قضية اللاجئين الفلسطينيين في الذكرى الثامنة والخمسين للنكبة

قضية اللاجئين الفلسطينيين في الذكرى الثامنة والخمسين للنكبة

بقلم:د. نايــف جــراد

هــل مــن أفــقٍ للحــل؟

بعد ثمان وخمسين عاماً على النكبة الفلسطينية الكبرى في العام 1948، يتساءل اللاجيء الفلسطيني عن مصير قضيته، المتمثلة بحقه في العودة إلى الديار، التي أخرج منها عنوة وبقوة السلاح. فهل لا زالت هذه القضية وبحق مركزية للشعب الفلسطيني وتمثل جوهر قضيته الوطنية، أم أن تطورات الأحداث والتغيرات النوعية والجذرية، التي طالت الجغرافيا والديمغرافيا والاجتماع والسياسة والفكر، قد ألقت بظلالها على قضية عودة اللاجئين فجعلتها، ليس فقط حلما، بل و"سرابا" أيضا؟ 

لا شك أن الأمر بحاجة إلى تفكر وتمحيص. فإذا كان الفلسطينيون اليوم قد باتوا غير قادرين على إعادة مبعدي كنيسة المهد، الذين لم يمض على إبعادهم أكثر من بضعة سنوات، فهل من المعقول بأنهم قادرين على إعادة ملايين اللاجئين الذين مضى على هجرتهم عدة عقود ومن كان منهم في العاشرة من عمره حين هجّر بات اليوم يناهز السبعين، ومنهم من قضى نحبه وهو ينتظر دون طائل؟ وهل صحيح أن اللاجيء الذي استقر في بلدان الشتات وأصبحت له مصالح فيها، ظل متحمسا إلى اليوم للعودة كما هو حماس اللاجيء الفقير والمعوز الذي لا زال يقبع في مخيمات البؤس والشقاء؟ وإذا كان بعض الفلسطينيين الذين تمردوا على الإجماع الفلسطيني المتمسك بحق العودة إلى بيوت النشأة والديار الأصلية، وتحت مسميات الواقعية، قد تنازلوا عن ذلك لصالح عودة "مأمولة "لدولة فلسطينية "موعودة" على الأراضي المحتلة في العام 1967، فما الذي سيقولونه اليوم وقد بات حلم الدولة أبعد، وقد أستبدل بمشروع كيان مسخ من المعازل لا تتعدى مساحته 10 % من مساحة فلسطين التاريخية؟! وماذا سيقول من ركض وراء وهم "النمر الآسيوي الجديد" وهو يرى اليوم الأرض تبتلع من قبل  المستوطنات والجدار وسيلحق الجزء الأكبر منها بالسيادة الإسرائيلية في إطار مشروع الفصل أحادي الجانب، وما تبقى لن يصلح في أحسن الأحوال لإقامة كيان كأوندورا مثلا أو دولة ميكرونيزيا حليفة إسرائيل الدائمة في الأمم المتحدة.

 

من المفيد التذكير هنا، أنه فيما يتعلق بالمشروع الإسرائيلي للانفصال من جانب واحد و المتضمن لإقامة جدار الفصل العنصري، أن الدافع له من وجهة النظر الإسرائيلية هو ما وراء الهاجس الأمني، أي  الهاجس الوجودي النابع من الخطر الديمغرافي، الذي أشار إليه "أبو الديمغرافيا الإسرائيلية" الأستاذ الجامعي "أرنون سوفير"،أحد المقربين من شارون، والذي بناء على نصائحه أقدم الأخير على صياغة مشروعه للانفصال عن غزة. والوصفة التي باتت الدواء الشافي للخطر الوجودي هي كلمات سوفير: "يمكن لدولة إسرائيل البقاء فقط إذا كانت فيها أغلبية يهودية واضحة تعيش في منطقة يسمح حجمها وحدودها بتحقيق سيادة الدولة والدفاع عن حدودها". وهذا ما أكده شارون، وما يردده أولمرت اليوم: اليهود سيصبحون خلال عشرين سنة أقلية في البلاد.. (من هنا) ضرورة الحفاظ على يهودية الدولة وإلا فإن وجودها مهدد بالخطر. ولم يخف شارون، كما لا يخفي أولمرت، بأن الهدف هو تكريس وجود دولة إسرائيل على أكبر مساحة ممكنة من الأرض بأقل عدد ممكن من السكان العرب، واستحصال اعتراف دولي وإقليمي بها كدولة يهودية، وإن أمكن فاعتراف فلسطيني أيضا وإلاّ ففرض ذلك على الفلسطينيين كأمر واقع وبقوة الوقائع الاحتلالية على الأرض.               

وليس من الصعب على الحكومة الإسرائيلية أن تتذرع  اليوم بعدم وجود شريك فلسطيني وقد باتت حماس في السلطة، وهي ترفض الاعتراف بإسرائيل والاتفاقات الموقعة معها  وتتمسك بالمقاومة، وهي التي في عهد شارون لم تتورع عن  قول ذلك حتى بوجود الزعيم المرحوم الشهيد ياسر عرفات، الذي اعترف بإسرائيل وأبدى على الدوام التزامه بالسلام والمفاوضات. ولعل التمعن بذلك الدافع (الديمغرافي الوجودي ) وبهذه السياسة الإسرائيلية، يبين بأنها سياسة تاريخية دائمة للحركة الصهيونية وإسرائيل منذ البدايات، كانت و لا زالت  مدفوعة بادعاء الحق بالأرض وبإنكار وجود الشعب الفلسطيني وبهدف إقامة دولة يهودية نقية، ولذا اعتمدت سياسة الإبادة لـ "الوحوش" و"جرذ الصحراء" و"نسل العمالقة". ولما وجدت أنها لا يمكنها التمادي في ذلك استبدلت الإبادة بالترانسفير أو اتبعت الاثنين معا، فأوجدت النكبة المستمرة إلى اليوم . 

وإذ نحيي هذا العام الذكرى الثامنة والخمسين للنكبة، فإننا ندق ناقوس الخطر من النكبة والكارثة الجارية حاليا ضد شعبنا، والتي تتضمن سياسة إبادة و ترانسفير جديدة أشد دهاء من سابقاتها تريد أن تجعل حياة الفلسطيني في أرضه جحيما لا يطاق  فتدفعه للاستسلام أو لهجرة طوعية صامتة تضيف فصولا جديدة للنكبة الفلسطينية المستمرة.

وهكذا فاللاجيء الفلسطيني اليوم يفيق على واقع معقد وصعب، في ظل الحديث عن أزمة رواتب وفك الحصار والتنازع بين الحكومة والرئاسة على صلاحيات منقولة من الاحتلال لسلطة لا سلطة لها على أرضها  وحدودها أو أجوائها أو مياهها أو ثرواتها الشحيحة أصلا، ولا حتى على أموال الضرائب المجتباة من مواطنيها، وفي ظل عجز كبير للحركة الوطنية، مما يجعل الحديث عن حق العودة  مدعاة  للسخرية وفي أحسن الأحوال للحسرة! فهل سيبقى اللاجيء يرفع شعار التمسك بالعودة ويحلم بها؟ وهل سيبقى الجميع يردد ذات الشعار وينظم المسيرات والفعاليات إحياء لذكرى النكبة؟ 

قد يستسهل البعض الإجابة مصابا بإحباط اللحظة التاريخية المعاشة والمأزق الإستراتيجي الذي لحق بالحركة الوطنية الفلسطينية جراء عجزها عن مواجهة المشروع الإسرائيلي الخطير، الذي يراد له أن  يمثل فصل الختام لكارثة 1948. ولهذا فإنه من الضروري التنبيه لخطورة أن تجري استنتاجات متسرعة وأن تبنى إستراتيجيات وطنية بناء على وضع صعب أو مأزق لحظي أو موازين قوى مختلة لصالح العدو. صحيح أنه لا بد للعاقل من أن يأخذ كل ذلك بعين الاعتبار وأن يضعه في حساباته وهو يرسم السياسة ويصوغ تكتيكاته، لكن من الصحيح أيضا أن المأزق المشار إليه ليس بمأزق فلسطيني دائم، وهو ليس بمأزق فلسطيني  فحسب، بل هو وقبل كل شيء مأزق إسرائيلي من الدرجة الأولى وإستراتيجي أيضا، لأن الشعب الذي أنكر وجوده وأتبعت شتى الوسائل والأساليب لتهجيره بعيدا عن أرضه أصبح اليوم تعداده على الأرض الفلسطينية يوازي إن لم يفوق تعداد اليهود، مما يؤكد فشل المشروع الصهيوني في  إبادة الشعب الفلسطيني أو دفع من تبقى منه على قيد الحياة لأن ينسى حقه وأرضة، أو حتى فرض الإستكانة عليه والتسليم بالأمر الواقع. وإذا كان الإسرائيليون يراهنون أنه من خلال الجدار والحصار والتجويع والإجراءات أحادية الجانب المدعومة من واشنطن وفي ظل الصمت العربي يستطيعون أن يضمنوا الطابع اليهودي لدولتهم، فما الذي سيصنعونه مع المليون وربع المليون العرب الفلسطينيين الصامدين على أرضهم داخل الخط الأخضر، ولم تفلح كل إجراءات  التمييز العنصري والأسرلة والتهويد في نزع هويتهم الوطنية أو ثنيهم عن المطالبة بحقوقهم، بما فيها حق أكثر من 300 ألف مهجر منهم بالعودة إلى قراهم وبلداتهم الأصلية التي هجروا منها عنوة أو حرموا من العودة إليها بقوة القانون الإسرائيلي العنصري، وهاهم يحيون كل عام ذكرى النكبة تحت شعار "يوم استقلالهم هو يوم نكبتنا"، وما فتئوا ينظمون مسيرات العودة الجماعية لقراهم الأصلية كما حصل قبل أيام مع أهالي قريتي مسكة وأم الزينات وبوجود حتى مجموعات يهودية باتت تخجل من طمس الحقائق التاريخية، وتؤرقها الأزمة الأخلاقية المستشرية في البلاد جرّاء إنكار الكارثة الفلسطينية وجرّاء الاحتلال وإجراءاته القمعية البشعة التي تحاكي أساطير التوراة وعنصرية المستعمرين الأوروبيين وتبرر القتل والتعذيب واحتلال أراضي الغير والتوسع بحق اليهود في دولة قومية تعويضا عن الأذى والظلم الذي لحق بهم جرّاء الكارثة والهولوكست! وما بالك إذا ما أفاقت الحركة الوطنية الفلسطينية من المخدر الذي أعطي لها بالانفصال الإسرائيلي عن غزة، والذي هو بمثابة شرك نصب للفلسطينيين ليلهوا بالسلطة على حساب التحرير، ولإيهام العالم بأن الاحتلال الإسرائيلي قد انجلى عن الأرض الفلسطينية وأن على الفلسطينيين نبذ "العنف والإرهاب" والقبول بالدولة ذات الحدود المؤقتة، حتى إذا ما أثبتوا جدارتهم بإدارة أنفسهم بأنفسهم  والتزامهم بالمفاوضات طريقا وأسلوبا وحيدا للحل يمكن لاحقا الحوار معهم واعتبارهم شركاء، بعد  أن تكون غزة قد عزلت عن الضفة، والقدس حوصرت وهودت، والأرض قد ضاعت، والشعب جوع وحوصر في المعازل والسجن الكبير لا حول ولا قوة له ولا نصير!! هل يمكن للإسرائيليين والعالم أن يدّعوا بانتهاء الصراع إذا ما رفض الفلسطينيون المشاريع الإسرائيلية التي تقوض قيام "دولة فلسطينية مستقلة ومتصلة ذات سيادة" كما تنص على ذلك خارطة الطريق؟ وما بالك إذا ما عاد الفلسطينيون لطرح هدف الدولة الديمقراطية على كامل التراب الفلسطيني كمخرج من المأزق الناتج عن الأمر الواقع الإحتلالي الإسرائيلي والتشابك الواصل حد الاندماج للوضع الجغرافي والديمغرافي والاقتصادي؟ ولا نريد هنا أن نتحدث عن إمكانيات أن تتغير موازين القوى وأن تتبدل أحوال العالم و أن تجد أمريكا نفسها وقد فقدت زعامة العالم وتربعها على عرش النظام الكوني كما حصل مع كل الإمبراطوريات  في التاريخ. 

كل ذلك وغيره ممكن، وهو يحمل القيادة الراهنة للحركة الوطنية الفلسطينية مسؤولية تاريخية عن مصير القضية الوطنية وفي قلبها حقوق اللاجئين. ولهذا فإن الواجب يملي على الجميع استدراك الأمور قبل فوات الأوان عبر الحوار الجاد لإعادة النظر بالسياسات والإستراتيجيات والتكتيكات المتبعة من أجل توحيد جهود الجميع في الإطار الوطني الجامع للشعب الفلسطيني، الحامل للشرعية الفلسطينية والعربية والدولية والمعبر عن الحقوق الوطنية غير القابلة للتصرف أو المقايضة والمتمثلة بالحرية والاستقلال والسيادة والعودة، والذي تمثله منظمة التحرير الفلسطينية وليس غيرها. ومن الهام هنا أن يجرى رفض ومقاومة المشروع الإسرائيلي للانفصال وترسيم الحدود من جانب واحد وأن لا يخرج علينا من يقول غدا أن ذلك مكسبا وأن الاحتلال خرج مدحورا تحت ضربات المقاومة! ولكن من المهم أيضا أن نقنع العالم والمحيط العربي والإسرائيليين أنفسهم بأن  حلا كهذا ليس سوى ذر الرماد بالعيون وانه يحمل في طياته قنبلة موقوتة سرعان ما تنفجر ليس جراء الظلم والإجحاف فحسب، بل والإذلال الذي يلحقه بالشعب الفلسطيني أيضا. ومن البديهي أن سياسة كهذه لا بد لها من  توافق وطني على كيفية إدارة الصراع مع الإحتلال وكيفية التعاطي مع المجتمع الدولي ومع أطر الشرعية الدولية ومع الرأي العام العالمي، وذلك حتى تؤتي السياسة ثمارها المرجوة ولا يبددها نزق هنا أو تطرف هناك. 

أما على صعيد قضية اللاجئين ذاتها، فلا بد من توحيد جهود كل الأطر والمؤسسات الرسمية والشعبية والأهلية العاملة في هذا المجال داخل الوطن وفي الشتات، وان لا يصيبها، بعد أن أضيف إلى حكومة حماس وزير لشؤون اللاجئين،ما أصاب الوضع الوطني العام من صراع على التمثيل والدور بين السلطة والمنظمة، وأن لا تغري السلطة أصحابها الجدد كما أغرت أو كادت سابقيهم بحيث ينجرون وراء المخطط الرامي لاعتبار السلطة هي الممثل الشرعي الوحيد  للشعب الفلسطيني في الداخل والخارج، فيما المراد إقصار الشعب الفلسطيني على الموجودين في الداخل فحسب وشطب اللاجئين في الشتات، أو أن يندفعوا وراء مخطط تصفية المسؤولية الدولية عن قضية اللاجئين بإغراء نقل الصلاحيات من وكالة غوث وتشغيل اللاجئين (الأونروا) إلى السلطة الوطنية (وهذا ما يتنبأ به الصحفي الاسرائيلي شلومو غازيت) أو أي مؤسسة أخرى (غير المؤسسات الدولية المعنية كمفوضية الأمم المتحدة العليا لشؤون اللاجئين. ولا بأس من أن يستمر العمل لإحياء المناسبات وتذكير العالم والإسرائيليين بالظلم والإجحاف التاريخيين اللذين لحقا بالشعب الفلسطيني جراء احتلال أرضه واستيطانها وتشريده عنها والحيلولة دون تمكينه من نيل حقوقه الوطنية والتاريخية. ولكن الأهم من ذلك أن لا تستمر ذات الشعارات السابقة المؤكدة فقط  على التمسك بحق العودة، وأنها قضية مقدسة وقانونية  وشرعية ولا تسقط بالتقادم، ولا يجوز التنازل عنها، على أهمية ذلك بالطبع، بل أن تنتقل حركة الدفاع عن اللاجئين إلى تحريك جموع اللاجئين للمطالبة بعودتهم الفعلية حتى يشعر القاصي والداني بحجم هذه المعضلة ويدرك بما لا يدع مجالا للشك بأن اللاجئين الفلسطينيين يرفضون التوطين رغم نضالهم للعيش بحرية وكرامة في بلدان اللجوء وبأنهم مصممون على نيل حقوقهم كاملة في العودة واستعادة الأملاك والتعويض عن معاناة اللجوء، أسوة بغيرهم من لاجئي العالم. ولنا في حركة ونشاط وشعارات وفعاليات مهجري شعبنا في الجليل والمثلث والنقب خير مثال على ذلك، كما ولنا في الحركة النشطة للدفاع عن حق العودة في أوروبا وأمريكا مؤخرا مثالا  يحتذى عما يمكن أن يفعله الجهد الجماعي والمنظم والعقلاني. ومن هذه الرؤية انظر بخطورة لكيفية التعاطي مع محنة اللاجئين الفلسطينيين في العراق فبدلا من تحويل الأنظار نحو المسؤول عن تشريدهم ونكبتهم والمطالبة بإعادتهم إلى وطنهم راح البحث يدور عمن يستقبلهم من العرب. واعتقد أن هؤلاء اللاجئين يشعرون بغبن وإجحاف كبيرين، تتحمل القيادة الفلسطينية جزءا من المسؤولية فيه بسبب ما أصب ولحق بمنظمة التحرير الفلسطينية من ضعف وفقدان  للهيبة والمكانة.                                                

في هذا المجال أشعر من واجبي أن أنوّه بضرورة الحفاظ على وحدة الشعب الفلسطيني في مواجهة المشاريع التي تستهدف أرضه وحقوقه، ولا يظنن أحد بأن سقوط الحكومة الحالية هو مكسب لبرنامجه و إثبات لصحة وجهة نظره، ففي ذلك خطأ كبير لأن الجميع في قارب واحد والفشل سيكون للديمقراطية الفلسطينية ولمشروع الكيانية الوطنية المؤسسة على الأرض الفلسطينية، والتي من المفترض بها أن تثبّت الناس في الأرض وتعزز صمودهم وتدافع عن حقوقهم وتثبت للقاصي والداني بأننا شعب حضاري ويستحق الحياة والدولة والاستقلال والسيادة، والعودة أيضا. ولكن لا بأس من أن يشكل البعض معارضة حقيقية للحكومة، تضغط عليها من أجل الإصلاح وتلبية هموم ومصالح الناس والدفاع عن حقوقهم  وإتباع سياسات وسلوك دبلوماسي تمكن من فك الحصار عن شعبنا وتحشيد الدعم والتأييد الدوليين له، في ظل الحرص على وحدانية السلطة وسيادة القانون كما كان يطلب سابقا وكما هو الواجب دائما.ومن الخطورة بمكان أن يجري تحت الضغط الدولي الدفع باتجاه الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية، لأن ذلك سيكون تقويضا لحق العودة. وبالمقابل، لا بد من رفع مطلب الاعتراف الإسرائيلي بحق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير بحرية على أرض وطنه والمتضمن لحقه في العودة حسب منطوق قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3236 لعام  1974 وبحيث  تلاحق إسرائيل مجددا، كما كانت تلاحق سابقا في عضويتها المشروطة في الأمم المتحدة بقبولها لقرارات الشرعية الدولية ذات الشأن كالقرارين 181 و194، بل وأن يجري السعي والنضال الجديين لتفعيل آليات الإلزام الدولية فيما يتعلق بممارسة الشعب الفلسطيني لحقوقه الوطنية المشروعة، مستفيدين من توصيات محكمة لاهاي وقرار الجمعية العامة المتعلق بالجدار. وأن نعزز الحركة الدولية المناهضة للعنصرية والفصل العنصري في ملاحقة إسرائيل كدولة أبارتهايد لا يمكنها أن تعيش وتستمر في عالم اليوم المتحضر وإلا تعرضت  للعزلة والمقاطعة كالتي تعرضت لها جنوب إفريقيا سابقاً.  

لا شك أن صعوبات وعوائق كثيرة تقف حائلا دون ذلك، وأن الأمر يتطلب جهوداً جبارة ليعطي مفاعيله، لكن أيضا مما لاشك فيه أن الموقف الفلسطيني الموحد من شأنه إقناع العالم بأن حل الصراع العربي الإسرائيلي  والوصول إلى المصالحة التاريخية المنشودة لا يمكن الوصول إليه، دون حل عادل وشامل للقضية الفلسطينية، بما فيها قضية اللاجئين، وأن أية حلول جزئية أو أمنية أو من طرف واحد لا يمكنها أن تضمن أمنا أو سلاما أو استقرارا في المنطقة. فإلى أن تحل هذه القضية حلا عادلا وشاملا تقبل به الأجيال اللاحقة، على الفلسطيني أن يحصن ذاته ويعزز صموده على أرض وطنه ويحافظ على وحدته، وأن يبقي على ذاكرته الوطنية حية متقدة على الدوام، وأن يرسخ انتماء الأجيال الشابة، وأن يعزز الفهم القانوني والإنساني لقضية اللاجيء الفلسطيني وينشرها على نطاق واسع، وأن ينشر بصدق وحنكة حكايته عن المسؤولية الأخلاقية والسياسية والقانونية للحركة الصهيونية وإسرائيل عن النكبة واستمرارها، وأن يستكمل تسجيل روايته الشفوية ليمتلك روايته التاريخية القادرة على تظهير الحقيقة وتفنيد رواية الآخر، وأن يصوغ خطابه ويوصل رسالته التحررية والحضارية والإنسانية الى العالم.

_____________________

د. نايف جراد هو محاضر وباحث وكاتب، يحمل شهادة الدكتوراة في العلوم السياسية، له العديد من المؤلفات والابحاث حول القضية الفلسطينية عموماً وقضية اللاجئين خصوصاً.