مبادرة السلام العربية: ماذا تعني للاجئين الفلسطينيين؟

مبادرة السلام العربية: ماذا تعني للاجئين الفلسطينيين؟

تدعو مبادرة السلام العربية إلى تسوية شاملة للصراع العربي – الإسرائيلي، وهي ذات فحوى مشابه لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 242، الذي يدعو للانسحاب من أراض احتلت عام 1967 وإلى "تسوية عادلة لمشكلة اللاجئين".

 ولكن يوجد اختلافان، وهما: إن مبادرة السلام العربية تذكر التطبيع العربي مع إسرائيل، وتربط ذلك بالانسحاب الكامل، وتشير بالنص أن الأراضي المقصودة في هذه في القضية تشمل هضبة الجولان السورية، كما أنها تحدد إطارا لتسوية عادلة لمسألة اللاجئين. وتطالب مبادرة السلام العربية إسرائيل بأن تقبل بـ"... حل "عادل" لقضية اللاجئين الفلسطينيين يجري "الاتفاق" عليه، وفقا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194."

 وإطار العمل الذي تقترحه المبادرة العربية هو أن القانون الدولي، وبالتحديد قرار الجمعية رقم 194؛ يجب أن يشكل الأساس لحل قضية اللاجئين. وهذا يعني أن مبادئ: العودة الطوعية، واستعادة الممتلكات والتعويض يجب أن توفر إطار العمل للاتفاق مع إسرائيل. أما المحدد الثاني – "الذي سيتم الاتفاق عليه" – فهو دعوة لعملية تفاوضية مع إسرائيل حول تطبيق هذه المبادئ؛ وهذا له مغزى عملي لأن العودة لا يمكن أن تطبق بدون اتفاق مع الدولة المُستقبِلَة. وبكلمات أخرى؛ لا يستطيع اللاجئون العودة لديارهم بدون أن تفتح إسرائيل الحدود أمامهم. ومن أجل أن تكون العودة مستدامة وكريمة؛ يمكن لإسرائيل أن توافق، أو أن تلزم بالموافقة على تزويد اللاجئين بحقوق وفرص معينة بعد دخولهم البلاد، مثل حق الإقامة أو الجنسية، وفرص لتحقيق العيش المستقل. وموافقة إسرائيل على عودة مستدامة وكريمة يمكن فرضها أو الوصول إليها من خلال تدخل دولي أو احتجاجات شعبية، مثلما وقع في مناطق أخرى من العالم. لكن، وفي النهاية؛ لا يمكن أن تحدث عودة اللاجئين بدون قبول إسرائيل. وعلاوة على ذلك، فإن هكذا تسوية لا يمكن أن تجري بأسلوب عادل. ولكن المبادرة العربية للسلام تبقى، وعلى الأقل نظريا، تحتوي على منهجية مبنية على أساس الحقوق، من أجل تسوية قضية اللاجئين الفلسطينيين.

 ومع ذلك، فإن مبادرة السلام العربية يجب أن تقرأ جنبا إلى جنب مع التصريحات العلنية للقادة الفلسطينيين والعرب؛ والأكثر أهمية من بين هذه التصريحات هو ما أوردته صحيفة "نيويورك تايمز" في الثالث من شباط 2002 من تصريحات للرئيس الراحل ياسر عرفات حينها، ونشرتها قبل شهر من تبني الجامعة العربية لمبادرة السلام في بيروت في آذار 2002. فقد ذكر الرئيس السابق لمنظمة التحرير الفلسطينية، الراحل ياسر عرفات:

  "... اننا نبحث عن حل منصف وعادل لمعاناة اللاجئين الفلسطينيين، الذين لم يسمح لهم بالعودة إلى بيوتهم على مدار 54 عاما، ونحن نتفهم القلق الديمغرافي الإسرائيلي، كما نفهم أن حق عودة اللاجئين الفلسطينيين، هذا الحق المكفول بموجب القانون الدولي، وقرار الأمم المتحدة رقم 194؛ يجب أن يتم تنفيذه بطريقة تراعي مثل هذا القلق. وعليه، وتماما مثلما يتوجب علينا نحن الفلسطينيين أن نكون واقعيين فيما يتصل بالرغبات الديمغرافية الإسرائيلية، يجب على الإسرائيليين أيضا، أن يكونوا واقعيين في إدراك أنه لن يكون هناك أي حل للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني إذا ما استمر تجاهل حقوق هؤلاء المدنيين الأبرياء."

 وبصورة مشابهة؛ نقل عن مروان المعشر، وزير الخارجية الأردني الأسبق، قوله أن الحل "المتفق عليه" لقضية اللاجئين الفلسطينيين: يشمل المخاوف "الديمغرافية" الإسرائيلية. وفي الحقيقة، يمكن ترجمة ذلك إلى اتفاقية تفرض "كوتا" لعدد الفلسطينيين العائدين إلى إسرائيل، مثلما اقترح الرئيس محمود عباس في مقابلة مع "عكيفا إلدار" نشرت في صحيفة هآرتس في 14 أيلول 2008، حيث قال: " نحن ننوي إقامة محادثات مع إسرائيل حول عدد اللاجئين الفلسطينيين الذين سوف يعودون إليها، ويتم انتقادي على عدم مطالبتي بعودة جميع الملايين الخمسة، ولكنني أقول أننا سوف نطالب بعودة عدد معقول من اللاجئين إلى إسرائيل...".

 وحتى لو كان على عدد العائدين محدودا، فإن ذلك يبقي الإمكانية للمطالبة باستعادة الممتلكات مفتوحة، وهذا الحق - بموجب القانون الدولي - غير مشروط بتحقق العودة وغير مرتبط بالحصول على الجنسية في البلد الذي توجد فيه هذه الممتلكات. طبعا ان الحديث عن استعادة الممتلكات على هذا النحو متصور في إطار موقف البحث عن حل وسط لحق العودة، أي من خلال توفير حلول دائمة أخرى للاجئين الفلسطينيين خارج إسرائيل – في دولة فلسطينية ذات سيادة، في بلد ثالث أو في الدول المضيفة حاليا. وهذا ما يقرأ في حديث عباس أيضا في مقابلته مع إلدار: "الفلسطينيون الذين لا يعودون لإسرائيل يستطيعون العودة لفلسطين، وإذا ما قرروا البقاء في البلدان التي يعيشون فيها، فإنهم سيتلقون التعويض...".

 وتشير هذه التصريحات إلى التسوية المقصودة في لغة مبادرة السلام العربية؛ من حيث السعي للموازنة بين العدالة الدولية والمصالح الإسرائيلية لإنتاج تسوية سياسية عملية لقضية اللاجئين. بالطبع، ومع الأخذ بعين الاعتبار أن هذه الرؤية مرهونة بإنشاء دولة فلسطينية ذات سيادة، ولديها سلطات  لقبول المنفيين الذين يختارون العيش فيها أو المطالبة بجنسيتها، دولة لها حدود إقليمية وموارد قادرة على القيام باستيعاب السكان القادمين؛ تظل هذه الرؤية مجردة بشكل كبير، وغير قابلة للتطبيق في الوقت الحالي. يضاف إلى ذلك، ان عدم تطوير الصياغة السياسية لمبادرة السلام العربية من خلال استشارة اللاجئين؛ يدفع للتساؤل عما إذا كانت هذه المنهجية مقبولة أم لا، وبالتالي، التساؤل عن إمكانية تطبيق المبادرة. وعليه فان أية اتفاقيات تطبيقية للمبادرة العربية لا تراعي الحقائق الموجودة على أرض الواقع  يمكن أن تؤدي، حتى وان لم يقصد ذلك، إلى توطين إجباري، أو ترحيل قسري للاجئين.

-------------------------------

ليلى هلال: مستشار مستقل.