التهجيــر، الصمــود ومحــاولات العــودة

التهجيــر، الصمــود ومحــاولات العــودة

بقلم:جنــان عبــده- مخـّـول

النكبــة كمـــا عاشتــها نســاء فلسطيـــن 

مع مرور ما يقارب الستين عاما على أحداث النكبة، ما زالت قصص تلك الأيام وما جرى خلالها تراود ذاكرة من عاشوها ثم حملوها معهم كأنها تحدث اليوم معهم. الانفعال ذاته، التوتر والترقب، القلق والخوف من الحاضر كما المستقبل. ينعكس هذا الخوف في التعامل مع الحاضر على أنه يحدث بالأمس، ومع الأمس على أنه حاضر اليوم. بعض النساء اللاتي قابلتهن ضمن بحث أجريه حول هذا الموضوع، ما عدا الناشطات السياسيات منهن، تخوفن من تسجيل المحادثة أو من استعمال تفاصيلهن الشخصية، وذلك مقابل رغبة شديدة لديهن في الحديث والمشاركة بما جرى.* فقد عبّرن عن إنفعالهن من المقابلة، كون بعض التفاصيل تذكر للمرة الأولى ضمن سياق بحثي، يتعامل مع تجاربهن وذاكرتهن الحية بمحمل الجد والتقدير. بعضهن أبدين تخوفا من أن المعلومات التي سيتم نشرها لربما تضر بشكل أو بآخر أحد أفراد العائلة- بهذه الحالة كان المقصود أبناء تلك النساء- الذين إما يعملون أو يتعلمون في معاهد أو مؤسسات ضمن حدود دولة إسرائيل.

إن التعابير المتواضعة وغير المعقدة التي إستعملتها النساء عكست خوفاً من المؤسسة الحاكمة، وخوفاً من أن تقوم أجهزتها الأمنية بشكل أو بآخر بوضع العراقيل أمام الأبناء بسبب تصريحات الأمهات، بمعنى أن تعاقبهم أو تضيق عليهم الخناق.  هذه النساء، كما يبدو، تعيش حالة من الخوف تنعكس في تصرف الترقب والتحسب من المستقبل ومن الحاضر أيضا. يبدو من أحاديثهن أن هذه الوضعية ما زالت مستمرة منذ النكبة وبسبب ممارسات الأجهزة الحاكمة القمعية تجاه أبناء هذا الشعب.

حالة الرعب هذه لها ما يفسرها، بمعنى أننا لا نتحدث هنا عن حالة خوف غير طبيعي أو غير منطقي الذي ليس له ما يبرره، أي بما يشبه  "البرانويا أو الفوبيا الجماعية " بل هي واقع معاش بحد ذاته. واقع عاشه الفلسطينيون أيام النكبة ومجازر دير ياسين التي تحولت رمزا للمجازر كلها وكانت سببا في نشر الرعب بين السكان كما يبدو وكما تؤكد الأحاديث والتقارير التاريخية المختلفة.

تلك المجازر والقصص التي حُفرت (بضم الحاء) عميقاً في الذاكرة الحية لأصحابها، يحملونها معهم أينما ذهبوا حيث تحولت بذلك لجزء حي فيهم وفي حاضرهم ومستقبلهم وليس فقط صور من ماضيهم. هذا الماضي الحاضر دوما في كل التفاصيل التي يرونها هو ماض معاش حتى اليوم.  لم يكن هناك انقطاع عن أحداث وويلات النكبة، فقد عاشوا تبعياتها في فترة الحكم العسكري أيضا، والذي فرض على الفلسطينيين ممن بقوا على أراضيهم.  يستذكرون منها أيام "الإعاشة بالنقط" وأيام الاعتقال وحظر التنظيم السياسي ورفض التشغيل أو فصل من تم إستيعابه خاصة في سلك التعليم، وذلك  بناء على "قوائم سوداء" شملت أسماء للناشطين والناشطات من الصف الوطني، ممن بقوا على أراضيهم أو هجروا منها في الداخل، ممن ضيق عليهم الخناق او جوبهوا بالعنف الممؤسس والمشرعن وفق قوانين وأنظمة طوارىء، من قبل الدولة وأجهزتها الحاكمة والمنفذة.

لقد استشعر الفلسطينيون الخطر القادم مع انتهاء الحكم الانتدابي بالشكل الذي انتهى فيه دون إحراز الاستقلال المرجو، وعبروا عن قلقهم من فقدان الأرض-الوطن، وتحدثوا عن ذلك في حينه في مؤتمراتهم ومظاهراتهم وبياناتهم ورسائلهم للمندوب السامي ومحافل دولية وعربية. كما تحدثوا عن ذلك في الجلسات العائلية وبين الأقارب والجيران في البلدة الواحدة. أمور ما زالت المراجع التاريخية تؤكدها كما تؤكدها الذاكرة الحية في عقول ونفوس الأشخاص الذين عاشوا الأحداث وواكبوها وعانوا ويلاتها. منهم من فقد بعض أبناء عائلته أو كلهم، ومنهم من فقد بيته، ومنهم من فقد أرضه، ومنهم من فقد كل شيء وهجر قسراً أو ترك خوفا على من تبقى من المعاناة والتعذيب والإذلال، كل ذلك على أمل الرجوع بعد أن تهدأ العاصفة في غضون أيام.

رغم استشعار الخطر ومقاومته، إلا أن أحداً كما يبدو لم يكن يتوقع حجم النكبة وهولاتها كما تؤكد لنا ذاكرة النساء. تقول (ن. ع.) من حيفا عن ذلك: " ما كنا متوقعين هذا الشيء، كانت صدمة طبعا ما اتصورناش كنا نسمع بالأخبار إنه هياهن الفلسطينية عم بغلبوا، طلعوا اليهود، عم بغلبوا فكانت مفاجأة. كانت الناس تنام وتسكر الباب، بعدين ما عادوا يقدروا يستحملوا. بالأول بقيوا،  بعدين كانوا يطلعوا بالسفن ع بيروت. أهلي راحوا ع عمان بالأول وبعدين ع بيروت".

إن استشعار الخطر والخوف من القادم من جهة، ومقاومة هذا الخطر والعمل على صده من الجهة المقابلة وكردة فعل له، هي حالة ميزت الفلسطينيين منذ بداية القرن الماضي، خاصة مع إقرار وعد بلفور الذي أعطى شرعية لإقامة وطن قومي لليهود على ارض فلسطين، منذ أن تعامل مع اليهود على أنهم شعب، بينما توجه للفلسطينيين على أنهم  أقليات  في أرض فلسطين!.  

التهجيــر والمقاومـــة

تميز العمل النسائي المنظم للجمعيات النسائية العربية والاتحاد النسائي خلال الانتداب، ومن ثم من قبل نساء حركة النهضة في أحداث عام 1948، بمقاومة حملات التهجير وتفريغ البيوت من أصحابها، وفي العمل على رفع وعي الناس لأهمية الصمود والبقاء، إضافة لمد يد العون ودعم أولئك اللذين لجأوا أو هجروا قسراً. هذه المقاومة استمرت فيما بعد أثناء  فترة  الحكم العسكري حيث تعرضت المتظاهرات وناشطات الحركة الى الفصل من العمل ممن عملن في سلك التعليم وأيضا تعرضن للمضايقات وتلقين أوامر المنع وحظر التجول، منها من استمر سريان مفعوله حتى مع إبطال الحكم العسكري في العام 1966، وتعدته بسنوات. كما وتعرضن للاعتقال خاصة أثناء المظاهرات التي نظمتها النساء أو تلك اللاتي شاركن بها حيث لجأت الشرطة الى تفريق بعضها بالقوة.

تصف أقوال السيدة سميرة خوري – ناشطة سياسية ومن مؤسسي مؤسسات حركة النهضة- بشاعة التهجير وقسوته، ويستدل بالمقابل من مضمون الحديث على شجاعة النساء وجرأتهن في مقاومة تلك العمليات. شمل الأمر أيضا مقاومة جسدية في محاولة منع شاحنات التهجير من العبور يومها، حيث ألقت النساء بأنفسهن أمام الشاحنات في محاولة لمنعها من العبور. عن ذلك تقول خوري: "خلال هاي الفترة صار في موجة ترحيل أنا كنت أعلّم بالناصرة في أواخر الـ 48 أجوا شباب قالولي اتركي المدرسة اتركي كل إشي عمالهن يرحّلوا الحارة الشرقية، تركت [...]  ورحت مع كل النسوان اللي كانوا [...] اجو طوّقوا الحارة الشرقية بآلاف الجنود مع بنادق مع أجهزتهم الحربية مع كل إشي، قسم يطوّق وقسم يفوت ع البيوت، يطّلع النسوان، اطلعوا من هون إرحلوا، وياخذ الرجال خصوصا الشباب، يقولوا إطلع برّه إطلع. كيف كانوا يفوتوا على دير ياسين والمحلات هاي. تسمعي صراخ النساء والأطفال يطلعوا بأواعيهن مشلّحين ما فش معهن إشي. نقولهن بدكوا ترجعوا على البيوت تخافوش لازم ترجعوا بس تعالوا معنا، تروحوش ع الجبال تروحوش تهربوش خليكوا في  البلد.  لأنه بدناش إنه يترحّلوا فرحنا أخذنا هالنساوين وحطيناهن ورحنا توزعنا على البيوت نجمع أكل. جمعنا لبنة، زتون، زعتر، زيت وخبز وطعمينا الناس كلياتها. هذا من الـ 7 الصبح للـ 10. الساعة 10 قلنالهن اكلتوا.. شربتوا.. تريحتوا.. إسى [الآن[ يلا معانا ع المسكوبية نطالب بارجاع رجالنا في اطلاق سراحهن لأنه كل الرجال حطوهن في المسكوبية محضرين تركات [شاحنات] منشان يرحلوهن [...[ مش سجن، في الشارع كان ، محولينها لمركز بوليس، كانت مقر الحكم العسكري، كل الغرف استعملوها. بس وين حطوا هذول، حطوهن على الساحة بره، مش على الباب على الساحة، كل الساحة كانت ملانة. شوفي قديش كبيرة كلها ما كانش في اسفلت كلها كانت حصو مركعينهن على الحصو، واحنا بّره. لما اتجمعنا طبعا أجو رجال ونساء من البلد غيرنا إحنا النشيطين ومن حركة النساء، و من النهضة النسائية  ونصرخ اطلقوا سراح رجالنا بدنا رجالنا تروح معنا على البيت، بهذا الشكل وهني يعاقبوا في الناس إطلعوا روحوا [...]  فأجوا هذول، وصاروا يطردوا فينا  جابوا حصن عليها يمسكوا الكرباج ويطردوا بالناس يبعدوا شوي صغيرة نرجع، جابوا حتى مي سخنة تيرشونا وما حدا تراجع بالآخر ايش صار قالوا احسن اشي نحطهن بهالتركات ونرحلهن. إحنا شفنا انه حطوهن بالتركات وبدهن يرحلوهن صرنا نقول ديروا بالكوا على جثثنا! يلا ناموا على الأرض مددوهن على الأرض ونمنا على الأرض وكل ما أجت التركات تقدم أنام على الأرض يعاودوا يتراجعوا ضلينا على المعدل هاذ  للساعة 4 بعد الظهر الساعة 4 بعد الظهر اطلقوا سراح  الاغلبية الساحقة خلو اكمن واحد اللي لاقوا عندهن في بيوتهن سلاح حبسوهن،  فكروا انه بقاوموا اللي عنده جفت صيد اللي عنده كذا، لانهن هني اعلنوا باول الاحتلال اللي عنده جفت كذا ايسلمه، المهم انه شفنا انه نجحنا هاي كانت اول خطوة علمتنا انه لازم نستمر بالنضال بس مظاهرات واحتجاجات .

هذا الدعم للاجئين تكرر من قبل الجمعيات النسائية في عكا أيضا التي استقبلت لاجئي حيفا، حيث تحولت المدارس فيها التي توقفت عن التعليم الى مقرات وملاجىء لاستقبال اللاجئين الذين حضروا اليها بحرا. تستذكر طوبي (1966)  ذلك في كتابها "عبير ومجد" وتتحدث عن دوريات نسائية منظمة لتقديم الدعم للعائلات. لقد تعددت أشكال مقاومة النساء للتهجير والدعوة للصمود. حيث تؤكد أقوال يعقوب وشلبي أيضا (1995: 5 مقتبس في جاد، 1998: 320) أن النساء كن آخر من ترك القرى في أماكن عدة في أحداث النكبة

الخــوف والهلــع

(م. ف.)، من حيفا تصف الأحداث والتوتر الذي حل بالناس فتقول: "شفنا ناس بتركض سألنا شو في؟ سألونا شو انتوا غرُب ]أغراب[!! مش عارفين شو عم بصير!! - ولا بقلوّا هيك هيك، الهجاناه فاتوا. الناس انهزموا من بيوتهن خافوا لمن شافوا الجيش. بالأول خافوا. وبعدين قالوا لازم نفتش ع بيت . ستي بقيت هون بحيفا، وأنا وأختي الله يرحمها أخذونا ع الناصرة [...] نزّلونا بالميدان واللا شو كان!! ناس كثير!! تخيلي زي يوم القيامة، أجت الناس ع الناصرة من كل محل، من شفاعمرو. يعني اللي كان له قرايب أجا [...] الناس كانت تبكي إحنا رحنا عند دار(ش) كان عندهن ولاد صغار. تقاسمنا البيت نص بنص". وقالت (هـ. ك.) من مجد الكروم تصف مشاعر الناس: "الناس مرعوبة لمن صار الطخ عليهن انكسر قلب الناس يعني لمن شاب أو ختيار واقف عالعين ايطخوه!. " لما طوّقوا البلد، صفّوا ارجال ع العين صاروا اينقوا ]يختارو[ كل واحد ايوقفوه ويطخو. بعرفش طخوا أربعة مدري خمسي، أبوي كان مع الناس اللي صافين. نسمع الطخ يجوا هالنسوان اللي ايطلوا يقولوا طخوا الزلام اللي ع العين، إسى إشي ايصرخ اشي يبكي. نسفوا دار اعلى دار، بالحارة اللي كنا ساكنين فيها ما سمعنا إلا حطوا قنبلة فيها صارت الناس إتخاف ينسفوا كل الدور! منشان يكسروا قلب الناس". هذه الأقوال تدل على أن الممارسات المهينة والمرعبة قصدت أن تدب الرعب في نفوس الفلسطينيين لتحثهم على الرحيل.

كما يبدو فإن الخوف لم يكن من القتل فقط وانما أيضا من الإذلال أو التعذيب، بما فيه الإذلال الجنسي. حيث انتشرت قصص عن تعذيب رجال واعتداء جنسي على نساء. في بحث باسم  "النازحون اقتلاع ونفي " يؤكد حليم وضو (1968) أن 30 % من النازحين عام 1967 كان على هذه الخلفية (مقتبس في الخليلي، 1977: 52). هذه القضية أكدها مؤرخون فلسطينيون ممن أرّخوا لفترات مختلفة في التاريخ الفلسطيني كأكرم زعيتر  (1980) الذي تحدث عن ممارسات مهينة قام بها أفراد الجيش البريطاني لدى حديثه عن الثورة الكبرى، وأيضا تطرق للنقطة ذاتها مؤرخون إسرائيليون مثل بني موريس (2003) في كتابته عن أحداث النكبة ذاتها وعن ممارسات مهينة وعنيفة قام بها رجال "البلماح والهاجاناه اليهودية".

الخوف من هذه الأمور دفع العديد من الناس كما يبدو للرحيل أو للتفكير بالرحيل، كما أكدت ذلك أقوال النساء اللاتي التقيتهن أيضا. في ذلك قالت (ن. ع.): "رحنا ع شفاعمر، بحيفا حواليّ كنت اسمع بالأحداث بدي اخلّف، من الخوف وصلنا أخبار عن دير ياسين عن طريق الحكي حكي الناس نسمع، نسمع راديو أخبار من أخوتي كانوا يعملوا بالريفاينري [مصنع على خليج حيفا]، ويجوا يحكوا ". وأضافت (ل. خ.) من مجد الكروم: " قالي أبوي بدكوا اتشّملوا [التوجه شمالا نحو لبنان]، [...] خايفين لليهود تعمل اشي [...] قال واحد منهن بدنا انشمل. بدي اخذ اختي معاي [...] اذا بصير اشي هون[...] هأمن لي اطلع، اجو اخذوني". وتقول (ش. ن.) من حيفا في ذلك أيضا: "بالـ 48 احتلت [...] أجت جارتنا بتقول لأبوي لا تخلي البنات هون هذول اصغار وبفهموش يقوم حدا ايطب عليكوا يقتلوكوا، من الثوار اليهود. [...] قبل ما تحتل إسرائيل بـ 8 أيام  كنا بلبنان. أبوي ضل هون اجت جارتنا أخذتنا احنا الثنتين عند أخوي بلبنان [...] خافت علينا [...] وأبوي أبوي ما قبلش يطلع من البيت، انزلنا عالميناء ركبنا المعونة لعكا [...] المعونة يعني سفينة صغيرة، بعدين من عكا اخذونا بالاوتومبيلات  [السيارات] [...] ع لبنان".

محــاولات العــودة

تؤكد عدة مصادر تاريخية وجود مخططات لتهجير العرب الفلسطينيين من أرضهم، كان كبار الزعماء الصهاينة قد طرحوها مثل بن غوريون بنفسه في العام 1937. هذا الأمر تطرق له أيضا بعض المؤرخين الجدد اليهود في كتاباتهم، كما  فعل بني موريس في كتابه "تصحيح خطا" (2000) والذي اقتبس فيه أقوال لبن غوريون بالاتجاه ذاته. رغم ذلك، فالسؤال هل هُجر (بضم الهاء) الفلسطينيون أم هربوا ليست موقع نقاش هنا، فسواء هُجر الفلسطينيون أم هربوا أم دفعوا الى الهرب خوفا على حياتهم وأعراضهم كما تؤكد دراسات عدة (انظر بهذا الأمر حليم وضو، 1968). فان الامر الذي يقف في مركز النقاش هو أن للفلسطينيين الحق أن يعودوا حسب القانون الدولي، الأمر الذي ترفضه حتى الآن حكومات إسرائيل المتتالية.

عن محاصرة البلدات العربية في العام 1948  وإرغام السكان على الخروج بالقوة، نجد في أقوال (ب. ح.) تصف ما حدث في البروة: " رجعت البروة ،عرفت اليهود اجت تركض جابوا جيش كثير واحتلوا البروة طوقوها من جميع النواحي خلوا محل يطلعوا للشرق وهجتّ الناس كلها [...] وهدوها للبلد كلها نسفوها ماخلوش فيها اشي الا الكنيسة".

إن تجربة التهجير القاسية قابلتها تجربة لا تقل قساوة ومعانة، تمثلت في محاولات العودة في الأيام والأسابيع والأشهر الأولى التي تلت النكبة والتي  كانت تلقى القمع والإبعاد ثانية عبر الحدود. وذلك بعد ان قامت إسرائيل بتعداد السكان خلال هذه الفترة وتعاملت مع  كل من وجد خارج حدودها التي حددتها لنفسها، على انه غير صاحب حق في العودة. وتعاملت مع أولئك اللذين أرادوا الرجوع لبيوتهم وعائلاتهم على أنهم "متسللين غير شرعيين" وقامت بالقبض عليهم وإلقاؤهم مجددا عبر الحدود.  هذه التجربة عانت منها نساء كما رجال. شملت هذه المعاناة صعوبات جسدية ونفسية. عن ذلك في حديث (ش. ن.)  التي كانت في حينها في الثامنة عشرة من عمرها تقريبا،  والتي تحدثت عن المشقة والصعوبات التي واجهت النساء ممن قررن العودة مشيا على الإقدام حتى تجرحت أرجلهن. كما وتحدثت عن مشقة وعناء السير في الطريق الوعرة والجبلية كل ذلك رغبة في الالتقاء بالأهل بعد أن تشردت العائلات وتفرقت بعضها في لبنان بعضها في الداخل بعضها في الاردن أو غيره. "انا لما جيت من لبنان جيت تهريب. ما جيتش طلب رسمي [...]  وحدي سيدة جابتني [...] قالتلي تروحي ع حيفا قلتهلا اه. قالتلي حضري حالك الساعة 12 بالليل باجي باخذك بزمرلك وبتنزلي [...] كان  في معها ناس جايبتهن. كانت اتهرب ناس من لبنان لحيفا [...] هربتني [...] جينا طريق الجبال. هيك ع اجرينا طلعنا الساعة 12 بالليل بالجبال مشي  [...] في معنا واحد دليل من الرميش توصلونا لواد تبع فسوطة ولا إجا بعت مختار فسوطة حدا قاله روح شوف اذا حدا جاي من لبنان تخليهوش ايفوت عالبلد. البلد كلها مطوقة ، ما فتناش ضلينا قاعدين من الساعة 6 الصبح للساعة 8 بالليل، نستنى كلام من المختار انه اجت التكسيات تاخذنا كنا يمكن 20 واحد تقريبا ضلينا تعتمت الدنيا بعدين بعت مختار فسوطة قله روح قلهن يجوا من ورا البلد الاوتومبيلات هناك بتستناهن ما ايفوتوش عالبلد. انا الدم كان ينزل من اجري، ما وصلنا حيفا الا هي 12 باليل [...] اجا علي فساد [...] ثاني جمعة صار طوق. طوقوا وادي النسناس ولموا كل الي اجو من لبنان [...] كانوا سبيل لابسين ]مدني[. بس ايفوتوا عالبيوت يحكو عبراني [...] اجو مسكوني واخذوني وحطوني بالاوتومبيل، كنا كثيرين، بيجي 4-5 أتومبيلات لموّنا ونزلونا، نسوان وولاد، كمان، صغار يطلعوهن ما تفرقش معهن، بصمونا بالعشرة بالأسود انه بدهن يرمونا ع الحدود [...] حملونا بالسيارات ونزلونا ع دايرة البوليس تبعت عكا، قعدوا وصاروا ايقولوا خليهن للصبح عالصبح امنرميهن [...] كنا بالاوتومبيلات بدهن يرمونا، ما نيموناش".

وقالت (هـ.ك.): "مرات ايطوقوا البلد داير ما يندار ايفوتوا ايفتشوا، اشي يزقطوه ايرجعوه واشي يتخبى،  يكبوهن ع حدود لبنان يبرموا ويعاودوا يرجعوا نفس الليلة [...] مات من قرية شعب 7 بمية الغور بالشتا كبوهن ولزقوا بالوحلة ضلوا محلهن بال 48 كله".

هذه الأقوال إضافة لما تحمله من عبىء ومعانة إنما تدل أيضا على الرغبة في العودة وعدم الكلل من المحاولة. كما وتبين أن النساء كن بين العائدين ونظمن حملات العودة مخترقات الحواجز والحدود التي فرضتها إسرائيل.

هذه القصص إنما تؤكد لنا مجددا كيف تعيش الحقيقة وتحيى في ذاكرة البشر وكيف يتحول الوطن الى رواية، رواية تبقى حية في أذهان الناس الذين يحملونها معهم ويعيشونها يوما بيوم ولحظة بلحظة. هذا الأمر يؤكد لنا أيضا انه لا مكان لفصل الشخصي عن العام والخاص عن السياسي، خاصة في ظروف الاحتلال والمعاناة. حيث تتشابك القصص الشخصية بالعامة. وتدل كيف يتحول البيت الى وطن ويصبح الدفاع عنه دفاعا عن الوطن بأكمله. هكذا تصير الرواية الشخصية رواية جميع الفلسطينيين، وتكون معانة العائلة الفلسطينية نموذجا لمعاناة الشعب بأكمله، وكذلك تجربة الصمود والمقاومة ومحاولات العودة الفردية تكون نموذجا لحق العودة الجماعي.

هذه النساء التي استذكرتها في هذه المقالة وأخريات ممن لم تحظ قصصهن أن تدخل التاريخ المكتوب، تجد لها طريقا من خلال الأحاديث واستذكار التاريخ بما يحمله من صعوبات، وتلقى لها منصة مؤخرا عبر مشاريع التأريخ الشفوي المعني عادة بقصص الحياة وبقصص الشعب والفلاحين والنساء ضمنهم وليس النخب فقط، وأيضا من خلال أبحاث المعنية بإسماع صوت النساء وإعادة حضورهن كجزء من هذا التاريخ وليس كبعض هوامشه.

لقد عاشت النساء الفلسطينيات أهوال الانتداب الاستعماري ومن ثم النكبة، على المستوى الفردي كما الجماعي، فعانين وقاومن وصمدن وكن شريكات في الهم والمعاناة كما في النضال والمقاومة، وفي محاولات العودة وتنظيمها، وشكلن بذلك نموذجا يقتدى لأجيال قادمة من النساء، وصارت قصصهن الصغيرة الشخصية قصصا تستحق أن نتذكرها وان ننقلها حيث تبني بتجميعها معا جزءا مهما من الرواية الجماعية، لا يمكن أن نتجاهلها أو ننساها.  قصص تعطينا بتجميعها الصورة الكاملة.

مراجــع

·         جاد، إصلاح. (1998). "التأريخ المنسي من يتذكر أدوار النساء في السياسية". داخل: زمن النساء والذاكرة البديلة. القاهرة: ملتقى المرأة والذاكرة. ص، 315-329.

الخليلي، علي. (1977). المرأة الفلسطينية والثورة: دراسة اجتماعية ميدانية تحليلية. بيروت: مركزالابحاث.  
زعيتر، أكرم. (1980). الحركة الوطنية الفلسطينية 1939-1935. بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية.
طوبي، أسمى. (1966). عبير ومجد. بيروت: مطبعة قلفاط.
موريس، بني. (2000). تصحيح خطأ: عرب ويهود بأرض-إسرائيل، 1956-1936. تل أبيب: عام عوفيد. [بالعبرية]
موريس، بني. (2003). ضحايا: تاريخ الصراع الصهيوني-العربي، 2001-1881. تل أبيب: عام عوفيد. [بالعبرية]
* تم تغيير أسماء النساء في هذه المقالة للحفاظ على السرية المطلوبة، ما عدا في حالة الناشطة السياسية السيدة سميرة خوري، الاسماء الاصلية محفوظة لدى الكاتبة .

___________________________

جنان عبده- مخول هي باحثة وناشطة في مجال العمل الجماهيري تعنى بشؤون الحركة النسوية الفلسطينية. تقيم في حيفا.