الذاكــرة الشفاهيــة بيـــن العــرب والصهاينـــة

الذاكــرة الشفاهيــة بيـــن العــرب والصهاينـــة

بقلم:حسيــن جمعــــة 

ومن هنا فإننا سنحاول معالجة الذاكرة الجماعية الشفاهية، في تناول القضية الفلسطينية وبخاصة ما يتعلق بالأرض والنكبة في إطار ما تروجه الحركة الصهيونية من آراء، وفي إطار ما يقوم به الشعب العربي من خلال ردات الفعل غالباً. إن كل من يتصدى لهذا الموضوع يدرك أن الجهود العربية والدولية بما فيها جهود أطراف فلسطينية متعددة تتكثف ـ اليوم ـ لإيجاد تسويات وتفاهمات جدية لإنهاء الصراع الصهيوني العربي، على الرغم من الإدراك الراسخ في قرارة النفوس أن إسرائيل مصطنعة وجدت بقرار أممي، ولا يستند إلى الشرعية الحقيقية التي تستند إليها الدول، مهما كانت مزاعمها التوراتية التاريخية. نشات في سياق تاريخ غربي إثر محاولات كثيرة بدأت في القرن التاسع عشر ثم أثمرت عن ظهورها في القرن العشرين؛ في الرابع عشر من ايار من العام 1948.

 

لقد برمج هذا الكيان منذ وجوده سياسته لمعالجة الشأن الداخلي الفلسطيني في ضوء عملية إبادة منظمة للإنسان الفلسطيني، والقيام بإجراءات تهجير مدروسة تؤدي إلى طرد كل من هو عربي لإنشاء دولة عنصرية يهودية صهيونية خالية من العرب. ومن ثم شرع بالسعي جاهداً إلى تصفية قضية اللاجئين التي نشأت عن حرب العام 1948، والقضاء نهائياً على كل ما يتعلق بحق العودة. هذا الحق الذي أرسته القرارات الأممية الدولية؛ وشرعة حقوق الإنسان، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان لعام (1948) في مادته الثالثة عشرة. 

بل إن هذا الكيان العدواني الاستيطاني يخطط لتهجير العرب الذين يعيشون في الداخل، وفق خطة التهجير (الترانسفير) المستمدة من أنساق توراتية مضللة تعتمد على مقولات أرض الميعاد، وأرض إسرائيل الكبرى (يسرائيل ربّاتي) إضافة إلى أحقية اليهود بها تاريخياً، وأن العرب الأغيار (الغوييم) ليسوا سوى طارئين عليها! ما يعني أن الانتماء العربي إلى الأرض لا معنى لـه في المفهوم الصهيوني إذ يقول يسرائيل الداد: "إسرائيل أرض اليهود، وليست أرضاً لليهود؛ لقد كانت يوماً أرضاً للعرب، ولكنها لم تكن أبداً أرضاً عربية.. وهي أرض تسعة ملايين يهودي آخرين موجودين في العالم، ولو لم تكن لديهم خطط حاضرة للعيش فيها". ومن هنا نفهم لماذا رفض هذا الصهيوني وعد بلفور في الثاني من تشرين الثاني من العام 1917، الذي تضمن صراحة فكرة "إعطاء وطن قومي لليهود في فلسطين". فهو يؤمن بأن فلسطين أرض يهودية على مدى التاريخ، أما العرب (الأغيار) فقد سيطروا عليها فترة من الزمن، وآن الآوان أن يرحلوا عنها 

فالقضية برمتها قضية أرض يعمل الصهاينة على ابتلاعها والسيطرة عليها بحجج كثيرة توراتية خرافية؛ تدعم التوجه الاستعماري الاستيطاني في السيطرة على المنطقة؛ ومن ثم تغدو سياسة صهيونية غربية أمريكية محكمة. وبمثل ما يراهن الصهاينة على أرض الميعاد؛ وعلى اعتبار أن فلسطين أرض بلا شعب، وهم شعب بلا أرض وأنهم هُجّروا ظلماً منها في الماضي السحيق فهم يراهنون على نسيان الشعب الفلسطيني أرضه التي ولد هو وأجداده فيها، ولا سيما أولئك الذين تشبثوا بها ولم يرحلوا عنها في العام 1948 أو أولئك الذين يحلمون بالعودة إليها من أرض الشتات. 

وعلى ضوء ذلك كله، اتبع الصهاينة مناهج وطرائق كثيرة للاحتفاظ بفلسطين ومن ثم التوسع إلى ما يزعمونه أرض إسرائيل الكبرى؛ وطفقوا يتلمسون في الذاكرة الشفهية اليهودية ما يعزز توجههم معتمدين على الخرافات التوراتية المؤسسة للكيان فضلاً عن الدعم الغربي والأمريكي لهم؛ على اعتبار أن أي طريق منها يكمل الآخر. فالإرث الشفوي لا يقل قيمة عن الإرث المكتوب في التأثير والسيطرة على المشاعر الإنسانية وثقافتها؛ مدعين أن هناك جرائم بشعة وقعت بحقهم. فالأقوال المنقولة مشافهة بين الصهاينة أو بينهم وبين أطراف أخرى، فضلاً عن جهود حاخاماتهم وقادتهم وساستهم وأنصارهم من الأصولية المسيحية العالمية إنما تؤدي إلى الأهداف ذاتها في السيطرة على الأرض وإبادة الشعب الفلسطيني. 

ونلمس هذا في رسالة فرويد إلى ماكس غراف، ومنها: "لقد خلق الله موسى شخصية لليهود حين أعطاهم ديناً؛ صعّد ثقتهم بأنفسهم إلى درجة آمنوا معها بأنهم متفوقون على الشعوب". ويردد كثير منهم أوهاماً وخرافات منها قول آحاد هاعام، رئيس حركة أحباء صهيون في إحدى رسائله: "عندما قدمت إلى البلاد مساء عيد الفصح، وزرت القدس لأشكو همي، وأُفرغ غضبي أمام حائط المبكى، شعرت بالحزن؛ لأنني وجدت العديد من إخوتنا يصلّون بصوت عالٍ؛ كانت وجوههم متهدلة، وحركاتهم غريبة، وثيابهم بالية. كل ذلك كان يناسب منظر الحائط الرهيب؛ وأنا واقف أحدّق بهم تارة؛ وبالحائط تارة أخرى، وفكرة واحدة تدور في رأسي: هذه الحجارة شاهدة على خراب أرضنا... الأرض عندما تكون خربة والشعب يفيض قوة وشباباً وحياة يقوم لبنائها زروبابل وعزرا ونحميا والشعب من ورائهم، لكن الشعب عندما يكون خرباً من يقوم له ومن أين يأتي عونه؟". ولهذا يصرّ دافيد بن غوريون على القول: "إن أرض إسرائيل سوف تفك رهن اليهود، واليهود سوف يفكّون رهن الأرض، ومن ثم سيذهب اليهود ليفكوا رهن الأمم". 

ينطلق بن غوريون في هذا الاعتقاد من الأسفار التوراتية، ويزيد عليها تطلعه إلى السيطرة على العالم كله كما ورد في سفر العدد رقم (53 ـ55) ونص ما جاء فيه "إن لم تطردوا سكان الأرض من أمامكم يكن الذين تستبقون منهم أشواكاً في عيونكم ومناخس في جوانبكم، ويضايقوكم على الأرض التي أنتم ساكنون فيها". ولهذا يصرخ يهودا عمي حاي في قصيدة له قائلاً: 

اليهود ليسوا شعباً تاريخياً

كما إنهم ليسوا شعباً أثرياً

أنهم شعب جغرافي

مع فتات ودمار وطبقات

ونيران متأججة 

وفي ضوء ذلك كله، فإن فكرة السيطرة على العالم كله تسكن الذهن الصهيوني اليهودي الذي لا يعترف بأي نمط من أنماط التسوية أو الإقرار بسلام عادل مع العرب. فالوجدان الصهيوني لا يردد في داخله وبين أبنائه إلا نزوع التفوق اليهودي الذي يؤسس مفاهيم السيطرة على البشرية بكل ما تملكه من أرض وموارد. ولا شيء أدل على هذا كله من تلك الطرفة التي سرّبها أعضاء الوفد الإسرائيلي المفاوض على قيام دولة فلسطينية ذات يوم ومفادها: "أراد الله أن ينهي الحياة على الأرض في غضون أيام فاستدعى زعماء العالم: الرئيس الروسي والرئيس الأمريكي ورئيس الحكومة الإسرائيلية؛ وأعلمهم بأنه يريد إنهاء الحياة على الأرض ليخبروا شعوبهم. وقف الزعماء الثلاثة أمام شعوبهم معلنين: الرئيس الروسي: أيها الرفاق! لدى خبران سيئان: الأول: لقد تبين أن ثمة إلهاً، الثاني: هذا الإله يريد أن ينهي الحياة على الأرض. وقال الرئيس الأمريكي: أيها الإخوة!! لدي خبران؛ أحدهما جيد، والآخر سيئ. الخبر الجيد: لقد تأكدنا أن ثمة إلهاً، وهو ما تعبدون؛ الخبر السيئ: هذا الإله يريد إنهاء الحياة على الأرض. اما رئيس الحكومة الإسرائيلية فقد قال: بني إسرائيل!! لدي خبران جيدان؛ الأول؛ ثمة إله، وهو إله بني إسرائيل كما تعلمون؛ الثاني؛ لقد حصلنا على ضمانات بأنه لن تقوم دولة فلسطينية". 

فالذاكرة الجماعية الشفاهية والمكتوبة للصهاينة توظف كل ما لديها من خرافات وأساطير وثقافات وعلوم لصالح الكيان الصهيوني للتأثير العاطفي والفكري في العالم وحرفه عن سبيله الصحيح. هكذا يمضي الوجدان الصهيوني في ذاكرته الشفوية في رؤية الهيمنة على أرض فلسطين ليجعلها منطلقاً للسيطرة على العالم؛ في الوقت الذي يستثمر أحسن استثمار أوجاع المشروع العربي المتخلف والمجزأ؛ وهو مشروع يعتمد على ذاكرة جماعية شفاهية مريضة بالتشتت والنكبات والاقتتال منذ يوم النكبة على الرغم من الأهازيج الشعبية الكثيرة التي تضج بالأمل وتتأجج بنسائم الشوق والحنين إلى التشبث بالأرض والدفاع عنها على اعتبار أن أرض فلسطين كلها أرض وقف لا تباع ولا يملكها مغتصب مهما بلغ ظلمه وقوته وجبروته. 

فذاكرة الشعب العربي تتجه إلى إثارة العاطفة ودغدغة المشاعر دون أن تلج في داخل النفس البشرية إن لم تؤدِ إلى نتائج سلبية لزيادة المبالغة في التصوير، ظناً من الشعب أنها ستقطف النتائج المرجوة على الصعيدين الداخلي والخارجي؛ على حين أرى أنه لم يقبض إلا على الريح؛ ولا شيء أدل على هذا كله من كثرة الخيبات التي وقع فيها. لهذا كله يعود أيار كل عام ليحمل في طياته نداءات خفية تنبش كل ألوان الحقد والجريمة والإبادة الجماعية الوحشية التي تعرض لها الشعب العربي الفلسطيني إبان النكبة على يد العصابات الصهيونية. ومن ثم تروى القصص والحكايات المرعبة عن مذابح قبية وقلقيلية ودير ياسين وغيرها؛ وما زالت هذه الجرائم المنظمة ترتكب بحق الشعب الفلسطيني على مرأى من العالم المتمدن والحر. 

وفي هذه المرويات وغيرها من صور الأدب العربي تبرز صورة البطل الشعبي التي تترافق بقصة التهجير الكبير الذي تعرّض لـه الشعب الفلسطيني، تهجير جعل أبناء الأرض الأصليين مشردين، مقهورين، ممزقي أواصر الرحم؛ جائعين لا يقيم أودهم أو ينقذهم من البؤس والشقاء أية مساعدات رمزية تقدمها الأمم المتحدة، أو تجود به الحكومات العربية، على اعتبار أنهم يعيشون تحت وهم بيع الوعود البراقة بالعودة إلى أرضهم؛ وما هذه المعونات إلا حالة مؤقتة. 

وحين نصل إلى الذكرى الثامنة والخمسين للنكبة تظل الحقيقة تصرخ في الوجوه: إلى متى ستبقى الأجيال العربية الفلسطينية، بل العربية كلها معلقة على وعود الوهم الكاذب؟ هل ستعيد هذه الأضاليل الأرض إلى أصحابها وسط زيف عالمي كبير؟ وهل يمكن للتسويات والإجراءات التي يقوم بها العالم أن يعيد الشعب الفلسطيني إلى أرضه؟ وكيف لـه ذلك والصهاينة يعملون على تحقيق مشروع الشرق الأوسط الكبير الذي ينقضّون منه على العالم كله وفق ما تؤكده الذاكرة الشفاهية الصهيونية؟

_____________________

د. حسين جمعة هو رئيس اتحاد الكتاب العرب في سورية. وهو أستاذ الادب القديم في قسم اللغة العربية بجامعة دمشق. من مواليد بيروت في العام 1949، وله عشرات البحوث والدراسات حول الأدب العربي.