بتدميــر الحلــم الفلسطينــي!

بتدميــر الحلــم الفلسطينــي!

بقلم:الفنانــة ريــم بنّــا

نكبة فلسطين ليست مجرد حدث من الماضي، بل هي الحاضر بعينه. أنا لن أكتب كثيراً عن نكبة فلسطين في العام 1948، ولا عن الجرح الفلسطيني الذي لن يندمل، ولن أكتب عن النزوح والتشرّد، ولا رائحة الموت والذكريات الأليمة.

حاجز قلنديا شتاء 2003.

الجو بارد، والسماء على وشك أن تنزل غضبها على الأرض.

حاجز قلنديا البائس والمليء بمئات الفلسطينيين الذين يعبرونه لقضاء حاجاتهم اليومية. حاجز يجعل الإنسان الفلسطيني عاجز عن أدنى حقوقه الإنسانية في التحرك والعمل لتدبير لقمة العيش له ولأطفاله.

في هذا اليوم الشتائي، سافرت مع زوجي وأطفالي إلى القدس ومنها إلى رام الله، لتقديم مجموعة من العروض الفنيّة للأطفال في المخيمات الفلسطينّية للاجئين هناك، علّنا بذلك نخفف من وطأة الخوف عليهم جرّاء القصف الإسرائيلي المتواصل على رام الله والمدن والقرى الفلسطينيّة الأخر.

وصلنا إلى الحاجز الذي كانت حركة العبور فيه تكاد تكون معدومة. جنود مدججون بأحدث أنواع الأسلحة أمريكيّة الصنع. طوابير من البشر تنتظر رحمة السماء.

كانت النساء الفلسطينيات يحملن أطفالهنّ الرضع، بينما يتشبث الأولاد الأكبر سناً بأطراف أثوابهنّ الفلسطينية المطرزة بألوان الجنّة والنار، كأنهم يحتمون بها من الآتي المجهول.

كانت وجوه العمال الفلسطينيين المتعبة من شدة الانتظار والسفر بين المدن والقرى بسبب الإغلاق والحواجز، والنساء الحوامل اللواتي تنتظرن لساعات وساعات في طابور لا نرى نهاية له.  

برودة الجو ومشاهد العذاب اليومية ومعاناة الناس، لم تثن الجنود وتجعلهم يخففون الإجراءات المشددة وغير الإنسانية المفروضة على الفلسطينيين.

لم تمهلنا السماء، فأمطرت. بدا المكان مشوهاً أكثر مما كان عليه. كان زوجي ليونيد يحمل القيثارة بيد وبالأخرى حقيبة، وأنا أحمل ابننا أورسالم، أما ابنتنا بيلسان ابنة العاشرة، فهي الأخرى اضطرّت أن تحمل أختها قمُران (أورسالم وقُمران توأمان لم يتجاوزا السنة في ذلك الوقت).

لم نتوقع أن يطول انتظارنا إلى هذا الحد. وفيما أنا أراقب المشهد، عذاب الناس، غضب السماء، النساء الحوامل، نفاذ صبر الأطفال، صورة بيلسان وهي تحمل أختها الصغيرة وتسير ببطء مع العابرين، محاولة تحمل عناء فوق طاقتها دون تذمر. قرأت في عينيها، أنها تكابر على نفسها حتى لا تثقل علينا أكثر مما نحن عليه.

وبلحظة حملتني هذه المشاهد على أجنحتها المشرعة، إلى عام نكبة فلسطين، صور ما زالت معلقة على جدران الذاكرة، النزوح والشتات، عيون اللاجئين التي تنزف حزناً ودماً، قلوبهم التي ما زالت تنبض بأمل العودة، مشاهد حقول القمح والبساتين التي لا زالت تنتظر عودة أصحابها. البيوت المهجرة والحواكير التي لم تعد مسيجة بالفل والياسمين، صور التلال التي لم تعد تعبق برائحة الميرمية، الزوفا، الخزامى والزعتر، بعد أن جرفتها بلدوزرات الاحتلال الإسرائيلي لبناء المستوطنات عليها، مشهد أم فلسطينية لا زالت ترنو للعودة إلى عتبة دارها: 

"أمسى المسا يا غريب

وتقفّلت البواب

صار الغريب يلتجي

من باب لباب

 

سافر وخذني معك

بفطر على الدُقه

بصبر على الجوع

ما بصبر على الفُرقة"

 

"يا ليل ما أطولك

مشيتني حافية

ميزان ما أثقلك

هديتلي كتافي

 

صبرت صبر الخشب تحت المناشيري

صبرت لنّو استوى لحم العصافيري

وحياتك تكبر وتجبر والرب يعطيني

جبره قوية يا يمّه وتكيد عدويني ... يا ابني" 

وما زالت النكبة مستمرة...

نكبة فلسطين في العام 2006 هي استمرارية لنكبة فلسطين في العام 1948، حيث أظهرت إسرائيل على مر التاريخ، وجهها المشوه لكنه الحقيقي، بكل مظاهر عنف الاحتلال من قتل المدنيين الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، تجريف الأراضي، تدمير البيوت الفلسطينية على رؤوس أصحابها، مصادرة الأراضي، قلع أشجار الزيتون المباركة، القصف المتواصل على القرى والمدن الفلسطينية، بناء الجدار العازل، الاغتيالات، الاعتقالات، متاريس وحواجز عسكرية، حصار وتجويع، انتهاكات لا نهاية لها لحقوق الإنسان الفلسطيني. كل هذا لم ينجح بتدمير الحلم الفلسطيني بالأمل الآتي لا محال، ولا بإطفاء شعلة حقنا بالمقاومة لأننا نستحق الحياة.