علــى أمــل العــودة ذات يــوم، ذات نصــر !

علــى أمــل العــودة ذات يــوم، ذات نصــر !

بقلم:الشاعـر والصحفــي زاهــي وهبــي

طفلا ً طري َّ العود ِ والأحلام، نشأتُ على حكايات مثخنة بالوجع والحنين. كانت جارتنا عائشة، سيدة فلسطينية، تهجرت من مدينتها يافا وجاءت إلى جنوب  لبنان برفقة أسرتها. راحت الأيام توطد عرى العلاقة الإنسانية التي جمعت عائشة بوالدتي، ومعها توطدت علاقتي بحكايات عائشة وأخواتها عن فلسطين، وليمون فلسطين، وزيتون فلسطين، وبّيارات فلسطين، وكل ما يمت بصلة إلى ذلك الفردوس المفقود الذي كان يزداد سحرا ً وغواية كلما تباعدت المسافة الزمنية بين الوطن ومواطنيه. 

كانت عائشة فلسطينية بكل معنى الكلمة، شكلا ً ومضمونا ً، تشبه إلى حد بعيد تلك النسوة الفلسطينيات في لوحات إسماعيل شموط، وفي الملصقات التي كانت تعلق على الجدران في ذكرى انطلاقة الثورة، أو تشبه النسوة في روايات غسان كنفاني، لكنها تختلف عنهن بأنها أكثر من حبر، إنها لحم ودم وحنين وذكريات وأمل دائم بالعودة إلى الديار، ذات يوم، ذات نصر.

 

ثمانية وخمسون عاماً مضت على مغادرة عائشة لمدينتها يافا، ثمانية وخمسون عاماً ومفتاح الأمل لا يزال مخبأ داخل َ صدرها. انه قلبها الذي يأخذ شكل خارطة فلسطين، والذي لا يكتفي بضخ الدم إلى الأوردة والشرايين، بل يضخ الأمل بالعودة يوماً إلى الوطن، إنه قلب لا يحيي الجسد وحسب، بل يحيي الروح التي لا تعرف الانكسار ولا الذبول. 

مضت سنون طويلة على حكايات عائشة، باعدت بيننا الأيام، كبر الطفل الذي كنته يوما ً، وعائشة صارت عجوزاً على الأرجح، ربما هي في السويد الآن على ما أسمع، لكني مُتيقّن أنها لا تزال كما هي وكما آلاف العائشات اللواتي يعشن في الشتات ويحملن في صدورهن مفاتيح الأمل بعودة آتية لا محالة. وبأننا سنرجع يوماً، خبّرني العندليب.