نتوارثها جيلا بعد جيل

نتوارثها جيلا بعد جيل

"يجب أن نفعل كل ما بوسعنا لنضمن أنهم (الفلسطينيون) لن يعودوا...سيموت الكبار وسينسى الصغار" هكذا قال دافيد بنغوريون مؤسس دولة إسرائيل عام 1949.  لم ينسى الصغار. فهم اليوم القائمون على الاحتفالات الشعبية والاجتماعات الحاشدة والمسيرات ومظاهرات العودة والذكرى. الفلسطينيون الشبان في كافة أرجاء العالم يحيون ذكرى النكبة الثامنة والخمسين ليستذكروا كارثة 1948 تلك اللحظة التي ترمز لدمار فلسطين والمجتمع الفلسطيني والتهجير والتشتيت العنيفين اللذين حلاّ بالشعب الفلسطيني. حلّة كاملة من المناسبات تجري في مخيمات اللاجئين وفي ساحة مدينة رام الله وفي كافة أرجاء فلسطين المحتلة وكذلك في ساحات جامعات أوروبا وأمريكا وكندا، في المنافي وفي تجمعات اللاجئين في كافة زوايا العالم: أمسيات وشهادات مصورة ومحاضرات ومعارض وذكر أسماء أكثر من 400 قرية مدمرة في الكنائس المحلية وقراءات شعرية على ضوء الشموع ورحلات منظمة إلى تلك القرى يقوم عليها الفلسطينيين الذين ما زالوا يعيشون في ما أصبح يسمى دولة إسرائيل منذ أيار 1948، وعلى مدى الأسبوعين الماضيين اجتمع مواطنين إسرائيليين – عربا ويهودا – معا في مسيرات يومية تقريبا واجتماعات حاشدة وزيارات للقرى المدمرة على متن حافلة زوخروت رقم 194، (الذي سمي باسم قرار الأمم المتحدة الصادر عام 1949 والذي يدعوا إلى عودة الفلسطينيين المنفيين إلى ديارهم)

  وفي الاجتماع الجماهيري في موقع قرية أم الزينات كان سليم الفاهوم البالغ من العمر الآن خمسة وستين سنة طالبا في المدرسة الابتدائية، عندما دخل الجنود إلى القرية قبل ثمانية وخمسين سنة لطردهم منها. قال سليم لصحفي إسرائيلي، "إن حضور الفتية من الجيل الثالث والرابع بعد الانتفاضة يعطيني إحساسا بالراحة لأنني بهذا أعرف أن الشعلة لم تنطفئ وإنما تنتقل من جيل إلى جيل".

 

في جامعة لندن بالأمس، 7 أيار 2006، كان هنالك ندوة نظمها طلبة فلسطينيون. أما في جامعة أوكسفورد فيقوم الطلاب العرب والبريطانيين بتنظيم فعاليات إحياء ذكرى النكبة. وقد أحيى الشبان والنشطاء الفلسطينيين ذكرى النكبة في جامعة بيرمينغهام وجامعات بريطانية أخرى. يتكرر ذات الشيء في كافة أرجاء العالم حيث ينتشر أكثر من سبعة ملايين لاجئ فلسطيني. وبخلاف المناسبات الرسمية التي تقامي من قبل دول قائمة، من أجل بناء هويتها القومية فإن لحظات النكبة هذه تتميز بطابع حيوي فريد. فقد قامت معظم الشعوب بمأسسة مآسيها القومية في أحداث تذكارية حكومية وذلك كوسيلة لتكريم أبطالهم المتوفين. ولكن تلعب هذه الأحداث دورا مختلفا تماما في حياة الفلسطينيين اليوم. ببساطة ليست غياب الدولة ذات السيادة عن تنظيم المظاهرات الرسمية لإحياء الذكرى هو الذي يجعلها كذلك (مع أن هذا جزءا من القصة). ولا يكمن طابعها الفريد في حقيقة أنها محركا للهوية ، يبرز بشكل كامل من القاعدة الجماهيرية وتحركه الأجيال الشابة من النشطاء السياسيين الفلسطينيين (مع أنها مميزة من هذا الجانب). كلا هذين العاملين يشيران إلى ميزة موحدة: بخلاف البيانات الاجتماعية والثقافية الأخرى للهوية القومية، هذا التأكيد بعينه والطريقة التي يرتبط الإنسان بها هو أمر سياسيّ متجذر. 

لماذا يتميز تذكّر النكبة حديث النشوء بكونه يقوم على أساس سياسيّ من حيث بنائه؟ إنه كذلك لأن الفعل الذي يؤديه يرتبط بشكل حميميّ بحقيقة المقاومة أكثر من كونه يبحث عن احتواء ذكريات الماضي المجيدة أو المأساوية. وكما تعلن أحدى مخطوطات الحائط الضخمة الكائنة على جدار الفصل: "أن تكون موجودا يعني أن تقاوم". تميز هذا المشروع المعادي للفلسطينيين الذي بدأ في مطلع القرن الماضي بأن له طبيعة مزدوجة: أولا، إنكار مفهوم فلسطين كليا وتدمير مؤسساتها السياسية والاجتماعية. وثانيا، تبديد الروح الجماعية للشعب الفلسطيني وذلك لكي ينسوا هويتهم الجماعية حالما يتشتتون بعيدا عن فلسطين، ولذا فإن إحياء ذكرى النكبة ليس مجرد محاولة لمأسسة جرح تاريخي قومي أو وسيلة لندب الخسارة التي عاشها جيل 1948، أو جراء الخوف من أن تصبح تلك الذكرى باهتة عندما يموت ذلك الجيل. وبدلا من ذلك وبسبب قسوة وحيوية طبيعة الكارثة – لأنها تجربة فلسطينية يومية متواصلة – فإن المحاولات الراهنة التي ترمي إلى تحطيم صفة الجماعية الفلسطينية تربط اليوم هذا الجيل بالجيل الذي سبقه. وتربط المنافي بالجسم الفلسطيني السياسي. وبكل تأكيد فقد شهدت السنوات القليلة الماضية مرحلة من التسارع العنيف لعملية محاولة التدمير- ولذا فإن عنوان إحياء ذكرى النكبة لهذه السنة "النكبة تتواصل". 

هذا الحدث التاريخي الوحيد في مرحلة أواخر الأربعينات – الإبعاد القسري  الجماعي لشعب وما يفوق عن الخمسين مجزرة التي نفذت بأيدي قوى يهودية مسلحة مختلفة، كوسيلة لدفع الآخرين الذين كانوا عازمين على البقاء للمغادرة والإزالة المادية للقرى بعد حدوث الطرد لضمان عدم تمكن اللاجئين من الرجوع، "كل هذه الأحداث يجري تذكارها اليوم" ويمكن استشعارها مرة أخرى من خلال رسم السياسات الراهنة وممارسات دولة إسرائيل. فبناء الجدران على جانبي نقاط التفتيش التي تفصل أجزاء فلسطين المحتلة عن بعضها، والطرق المختلفة التي أنشأت لليهود والعرب على الأرض العربية، والجدار الإسمنتي الهائل الذي يقتطع مساحات من الأرض الفلسطينية ويخنق مدنا بأكملها محولا إياها إلى مدن أشباح, والجرّافات المصممة خصيصا لتمزيق البيارات الفلسطينية ومروج الزيتون بشكل يوميّ، وتهدم مئات البيوت، وسحب إسرائيل لبطاقات الهوية من فلسطينيي القدس، وحبس الآلاف من السجناء الفلسطينيين. إن قناعة الفلسطينيين بالصمود يعني بالنسبة لأولئك الموجودين على أرض الوطن: المثابرة، ورفض التخلي عن النضال من أجل عودة أولئك الذين يعيشون في المنافي قد برزت بقوة لم يسبق لها مثيل. 

تقوم المقاومة على مستويين لأن النكبة قامت ومازالت قائمة حتى اليوم على كليهما. الأول: هو الجهد المادي الفلسطيني المبذول لمقاومة المحاولات الإسرائيلية الرامية إلى مصادرة الأرض وحرمانهم منها والسيطرة عليها فعليا والتخلص من سكانها وجعلها تحت السيطرة العسكرية وممارسة الحرمان القانوني ضد أولئك الذين لم يستطيعوا التخلص منهم. بينما يكمن الثاني في تأكيد الفلسطينيين على وجود هويتهم في وجه الجهود الأساسية المنظمة الرامية إلى تجزئة ودثر تلك الهوية وذلك تحايلا على ذاكرة الفلسطينيين. الأمر الجدير بالاهتمام هو، بالرغم من استخدام إسرائيل العنيف للأسلوب الأول، فقد تلقي الأسلوب الثاني فشلا تاما: فالهوية الفلسطينية في عام 2006 أقوى من أي وقت مضى.إن الظروف غير الإنسانية للمنافي الفلسطينية والتي هدفها تفتيت التجربة الجماعية إلى تجارب فردية، تبدوا وكأنها قد قوّت ذلك الوعي الجماعي بدلا من إضعافه. هنالك تجدد هائل يحدث على نطاق واسع . الخطوات الأولى التي اتخذت لصياغة برنامج سياسي مشترك قادر على توحيد الفلسطينيين في كل مكان، كردة فعل على التجزئة التي سادت العقد الماضي أثناء فترة الانقطاع التام بين الداخل والخارج. المطلب المشترك الذي صاغته حركة التحرر في الستينات والسبعينات كان وثيق الصلة أيضا بالمنفى واللاجئين. فقد أطلقت حركة التحرر الوطني برنامجا سياسيا في المنفى قائم على أساس العودة والتحرير وقد عكس مشاعر الشعب الفلسطيني سواء في الداخل أو في الخارج بشكل موحد. 

تبدو أزمة الاحتلال واضحة أكثر من أي وقت ولكن أزمة اللجوء لها ما يميزها حيث تواصل خلق تجربتها من أجل الفلسطينيين وتواصل تراكم خبراتها. معظم الشبان الفلسطينيين اليوم لا يعيشون تحت الاحتلال العسكري في الضفة الغربية وقطاع غزة ولكنهم يعيشون في المناطق المجاورة لحدود فلسطين التاريخية في الدول العربية فهم بلا دولة وبلا هوية وبلا عمل وبلا حماية قانونية دولية كما اللاجئين من الدول الأخرى. فالفلسطينيون في العالم العربي يعيشون ظروفا في غاية الصعوبة والتعقيد. الصعوبة الكبرى التي تواجه التنظيم الجماعي هي عدم القدرة على التواصل بشكل قانوني ومعلن. سواء بداخل الدول المضيفة أو عبر حدودها بهدف التفاعل العلني والجماعي (يعاني الأشخاص من ذوي التاريخ الحافل بالممارسات الديمقراطية من صعوبات خاصة) الأمر الأكثر صعوبة على المستوى الأساسي هو النضال بقسوة من أجل أي شكل من أشكال الحياة. والحصول على إذن للعمل أو السفر أو تسجيل الأولاد في المدارس المحلية أو الحصول على الخدمات الصحية الأساسية أو إذن بدفن الموتى أو شهادة ميلاد أو عقد زواج.

 الملايين من اللاجئين الفلسطينيين في المنافي يعيشون في مناف عربية أوروبية أو كندية أو أمريكية. هذا الجيل الشاب يتميز بصفات موحدة أينما كان، صنعتها ظروف المنافي الصعبة ثم عممت من خلال الأدبيات المزدحمة بالذكريات وتغمرها أسماء الأمكنة والأغاني الوطنية القديمة وصور الأقارب الغائبين تماما والصلات الأسرية والأشياء الخاصة، وفوق كل شئ مفتاح صدئ للباب الأمامي للبيت المفقود الذي لم أره . أو كما قال الفيلسوف وعالم الاجتماع الفرنسي موريس هولبكسك "أن الذاكرة الإنسانية يمكنها أن تكون فاعلة فقط في إطار جماعي" وذلك في كتابه "الذاكرة الجماعية" والذي نشر بعنوان "Memoire et societe" عام 1949، وذلك بعد أربع سنوات على إعدامه في باكنوولد. كان "هولبكسك" أول من أدرك أن الذاكرة نفسها ليست فردية أبدا ولكنها دائما مشاركة جماعية بشكل كامل.

وخلال العام 2005 ساعد النشطاء السياسيين الفلسطينيين من الشباب بتنظيم ما يفوق المائة اجتماع في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين وتجمعات المنافي في أكثر من 28 دولة وذلك لكي يجمعوا بين الفلسطينيين لبحث ما الذي يجب فعله في المستقبل. الأمر الأكثر إثارة للدهشة هو مشاهدة هذا الجيل وهو يحاول تقليد شئ لم يعهدوه بصورة مباشرة من قبل وذلك لأنه أمر لم يتم الحديث عنه، ولم يكتب بعد: ألا وهو التاريخ السري لعمل المنظمات السرية، وأفعال الجيل الأول من الثوار الفلسطينيين. محاولة الشبان هذه ما هي إلا صدى لنفس الأفعال ونفس الروح ونفس النزعات الداخلية. وفي خضم مشروع استرجاع الماضي الفلسطيني المتعلق بالنكبة، يستعيد الجيل الناشيء في الوقت ذاته تاريخا آخر لهم. معرفتهم المباشرة به بسيطة ألا وهي القصص التي مازالت مبعثرة، حول الجيل السابق من المقاتلين والذين عملوا أيضا في روابط وأحزاب ومجموعات بروح جماعية مشابهة وبحنين مساو. ومع أن كافة الاجتماعات قد نظمت محليا إلا أن محتويات الاجتماعات في أمكنة بعيدة عن بعضها كأستراليا والعراق ومصر والسويد ولبنان وكندا والعربية السعودية واليونان ثبت أنها حوارات متشابهة في محاورها. وبمعجزة الإرادة الجماعية فقد انتهى الأمر بالفلسطينيين الوافدين على مختلف الرحلات بطريقة ما إلى نفس المكان وبنفس الوقت. 

_______________________

د. كرمة النابلسي هي أستاذة جامعية في كلية نوفيلد في جامعة أكسفورد، وهي منسقة مشروع كيفيتاس. شغلت النابلسي مناصب عديدة في مؤسسات ودوائر مختلفة في منظمة التحرير الفلسطينية حتى بداية التسعينيات.