقاده، أن يضع النقاط على الحروف بشكل لا يقبل التاويل في مجال حق العودة واللاجئين، ومن هنا فان المؤتمر سيكون مطالبا بالاجابة على جملة من التحديات والاشكاليات التي لعل اهمها:

الوصول الى برنامج وطني شامل يحافظ على الثوابت الفلسطينية وعلى رأسها حق العودة إلى الديار الأصلية.

إفشال كل الرهانات التي تتخوف ان يكون المؤتمر محطة مصيرية ستفجر حركة فتح من الداخل، عبر ادارة المؤتمر بما يؤدي الى تغيرات جوهرية في قيادة الحركة من جهة وتوجهاتها على قاعدة التمسك بالحل المؤسس على الحقوق الثابتة.

كيفية تحويل المؤتمر العام كرافعة للنهوض الفتحاوي العام ولخلق اجواء صحية وعلاقات تنظيمية جديدة قادرة على حشد كل الطاقات الكامنة داخل الحركة.

يجب أن لا يؤدي المؤتمر في حال انعقاده في الداخل الفلسطيني الى ابتعاد فتح عن مسؤولياتها التاريخية تجاه الشعب الفلسطيني اللاجئ في الشتات، وهذا الامر بالتالي يجب ان يتأكد من خلال حجم التمثيل في المؤسسات القيادية للحركة لممثلي الحركة في الشتات وتحديداً في الجاليات والاقاليم التي عانت ولفترات طويلة من حالة من الغياب القسري.

يجب ان يتبنى المؤتمر العام رؤيا واضحة ومحددة فيما يخص قضية اللاجئين بشكل لا يقبل اللبس والتأويل، فقضية اللاجئين من اعقد واخطر القضايا.

عدم حشر حركة فتح نفسها في خيار الدولتين كخيار استراتيجي، فحل الدولتين يبدو تدريجيا كحل بعيد المنال وصعب التحقيق فعليا امام اجراءات الاحتلال على الارض من جدار واستيطان ومصادرة للاراضي وتهويد القدس. وعليه، يجب أن تبقى الخيارات الاستراتيجية مفتوحة امام فتح، وهذا يتطلب اعادة التفكير بحل الدولة الواحدة كخيار استراتيجي ثان في حال فشل خيار الدولتين، بل ان حل الدولة الواحدة قد يشكل عنصرا ضاغطا لا مثيل له اذا أجيد استخدامه.

رفض مقولة العودة للدولة الفلسطينية كبديل عن حق العودة للأرض التي هجر منها اللاجئ.

أخيرا، ان فتح أمام مفترق طرق تاريخي ومصيري، وبنهوضها سينهض الواقع الفلسطيني وسيكون لذلك تأثيرات ملموسة وواقعية على مجمل القضية الفلسطينية وعلى المقاومة والمفاوضات والحوار وانهاء الانقسام، وسيشكل فشل المؤتمر محطة على طريق الدخول بازمات لا حصر لها وكذلك سيكون للفشل تأثيرات مريعة على كافة نواحي الحياة فيما يخص الفلسطينيين اينما وجدوا.

 -------------------------

أنور حمام: باحث فلسطيني متخصص بقضايا اللاجئين

 --------------------------------------------------------------------------------