كيف قدّمت منظمة التحرير الفلسطينية حق العودة إلى الرأي العام العالمي؟

كيف قدّمت منظمة التحرير الفلسطينية حق العودة إلى الرأي العام العالمي؟

 

سؤال كبير ليس من السهولة بمكان الإجابة عنه بعجالة لأنه يختصر تاريخا امتد لأكثر من خمسة وأربعين عاماً، تاريخ إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية في عام 1964، ببرامجها الإستراتيجية والتكتيكية وتوجهاتها ومصطلحاتها الثورية والسياسية المتبدلة والمختلفة والمتناقضة أحياناً، الأمر الذي يفرض علينا مجموعة من الإشكاليات والتساؤلات التي لا بد منها، والتي يمكن وضعها على الشكل التالي:

 

هل حق العودة ضرب من الخيال أم يرتكز على شرعية دولية وإنسانية؟

هل ثبتت منظمة التحرير على موقف أو مشروع محدد حول هذا الموضوع، أو أي موضوع سياسي آخر، يكون جامعاً مانعاً، تستطيع المواجهة به إعلامياً وسياسياً؟

هل يلتزم أعضاء اللجنة التنفيذية في المنظمة على موقف صادق يتخذونه تجاه هذا الموضوع، أو بمعنى آخر، هل ما يمارسونه يشبه ما يقولونه؟

حق العودة يعني النقيض للمشروع الصهيوني، فهل المنظمة التي تقوم إستراتيجيتها اليوم على الاعتراف المتبادل والتفاوض وحق الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي بالعيش في دولتين... ترتكز فعلاً على إنهاء هذا المشروع؟

هل قدّمت المنظمة يوماً مشروعاً عملياً لحق العودة، أو آلية تنفيذ واضحة لهذا الحق بعيداً عن الخطاب الرومانسي؟

هذه مجموعة بسيطة من الأسئلة التي لا بد منها قبل الدخول في الإجابة عن هذا السؤال، مفترضين جدلاً أن هناك إطاراً فاعلاً لمؤسسات المنظمة، وتجتمع لجنتها التنفيذية باستمرار بحسب نظامها الداخلي، وهي الممثل الشرعي العملي الذي يأخذ دوره في تسيير أمر جميع الفلسطينيين، وان السلطة الفلسطينية القائمة اليوم على جزء من أرض فلسطين التاريخية هي جسم ملحق بالمنظمة، بمعنى أن إطار المنظمة هو الأعلى.

1 – حق العودة ... مُصان

 إن الحديث عن حق العودة لا يعني خطاباً رومانسياً يحار الفلسطيني كيف سيقدمه ويقنع الرأي العام العالمي به، بل هو حق مصان ومكرّس في القوانين الدولية الإنسانية والقرارات الدولية للأمم المتحدة،[1] الأمر الذي يشكّل مدخلاً قوياً للخطاب والمفاوض الفلسطيني، خصوصاً وأن الحديث يدور دائماً حول قرارات الأمم المتحدة باعتبارها راعية الحقوق العالمية والهيئة التي تنظّم العلاقات باختلاف صورها بين الدول. وتؤكد هذه القرارات كلها حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وتربط هذا الحق بما لا يقبل الجدل بحقه في العودة، وتجعل العودة شرطاً إلزامياً لتطبيق حق تقرير المصير. ويعترف المجتمع الدولي إذا أردنا التسامح أكثر بوجود الشعب الفلسطيني، ويعترف القانون الدولي لهذا الشعب بالسيادة على الأراضي التي حددها القرار 181 (د2) (29/11/1947) بشأن التقسيم. وقبلت قيادة المنظمة بدورها التفاوض مع إسرائيل على أساس هذه القرارات.

 هذا إلى جانب أن الرأي العام العالمي كله يسلّم بدور الأمم المتحدة، ولو نظرياً، بقراراتها هذه، مع علمنا المسبق بالصعاب والالتفافات على هذه القرارات والكيل بمكيالين عند التنفيذ، ولكن من ناحية رسمية هي قرارات دولية مقبولة عند الرأي العام العالمي تحصّن المفاوض الفلسطيني من تهمة الإرهاب ورمي إسرائيل في البحر. هذا إلى جانب القرارات الإنسانية الدولية الأخرى المقبولة أيضاً عند الرأي العام المتعاطف أصلاً مع أي قضية إنسانية مهما حصل تشويش على ذهنه ومعلوماته، ولنا في قضية المحرقة النازية مثل كيف استغلت أفضل الاستغلال في التعاطف مع اليهودي الذي لم يكن يحمل أي قرار دولي لإقامة كيانه.

 رُبّ سائل يسأل أن الدعم الغربي والأمريكي القوي والأوحد اليوم في العالم أقوى من هذه القرارات كلها، هذا صحيح، ولكن هل المطلوب أن نستريح ويأتي العالم إلينا ليقول أنا متعاطف معكم هكذا من دون أي نضال؟ فهنا دور المنظمة في التفاوض والنضال والإقناع الدعوي والدبلوماسي والإعلامي المبني أصلاً على مشروع متماسك ورؤية سياسية قوية وثابتة، خصوصاً أن قضيتنا ليست قضية إنسانية بمعنى التعاطف فقط، بل هي قضية حق ووجود.

 2- المنظمة والعودة

تعرض موقف المنظمة من قضية العودة إلى تحولات وتراجعات بالغة منذ انعقاد أول مجلس وطني فلسطيني في القدس عام 1964 حتى اليوم، ما أدّى إلى اهتزاز مكانة هذا الحق في النضال والخطاب السياسي والإعلامي الفلسطيني، ويمكن اختصار هذا المسار على الشكل المختصر التالي:

 أ- من التأسيس حتى المشروع المرحلي (1964-1974): كانت قضية العودة في هذه المرحلة مقرونة بتحرير كامل التراب الفلسطيني، وانعكس هذا الأمر في شعار المنظمة الذي كان مرفوعاً آنذاك "وحدة- تعبئة قومية – تحرير)، وكما كان واضحاً في الميثاق القومي الفلسطيني (صار الميثاق الوطني الفلسطيني لاحقاً). وكان حق تقرير المصير يعني حينها: "أن حق تقرير المصير بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني يعني تحرير كامل أرض الوطن وإقامة الدولة الوطنية الفلسطينية عليه"، ما يعني أن حق تقرير المصير مرتبط بالتحرير، والعودة محصلة ضمنية لفعل التحرير، إلى أن كانت الدورة الثانية عشرة للمجلس الوطني الفلسطيني في عام 1974 حيث تغيّرت الرؤية إلى هذا الحق، وبدأت إعادة تقويم جديدة لمسألة العودة.

 ب- من المرحلية إلى الاستقلال (1974-1988): مع المشروع المرحلي الذي تبنته المنظمة، والذي من خلاله تغيّر شرط إقامة الدولة الفلسطينية من تحرير كامل التراب الفلسطيني، إلى إقامة سلطة فلسطينية مستقلة مقاتلة على كل جزء من الأرض يتم تحريره، بقي مصطلح حق العودة ولكن في سياق مختلف عن مقررات المجلس السابقة، إذ لم يعد مربوطاً بالقرار 194 وقرارات الأمم المتحدة الأخرى ذات الصلة، وبعض هذه القرارات الدولية التي صدرت، أو كانت تصدر بالتزامن مع هذه التغيّرات الفلسطينية، وكانت تؤكد حق الشعب الفلسطيني في العودة وتقرير المصير والاستقلال والسيادة الوطنيين، وتعاملت مع الفلسطينيين بوصفهم شعباً.

 من نتائج هذه المواقف في المنظمة، الشرخ الداخلي في الساحة الفلسطينية بين معارض (جبهة الرفض) ومؤيد لهذه السياسة الجديدة القائمة على الدبلوماسية والتماثل مع الشرعية الدولية بهدف التوصّل إلى حل سلمي؛ واعتراف الأمم المتحدة بالمنظمة عضواً مراقبًا في الأمم المتحدة، وبداية الخطاب الفلسطيني المباشر مع الرأي العام العالمي مع اعتلاء الراحل أبي عمار منصة الأمم المتحدة، وترافق ذلك مع تشكيل لجنة ممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه الثابتة غير القابلة للتصرّف من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة بموجب القرار 3376 (10/11/1975)، وجاء في تقرير هذه اللجنة الأول التأكيد على الصلة بين حق العودة والحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني، ويتضمن التقرير نفسه عدداً من التوصيات بشأن تطبيق هذا الحق والتي تبنّتها الجمعية العامة لاحقاً.

 تكرّست سُبح الابتعاد عن العودة والتحرير وحتى الاحتكام إلى القرارات الدولية، وتفاقم أو انتعش الخطاب الملتبس على الساحة الداخلية والرأي العام العالمي، ففي الوقت الذي كان يُحكى عن ربط حق العودة بالحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني مثل السيادة والاستقلال، وعن إقامة الدولة الفلسطينية على أساس القرار 181، طبعاً بعد التراجع عن رفض هذا القرار، لم تُشر وثيقة الاستقلال الوطني التي أعلنت في الجزائر عام 1988 إلى القرار 194 باعتباره أساساً قانونياً لحق العودة. وبذلك تحوّلت المنظمة من "حركة تحرر وطني" إلى "حركة استقلال وطني" تقبل بقرارات الأمم المتحدة،[2] الأمر الذي أوصلها إلى متاهة السلام ومفاوضات اوسلو.

 ج- من أوسلو إلى الآن: جاء انخراط المنظمة بعملية السلام في مدريد بعد هذا المسار الطويل من الالتفاف والتأويل والتسويف في الخطاب الفلسطيني وإرسال الرسائل المباشرة وغير المباشرة إلى الرأي العام وأصحاب الشأن على الساحة الدولية أن المنظمة (أو قيادتها على الأصح) تتنازل وتتهاون بكل ما ينغّص أمن إسرائيل ووجودها، وأهم هذه المنغّصات من دون شك هو حق العودة، طبعاً هذا لم يكن الخطاب نفسه بالنسبة إلى الداخل الفلسطيني، حيث الخطاب كان مختلفاً في الداخل، كان أقرب إلى المورفين المُهدئ للمزايدة وقطع دابر المعارضة (إن وجدت)، وللعمل مع الرأي العام العالمي بحرية وتأنٍ، على اعتبار أن لا أصوات رافضة لهذه التوجهات على الساحة الداخلية، وهناك شبه إجماع وتأييد لكل ما تقوم به هذه القيادة، خصوصاً أن انتفاضة 1987 في الداخل بدأت تفرض وجودها كقوة مؤثرة.

 أولى إطلالات هذه المرحلة على العالم كانت اللقاءات غير الرسمية بين أكاديميين وسياسيين فلسطينيين ونظرائهم من الإسرائيليين، ممن يسمون "معسكر السلام"، في أوروبا. وكان لهذه اللقاءات دور مهم في دفع الموقف الفلسطيني باتجاه التنازلات والاعتراف المتبادل، ووصلت إلى ما يُعرف باتفاقات أوسلو في عام 1993.

 من المعروف أن مفاوضات السلام قامت على أساس القرار 242 الذي يدعو إلى تحقيق تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين، من دون تحديد من هم هؤلاء اللاجئين، هل هم بعض لاجئي عام 1967 بحسب الرؤية الإسرائيلية، أم هم لاجئو عام 1948 ومعهم لاجئو 1967، بحسب الرؤية العربية؟ وهكذا دخلت المنظمة المفاوضات مجردة من قرارات الشرعية الدولية، وبخطاب هزيل وعدمي بخصوص حق العودة، لأنها ببساطة داست حتى على ما منحتها إياه الشرعية الدولية، والعرف الإنساني، والتشريعات القانونية، من قوة وحق، وأظهرت للعالم أنها غير متمسكة بهذا الحق لا تجاه شعبها ولا حتى تجاه القرارات الدولية والرأي العام العالمي، وتخلّت حتى عن وثيقة استقلالها والقرار 181 إلى ما هو أكثر تراجعاً!

 وهنا كثرت الصيغ الملتبسة التي تتناول حق العودة، وتنوعت ما بين تصريحات "للداخل"، واخرى للعالم، وتعددت ما بين سياسي وسياسي آخر. ولعل هذا ما يفسر الكلام الفلسطيني عن العودة وأهميتها على أساس القرار 194 في أعمال مجموعة العمل الخاصة باللاجئين  (RWG)في إطار المفاوضات المتعددة، برئاسة كندا، ولكن ان يتجاوز هذا إطار الكلام الذي فقد مضمونه ومعناه، خصوصاً في ظل مضمون رسائل الاعتراف المتبادل بين "الراحلين" عرفات ورابين، هذه الرسائل الخالية تماماً من حق تقرير المصير للشعب الفلسطيني المتضمن حق العودة، لا بل المشترطة من قبل إسرائيل بإلغاء بعض مواد الميثاق الوطني، ومنها المتعلقة بتقرير المصير والعودة والتحرير. واستناداً إلى ما جاء في إعلان المبادئ أوسلو، تم تأجيل حل "مشكلة" اللاجئين إلى مفاوضات الحل النهائي من دون ربطها بأي مرجعية قانونية، فتجزّأت هذه القضية بين لاجئي 1948 و"نازحي" 1967... وإلى لا زالت الرؤية ملتبسة ان لم تكن مفقودة.

 من الناحية النظرية او قل "الكلامية" صيغ التعبير عن حق العودة ملتبسة قابلة للتأويل على اكثر من وجه، او انها متضمنة "واقعية" اصحباها المتمثلة باشتراط موافقة إسرائيل. ولكن من الناحية العملية، فحق العودة مغيب او مهدور سلفا، حتى قبل الدخول في مفاوضات المرحلة النهائية. ويتضح هذا فيما اسميه مبادرات حسن السلوك المجانية التي قدمت من قادة وسياسيين فلسطينيين مثل: وثيقته بيلين في عام 1995، ومبادرة أيالون- نسيبة في عام 2002؛ وتفاهمات جنيف في كانون الأول/ديسمبر2003؛ وبعدها لقاء أنابوليس 2007).[3] اللافت هنا أن تناول حق العودة من قبل القيادات صار يجري ضمن نطاق ما يعرف بخارطة الطريق، أي التوصل إلى "حل عادل متفق عليه لقضية اللاجئين الفلسطينيين"، والعدالة هنا بلا مرجعية، ناهيك عن الموافقة هي اشتراط إسرائيلي وليس أكثر. والانكى من كل هذا وذاك، أن الأمر يقدم علانية وكأنه خطوة ثورية متقدمة!

  خلاصة 

 ما نريد قوله في هذه العجالة أن منظمة التحرير لم تستقر على رأي محدد كإستراتيجية تواجه بها العدو في الحرب والسلم،[4] وكانت دائماً تتخلى عن عناصر القوة والشرعية لديها، هذا بالإضافة إلى ازدواجية خطابها داخلياً وخارجياً، فما تقوله للرأي العام العالمي غير ما تخاطب به شعبها، والكلام الصادق هو ما تقوله للخارج. فعلى سبيل المثال، وعلى الرغم من التراخي والتسويف في حق العودة لم يكن عند ممسكي ملف اللاجئين أي تحديد للجهة التي سيعود إليها الفلسطينيون عند الحديث عن حق العودة، بل كان هناك دائماً رؤية تقول بضرورة التمييز بين حق العودة وتطبيقه.

للأسف، إن ما نختم به هو أن قيادة المنظمة لم تكن تقدم حق العودة للرأي العام العالمي، بل كانت تخاطب ود الدول الغربية والرأي الإسرائيلي أكثر مما تخاطب شعبها وقاعدتها، الأمر الذي لم يشفع لها عند الخارج، وأفقدها مصداقيتها في الداخل، ما جرّ علينا بدائل ممجوجة وانقسام أوهن قضيتنا وحرفها عن عدالتها.

 

 احمد مفلح: كاتب وباحث فلسطيني، عضو مؤسس في مجموعة عائدون، مركز حقوق اللاجئين/عائدون (لبنان).


--------------------------------------------------------------------------------

[1] من هذه القرارات على سبيل المثال وليس الحصر: الإعلان العالمي لحقوق الإنسان (1948) (المادة 13، الفقرة2)؛ الاتفاقية الدولية بشأن الحقوق المدنية  والسياسية (1966) (المادة 12، الفقرة 4)؛ المعاهدة الدولية لاستئصال كافة أشكال التمييز العنصري (المادة5(د) (11))؛ البروتوكول الرابع في الاتفاقية الأوروبية لحماية حقوق الإنسان والحريات الأساسية (المادة 3، الفقرة 2)؛ المعاهدة الأمريكية لحقوق الإنسان (المادة 2، الفقرة 5)؛ الشرعية الافريقية لحقوق الإمسان والشعوب (المادة 12، الفقرة 2).

هذا إلى جانب قرارات الأمم المتحدة، وأهمها القرار 194 (11/12/1948) الصادر عن الجمعية العامة؛ القرار2535 (د24) (10/12/1969)؛ القرار2649 (د25) (30/11/1970)؛ القرار2672 (د25) (28/12/1970)؛ القرار 3089 (د28) (7/12/1973)؛ القرار 3236 (د29) (22/11/1974)؛ القرار 3376 (د30) (10/11/1975)؛ القرار 31/20 (24/11/1976).

[2] لمزيد من التفاصيل حول هذه القرارات أنظر: حابر سليمان، "منظمة التحرير الفلسطينية: من حق العودة إلى البانتوستان"، في إدوارد سعيد وآخرون، اللاجئون الفلسطينيون: حق العودة (بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية،2003)، ص151.

- المصدر نفسه، ص162.[2]

[3] - لمزيد من التوضيح حول هذا الموضوع، راجع الندوة الفكرية التي عقدتها مجموعة عائدون: "ستون عاماً على النكبة: قضية اللاجئين الفلسطينيين وآفاقها"، بيروت، 26/6/2008.

[4] - للمزيد، أنظر: د. جبرا الشوملي، حق العودة في خطاب منظمة التحرير الفلسطينية (بديل/ المركز الفلسطيني لمصادر حقوق المواطنة واللاجئين، 2007).


--------------------------------------------------------------------------------