تداعيـات النكبــة علــى أوضـاع الفلسطينييــن فــي إسرائيــل

تداعيـات النكبــة علــى أوضـاع الفلسطينييــن فــي إسرائيــل

 إن أهم ما يميز النكبة عن غيرها من الأحداث التي عصفت بالفلسطينيين وحركتهم الوطنية هو في كونها شاملة ومستمرة. شاملة من حيث عمق ما نتج عنها من ضرب الفلسطينيين وجوانب حياتهم المختلفة بحيث لم يترك أي مجال أو جانب من جوانب حياتهم من غير أن يتضرر مما حدث؛ ومستمرة بما يتعلق بحقيقة أن ما حدث خلال النكبة من خراب واحتلال وهدم وإجلاء ومظاهر أخرى، كلها لا زالت مستمرة ومؤثرة يومياً على حياة الفلسطينيين وعلاقتهم بإسرائيل. بل وأكثر من ذلك، فإن الأحداث التي تواكب الفلسطينيين عامة، بما في ذلك مواطني اسرائيل خاصة، هي بالاساس نتيجة لعلاقتهم بإسرائيل والتي أقيمت على خلفية النكبة وكأحد أهم نتائجها. 

يمكن الإدعاء أساسا وبشكل بديهي تقريبا، بأن مشروع الصهيونية هو مشروع شامل أطبق على كل مناحي الحياة الفلسطينية، بحيث عرض وطبق كمشروع بديل وشامل لكل الوضع الفلسطيني. بني وخطط له لكي يستبدل الوجود الفلسطيني السياسي والمادي بدولة يهودية ذات أغلبية ديمغرافية يهودية وتم تنفيذه من خلال قرارات وخطوات عينية نفذت ضد الوجود الفلسطيني، في المدينة والقرية والتجمعات البدوية.

 

بالمقابل، أدت النكبة الى تخريب البنى الأساسية للمجتمع الفلسطيني بحيث تم الإجهاز على كل البنى السياسية من أحزاب ومؤسسات وقيادات، والبنى الثقافية مثل النوادي والمسارح والجرائد والمجلات، والمبنى الاجتماعي المتأصل في المجتمع الفلسطيني والمستحدث بالأساس في المدن الفلسطينية والمرافق الاقتصادية التقليدية والجديدة. 

وتعتبر أوضاع الفلسطينيين في إسرائيل بعد النكبة وحتى الآن أوضاعا غير طبيعية، من حيث تحطمت البنى الإجتماعية والسياسية والاقتصادية، واستبدلت بواقع جديد محكوم من قبل إسرائيل ومؤسستها العسكرية والسياسية والأمنية، بحيث تم استحداث نظام سيطرة مركب نفذ من خلال الحكم العسكري بالاضافة الى مؤسسات علنية ومخفية أخرى. 

ما نعايشه اليوم، هو بالأساس نتاج النكبة وحيثياتها، وبالأساس هو إستمرار للمركبات التي نتجت عن النكبة وأهمها الوجود المادي من جهة،  في إسرائيل كدولة يهودية- صهيونية تطبق سياسات وتكتيكات سياسية تنبع من إلتزامها تجاه المبنى السياسي الذي يحمل ملامح النظام المبني على أساس التفوق العرقي، ومن الجهة الأخرى الانقطاع المادي والنفسي والوطني العام عن باقي قطاعات الشعب الفلسطيني وبالأساس عن المركز السياسي الذي أخذ يتشكل في المنفى خارج فلسطين.

على مستوى العلاقة مع إسرائيل، فقد أقدمت إسرائيل على إتباع وسائل مركبة للسيطرة على الفلسطينيين من مواطنيها والحاقهم كهامشيين في دوائر حياتها المختلفة وبالأساس لأجل إبعادهم، عملياً واجتماعياً وحتى نفسيا،ً عن إخوتهم الفلسطينيين خارج حدود إسرائيل. وتعمدت إسرائيل في التطبيق برسم عدد من السياسات منها:

أ - قطع صلة الهوية بين الفلسطينيين في اسرائيل وباقي اجزاء الشعب الفلسطيني والأمتين العربية والاسلامية وبناء مجموعة جديدة "عربية اسرائيلية".

ب – منع الفلسطينيين في اسرائيل من التواصل المادي والمعنوي مع إخوتهم في الضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزه، وخصوصا فيما يخص الأماكن المقدسة والتي تمثل رمزا روحيا جامعا للفلسطينين وللعرب وللمسلمين.

جـ – منع تنظيم الفلسطينيين في اسرائيل خارج ما تريده الأكثرية والدولة من حيث التنظيم البرلماني، والتدخل لمنع اية امكانية جدية وملهمة لنسبة كبيرة من الفلسطينيين في اسرائيل خارج التنظيم المعني بالانتخابات البرلمانية وخصوصا اذا كان هذا التنظيم شعبي ويحظى بدعم جدي من قبل الفلسطينيين في اسرائيل.

د – ضرب اية قيادة جدية تحاول تنظيم الفلسطينيين في اسرائيل او تبني لهم رؤيا مناهضة للتسليم بوضع الاقلية في الدولة اليهودية والتي ترضى في نهاية المطاف بالسيطرة اليهودية على الدولة ومقدراتها.

هـ – اجبار الفلسطينيين في اسرائيل على القبول بكون موارد الدولة توزع حسب المفتاح الاثني وليس حسب المواطنة حتى يتسنى للدولة الحفاظ على التفوق اليهودي والدونية العربية. 

وقد نجحت إسرائيل في إنجاز بعض من مراميها رغم أنه من الواضح بأن جزءاً مما أرادت لم يتحقق لها بفضل مجموعة من العوامل، التي لا يحتمل هذا المقال الخوض فيها. 

على مستوى الوضع الداخلي للمجتمع الفلسطيني، من الواضح تماماً بأن آثار النكبة نتيجة للتغيرات الإجتماعية والديموغرافية الجمة التي مر بها الفلسطينيون عموماً كانت ولا زالت حاضرة في الواقع الفلسطيني في اسرائيل، وأهمها وضع المتاهة الاجتماعية التي نشأت بعد هدم البنى الإجتماعية قبل النكبة وحالة التفكك الوطني التي رافقت ذلك وخصوصاً على مستوى العلاقات بين الطوائف والعائلية وحتى على مستوى العلاقة الوطنية بين سكان الجليل والمثلث والنقب. 

إن غياب قيادة وطنية نتيجة للنكبة لا زال يواكب حياة الفلسطينيين في اسرائيل حتى اليوم، وخصوصاً على ضوء سعي السلطة لمنع انتخاب قيادة وطنية جماعية للفلسطينيين في اسرائيل. فمنذ الخمسينات والستينات، حظر الحكم العسكري على الفلسطينيين في اسرائيل انتخاب ممثليهم بحرية ولا زال هذا الوضع مسيطراً حتى اليوم. ورغم أن هذا الوضع تغير قليلاً بعد إقامة لجنة المتابعة العليا لشؤون المواطنين العرب، حيث قادت هذه اللجنة الجهود السياسية للعرب ابتداء من السبعينات، وبلغ نشاطها ذروته في الثمانينيات من القرن الماضي، عند اعلان إضراب "يوم المساواة"، واضراب "يوم السلام". لقد رمى الإضراب الأول الى التعبير عن الإجماع الوطني العربي فيما يتعلق بمساواة مكانة العرب في اسرائيل. أما الإضراب الثاني فكان هدفه الإعراب عن الدعم العربي العام لإقامة دولة فلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة. 

منذ ذلك الوقت، تداعت مكانة لجنة المتابعة بالتدريج، وفقدت الكثير من مساندة الجمهور العربي الفلسطيني، وذلك بسبب انعدام نجاعتها الداخلية وصراع القوى بين مختلف الفئات الأيديولوجية الممثلة فيها. ولم تقم لجنة المتابعة بأي دور ذو أهمية في تسعينيات القرن الماضي، ونحتها مؤسسات الدولة جانبا. وكانت إحدى الصعوبات الجوهرية في عمل اللجنة في كون الجمهور العربي الفلسطيني لم ينتخبها ديمقراطيا كي تمثله على المستوى الوطني. ويعتمد عمودها الفقري على رؤساء السلطات المحلية العرب، الذين يتم انتخابهم بانتخابات محلية التي تعتمد في أغلب الأحيان على الروابط العائلية والدينية، وإن كانت تجري بطريقة ديمقراطية. 

كما أن الدولة عمدت الى منع حدوث تطور إقتصادي مؤثر في المجتمع الفلسطيني وبشكل متعمد كي يبقى الفلسطينيون تابعون للأكثرية في مصادر رزقهم، إذ فقد هذا المجتمع الأسس الزراعية نتيجة سلسلة من مصادرات الاراضي التي نقلت الى الوسط اليهودي. إضافة الى أن إسرائيل لم تشجع أو تبادر الى تطوير بنية صناعية في الوسط العربي. نتيجة لذلك، يسافر الكثيرون من العمال العرب يوميا للعمل في المدن اليهودية. وتدل البحوث التي أجريت في الأعوام الأخيرة فيما يتعلق بالتطور الاقتصادي على وجود تقدم ما في هذا الشأن، الا إن الهوة العميقة بين الوسطين آخذة في التوسع. إن اسباب المشكلة الاقتصادية والتي يغذي الواحد منها الآخر هي غياب بنية اقتصادية داخلية والاعتماد المطلق على الوسط اليهودي الناجم عن هذا الغياب. 

كما وجد الفلسطينيون داخل إسرائيل أنفسهم في أعقال نكبة العام 1948 منعزلين رغم أنفهم عن الثقافة الفلسطينية وعن العالم العربي. وأدت الحرب كذلك الى هدم تام لمراكزهم المدنية، وللطبقة الوسطى والنخبة التي كان في قدرتها مواصلة تنمية الثقافة العربية الفلسطينية. لقد ظل السكان العرب تحت هذه الظروف بلا بنية تحتية قادرة على تنمية واستحداث ثقافة عربية، وبلا قنوات تصلهم بالثقافة العربية الام. وقد فتحت الطريق الاولى على العالم العربي بعد الهزيمة العربية أمام اسرائيل في العام 1967، لكن على الرغم من ذلك فإن الثقافة الفلسطينية التي كانت تسودها شعارات مقاومة ومحاربة اسرائيل ظلت محظورة. وعندما فتحت، بمرور الزمن، قنوات على العالم العربي كانت الثقافة هناك تعاني أزمة ثقافية مصيرية. لقد قدمت إسرائيل في مقابل ذلك مؤسسات ونشاطات ثقافية، لكن بما أن هذه المؤسسات تسودها شعارات يهودية – صهيونية، ظل للعرب إمكان تبني القشور الخارجية للثقافة الاسرائيلية الغربية من دون صلة بجذورهم الاصلية الخاصة بهم. 

إضف الى ذلك، أن وضعية الفلسطينيين في اسرائيل كجزء من الشعب الفلسطيني تشكلت على ضوء اقصاء من الحركة الوطنية الفلسطينية نتيجة لما كان من آثار النكبة من حيث بقائهم في وطنهم بينما سعى الشعب الفلسطيني في المنفى وفي الضفة وقطاع غزة الى نسج مباني المؤسسة الوطنية والمشروع السياسي الفلسطيني في الأراضي التي احتلتها اسرائيل في العام 1967، بينما في الواقع بدأت قضية الفلسطينيين في اسرائيل بعد قيام دولة اسرائيل وهي جزء لا يتجزأ من القضية الفلسطينية بمفهومها الواسع. 

لم تر الحركة الوطنية الفلسطينية في هموم الفلسطينيين في إسرائيل الوطنية موضوعا رئيسيا على جدول الاعمال الوطني. وتعاملت اسرائيل دائما مع كل وضعية للفلسطينيين فيها على انها مسألة اسرائيلية داخلية، وحذت حذوها  منظمة التحرير الفلسطينية التي لم تطرح قضايا تتعلق بالفلسطينيين في اسرائيل على طاولة المفاوضات مع اسرائيل. من جهتهم، لم يمارس المواطنون الفلسطينيون في اسرائيل ضغطا من اجل السير في هذا الاتجاه، ربما لأنهم أدركوا أن أية خطوة في مثل هذه الحساسية  قد تؤدي الى تعطيل العملية السلمية برمتها ومس علاقاتهم بالدولة. 

لقد كانت منظومة العلاقات بين الفلسطينيين في إسرائيل وبين الشعب الفلسطيني ومؤسساته دائما ذات حساسية فائقة بالنسبة إليهم كأفراد وكمجموعة. وإذا أخذنا بعين الاعتبار تاريخ العداء بين الحركة الصهيونية والحركة الوطنية الفلسطينية وجدنا أن الهوية الفلسطينية للفلسطينيين في إسرائيل كانت دوما مصدر تهديد بالنسبة الى السلطات وإلى الجمهور اليهودي الواسع في إسرائيل. وبما أن منظمة التحرير الفلسطينية إعتبرت "تنظيما ارهابيا" من قبل إسرائيل حتى عقد التسعينيات فإن كل صلة بينها وبين مواطني اسرائيل كانت تعتبر مخالفة للقانون. 

تتمثل الضائقة، على  صعيد العلاقات بين منظمة التحرير الفلسطينية والفلسطينيين في إسرائيل، في الفجوة بين الوعي الذاتي لكونهم فلسطينيين وبين الانتماء الى الشعب الفلسطيني بقيادة منظمة التحرير وعلى الرغم من أن المنظمة تعتبر لدى الشعب الفلسطيني، بما في ذلك مواطني اسرائيل، الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، فإنه لم يزعم أحد، لا منظمة التحرير ولا الفلسطينيون في إسرائيل، أن المنظمة تمثلهم أيضا. لذلك لم تكتمل قط صيغة الاستنتاج القياسي : (أ) منظمة التحرير الفلسطينية هي الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني. (ب) الفلسطينيون في اسرائيل جزء لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني. (ج) وبالتالي فإن منظمة التحرير الفلسطنيية تمثل الفلسطينيين في اسرائيل. وبعد أن بدأت اسرائيل المفاوضات العلنية مع  منظمة التحرير برزت من جديد مسألة العلاقات بين الفلسطينيين في إسرائيل والحركة الوطنية الفلسطينية كأمر مركب أكثر مما كان متوقعا. 

إن الاتفاق الضمني بين الاطراف: منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل والفلسطينيين في إسرائيل، حوّل هذه المجموعة ومشكلاتها الى جزء خاف عن العيان على الصعيد الفلسطيني. وأصبح من الواضح تماما للعرب الفلسطينيين في إسرائيل أن مشكلاتهم مع الدولة هي مشكلات خاصة بالعرب كأقلية وتتعلق بهم فقط. ومع مرور الوقت، إتضح للعرب الفلسطينيين في إسرائيل أنه لا يوجد أمامهم أي امكانية عملية لأن يكونوا جزءا من الحركة الوطنية الفلسطينية في الظروف الراهنة، على أساس من المساواة مع الفئات الفلسطينية الأخرى. لقد تطور مركز الحركة الوطنية الفلسطينية في الشتات، ثم في الضفة الغربية وفي قطاع غزة، حيث أنشىء وطور مختلف المؤسسات التابعة لهذه الحركة، أما الفلسطينيون في إسرائيل فقد كانوا على هامش هذه التطورات. 

إن السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وفي قطاع غزة تشكل عمليا  قيادة الكيان السياسي في الضفة والقطاع، وهناك في حدود السلطة الفلسطينية، نشأ المركز السياسي للفلسطينيين، كما ستواصل الحركة الوطنية تطورها وإنشاء مؤسساتها في هذا الاطار. وحيال ذلك، ستشتد أزمة الفلسطينيين في إسرائيل، إذ لن يتمكنوا من أن يصبحوا جزءا من هذا المركز، أو شركاء في إقامة المؤسسات الوطنية. وقد يصح الافتراض أن الحركة الوطنية الفلسطينية ومركز الكيان الفلسطيني لن يشاءا، هما أيضا، استيعاب الفلسطينيين في اسرائيل كشركاء متساوين في الحركة الوطنية الفلسطينية، حتى لو لم يكن ذلك إلا خشية تعقيد العلاقات بين هذا الكيان ودولة اسرائيل، علما بأن كلا من الأغلبية اليهودية ومؤسسات الدولة ستعارض مثل هذه الخطوة. وسيواصل الفلسطينيون في إسرائيل، إذا، العيش في فلسطين التاريخية، وسيبقون على هامش التطورات الفلسطينية المركزية، ولن يكون لهم مناص في هذه الظروف الا إعادة صوغ هويتهم كفلسطينيين كي يتمكنوا من التغلب على هذه الضائقة.

إن الأحداث التي تعصف بالحركة الوطنية حالياً والمتزامنة مع الذكرى الثامنة والخمسين للنكبة والتي لا زالت آثارها تلازمنا في كل نواحي الحياة، هي مناسبة لإعادة التفكير في الآثار التي قبلنا بوجودها في حياتنا كأثر من النكبة، لكننا نستطيع أن نغير بعضها ولو جزئياً. على سبيل المثال، نستطيع نحن الفلسطينيون في إسرائيل الخروج من هامش العمل السياسي في إسرائيل الى عمل سياسي مبادر يحضّر لتغيير أساسي في أسس العلاقة بيننا وبين الدولة الاسرائيلية من جهة، وبيننا وبين الحركة الوطنية الفلسطينية من الجهة الاخرى. ذلك يكون عن طريق المبادرة الى إقامة مركز فلسطيني خارج الكنيست الاسرائيلي، في الناصرة، يمكن أن يتحقق اذا بادرنا الى انتخاب هيئة وطنية ممثلة لنا، وهذا هو الأمر الأهم وطنياً على ساحة عملنا الوطني في المستقبل القريب.

____________________

د. أسعد غانم هو أستاذ العلوم السياسية في  جامعة حيفا، وهو رئيس مجلس إدارة جمعية إبن خلدون- الجمعية العربية للبحوث والتطوير. لغانم دراسات عديدة حول الفلسطينيين داخل إسرائيل.